ملخص
سِيدُورِي صاحبة حانة تسكن على شاطئ البحر في آخر الأرض، وهي آخر من يلقاه جلجامش من الناس في رحلته إلى أوتنابشتم. تسمّيها الملحمة sābītu «سابِيتُو»، أي صاحبة الحانة التي تبيع الجعة، ولا يظهر اسمها إلا في أوّل اللوح العاشر من النسخة البابلية المعيارية: «سيدوري صاحبة الحانة، التي تسكن على شاطئ البحر». كانت عندها قدور وأوعية، وكانت ملتفّة بالأغطية والبراقع.
جاءها جلجامش بعد موت إنكيدو لابساً جلود الحيوان، في جسده لحم الآلهة وفي قلبه حزن، ووجهه وجه من قطع طريقاً بعيداً. رأته من بعيد فقالت في نفسها: هذا قاتل ثيران برّية، فمن أين جاء إلى بابي؟ فأغلقت بابها وصعدت إلى السطح. فهدّدها أن يكسر الباب، فسألته عن حاله، فحكى لها كيف قتل مع صديقه خمبابا وثور السماء، ثم قال: «صديقي الذي أحببته صار طيناً، صديقي إنكيدو الذي أحببته صار طيناً. ألست مثله، أرقد فلا أقوم أبداً؟». وسألها الطريق إلى أوتنابشتم، فقالت: لم يكن قطّ معبر، ولم يعبر البحر أحد منذ الأيّام الأولى، الذي يعبره هو شمش البطل، ومن غير شمش يعبر؟ والعبور شاقّ، وفي وسطه مياه الموت تعترض الطريق. ثم دلّته على أورشنابي ملّاح أوتنابشتم، ومعه «أصحاب الحجر» في وسط الغابة، وقالت: اذهب فليرَ وجهك، فإن أمكن فاعبر معه، وإن لم يمكن فارجع.
وفي الرواية البابلية القديمة على لوح سِبّار لا تُسمّى، ويكون لها كلام أطول. يقول له شمش أوّلاً: «يا جلجامش، إلى أين تهيم؟ الحياة التي تطلبها لن تجدها»، ثم تقول له صاحبة الحانة الكلام نفسه وتزيد: «حين خلقت الآلهة البشر جعلت الموت نصيبهم، وأمسكت الحياة في أيديها. أمّا أنت يا جلجامش فاملأ بطنك، وافرح ليلك ونهارك، واجعل كلّ يوم عيداً، وارقص والعب ليلاً ونهاراً. لتكن ثيابك نظيفة، واغسل رأسك واستحمّ بالماء، وانظر إلى الصغير الذي يمسك بيدك، ولتفرح زوجتك في حضنك. هذا نصيب البشر». فلم يقبل جلجامش، وقال: قلبي مريض على صديقي، وأنت يا صاحبة الحانة تسكنين على شاطئ البحر وتعرفين كلّ [..]، فدلّيني على الطريق، وإن أمكن عبرت البحر.
والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّها تقف على الحدّ الذي تنتهي عنده أرض الناس. وراءها البستان الذي شجره من حجارة كريمة، خرج إليه جلجامش من طريق الشمس المظلم، وأمامها البحر الذي لا يعبره إلّا الشمس. وبيتها حانة، فيها الطعام والشراب والراحة، وكلامها في الرواية القديمة هو حياة البيت كلّها: البطن الممتلئ، والثوب النظيف، والولد الممسك باليد، والزوجة. فهي تقرّ بالموت، وتُري الرجل الحياة التي أُعطيت للبشر. فلمّا أبى إلّا العبور دلّته على الطريق. وفي النسخة المعيارية سقطت النصيحة من فمها وبقيت الدلالة، فصارت هي التي تعرف الملّاح والمعبر.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يُكتب الاسم si-du-ri «سِ-دُ-رِ»، وفي نسخة أخرى ši-du-ri «شِ-دُ-رِ» تسبقه علامة الألوهة. فإذا نزعنا الكسرة الأخيرة بقيت السين والدال والراء، وهي مادة سدر العربية. وفي معجم لين أنّ السَّدِر من أسماء البحر، ورد في شعر أُميّة بن أبي الصلت، وأنّ «سَدِرَ» الرجل إذا نظر إلى الشيء فبهره حتى صرف وجهه عنه، وتحيّر فلم يهتدِ، ومنه دوار يصيب راكب البحر، وأنّ سِدْرة المُنْتَهى سدرة في السماء السابعة لا يجاوزها ملك ولا نبيّ. فسيدوري على هذه القراءة «صاحبة البحر»: تسكن على شاطئه عند الحدّ الذي لا يجاوزه إلّا الشمس، ويأتيها رجل خرج لتوّه من ظلمة طريق الشمس إلى بريق الشجر. وهذه قراءة مقترحة على المنهج، ليست في المقالات. وتقرأ المقالة السومرية الحروف نفسها في اسم زيوسودرا، ناجي الطوفان الذي يسكن وراء بحرها، فتجعل «سُودْرا» من «سدر» بمعنى الامتداد والطول. أمّا لقبها sābītu «سابِيتُو» فهو «سابئة» العربية: يقال سبأ الخمر إذا اشتراها ليشربها، و«السَّبّاء» بائع الخمر.
الجذر اللغوي
| الكتابة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| sa-bi-tum «سا-بي-تُم» | سابِيتُم | لقبها في الرواية البابلية القديمة، بلا اسم |
| ᶠsi-du-ri «سِ-دُ-رِ» | سِيدُورِي | نسخة من نينوى، تسبقها علامة المرأة |
| ᵈši-du-ri «شِ-دُ-رِ» | شِيدُورِي | نسخة أخرى من نينوى، تسبقها علامة الألوهة |
| šiduri sābītu «شِيدُورِي سابِيتُو» | صيغة النصّ الموحّد في المكتبة البابلية الإلكترونية |
اللقب: «سابئة»
اللقب أوضح من الاسم. sābītu «سابِيتُو» مؤنّث sābû «سابُو»، ومعناه في معجم شيكاغو الأشوري صاحب الحانة وبائع الجعة، ومنه بيت الحانة bīt sābî «بِيت سابِي»، وفي المعجم نفسه كلمة sabû «سَبُو» بمعنى الجعة في قوائم الألفاظ. وفي العربية «سبأ الخمر» و«استبأها» إذا اشتراها ليشربها، ويقول لين إنّ الفعل لا يُستعمل في الشراء إلّا للخمر، و«السِّباء» الخمر، و«السَّبّاء» بائعها. السين والباء واحدة في الفرعين، والهمزة الأخيرة سقطت في الأكدية كما تسقط فيها حروف الحلق، والتاء علامة التأنيث. فصاحبة الحانة في الملحمة هي «السابئة» بلفظ العرب.
الاسم: مادة «سدر»
يُكتب الاسم بالسين في نسخة وبالشين في أخرى، والسين الأكدية تقابل السين العربية، والشين تقابل السين أو الشين أو الثاء، فالكتابتان تتّسعان للسين. وتبقى بعدها الدال والراء بلا تغيير. وفي معجم لين من مادة سدر ثلاثة معانٍ تلتقي عند صاحبة الحانة: السَّدِر اسم من أسماء البحر، وهو نادر لم يرد إلّا في شعر أميّة بن أبي الصلت، وسَدِرَ إذا بهره ما ينظر إليه، كبريق الشمس، فتحيّر ولم يرَ طريقه، ومنه دوار راكب البحر، وسِدْرة المنتهى السدرة التي ينتهي عندها ما يجاوزه الملائكة والأنبياء، وتظلّل الماء والجنّة. والأوّل أقربها إلى ما يقوله اللوح: «التي تسكن على شاطئ البحر».
وحدّ هذه القراءة أنّ الكسرة الأخيرة لم تُفسَّر، وأنّ اسم البحر هذا نادر، وأنّ فهرس المكتبة البابلية الإلكترونية يحيل في اشتقاق الاسم إلى بحث لولفرد لامبرت لم نطّلع عليه. وتشبه «سيدوري» في السمع «سيّدتي»، لكنّ الراء لا تجد في «سيّدة» مقابلاً، فهي أبعد.
السياق التاريخي
صاحبة الحانة امرأة معروفة في المجتمع البابلي. تعاقب شريعة حمورابي صاحبة الحانة إذا لم تقبل الحَبّ بالوزن ثمناً للشراب وأخذت الفضّة، وكان ثمن الشراب أقلّ من ثمن الحبّ، وتقضي بقتلها إذا اجتمع المتآمرون في بيتها فلم يُقبض عليهم ويُؤتَ بهم إلى المحكمة، وتقضي بحرق الكاهنة إذا فتحت حانة أو دخلتها لتشرب. فالحانة بيت يلتقي فيه الغرباء وتمرّ فيه الأخبار، ولهذا يقول لها جلجامش في الرواية القديمة: أنت تسكنين على شاطئ البحر وتعرفين كلّ [..].
واللوح البابلي القديم الذي يحفظ نصيحتها يُعرف بلوح سِبّار، وهو اليوم قطعتان: VAT 4105 «في-إيه-تي 4105» في برلين وBM 96974 «بي-إم 96974» في لندن، ويذكر مشروع مصادر الأدب الأكدي المبكر أنّ موضع العثور عليه غير معروف، وأنّ أندرو جورج نشره سنة 2003. وفيه يسمّى ملّاح أوتنابشتم سُورْسُونابو، وأوتنابشتم أوتا-نائشتم.
| الاسم | الصلة بسيدوري | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| جلجامش | الزائر الذي أغلقت دونه بابها ثم دلّته على الطريق | اللوح العاشر؛ الرواية القديمة |
| شمش | الوحيد الذي يعبر البحر، ويقول لجلجامش كلامها نفسه قبلها في الرواية القديمة | اللوح العاشر 81–82؛ الرواية القديمة، العمود الأوّل |
| أورشنابي | الملّاح الذي دلّت عليه | اللوح العاشر 87–91 |
| أوتنابشتم | الغاية التي سألها عنها جلجامش | اللوح العاشر 73 |
| إنكيدو | الصديق الذي يبكيه جلجامش أمامها | اللوح العاشر 53–71 |
السرديات الأسطورية الرئيسة
البستان الذي قبل الحانة
قبل أن يبلغ جلجامش بيتها دخل جبل ماشو الذي يحرس مطلع الشمس ومغيبها، وعلى بابه رجال العقارب، وسار في طريق الشمس داخله اثنتي عشرة ساعة مضاعفة في ظلمة لا يرى فيها ما خلفه، ثم خرج قبل الشمس إلى بريق، فرأى «شجر الآلهة»: شجرة من العقيق تحمل عناقيد العنب، وشجرة من اللازورد ورقها وثمرها حسن المنظر، وشوك من البلّور، وصدف البحر. وفي آخر اللوح التاسع: «وفيما كان جلجامش يتمشّى رفعت رأسها تنظر إليه»، ثم يبدأ اللوح العاشر بسيدوري.
ما يتغيّر بين الروايتين
في الرواية القديمة يأتي الكلام نفسه، «الحياة التي تطلبها لن تجدها»، من فم شمش ثم من فم صاحبة الحانة، فتسمعه الشمس والمرأة كلتاهما. وفي النسخة المعيارية يسألها جلجامش عن «علامة» الطريق، فتجيبه بالملّاح وأصحاب الحجر، ويكرّر الكلام نفسه مع أورشنابي ثم مع أوتنابشتم، وتصير مسألة الموت في خطاب أوتنابشتم.
القراءة الرمزية
لا تقرأ المقالات سيدوري نفسها. وتقرأ مقالة إعادة القراءة البابلية الرحلة إلى أوتنابشتم استكشافاً بحرياً عبر الخليج العربي، فتكون حانة سيدوري على هذه القراءة آخر بيت على الساحل قبل طريق البحر، كما كانت الحانات في شريعة حمورابي بيوتاً يلتقي فيها الغرباء. والنصّ يسند وجهاً ثانياً من حياة الناس: صاحبة الحانة تبيع الشراب وتعرف الطرق، وما تنصح به هو ما يقوم عليه البيت، الطعام والنظافة والولد والزوجة، والذي يرفضه جلجامش هو هذا البيت نفسه حتى يعود إليه في آخر الملحمة ومعه الملّاح، ينظر إلى سور مدينته.
التوازيات عبر الحضارات
يسأل أوديسيوس كِيرْكِي أن تعيده إلى بيته، فتقول له إنّ عليه أوّلاً أن يذهب إلى بيت هاديس، فيقول: «لم يبلغ أحد هاديس في سفينة سوداء»، فتعلّمه الطريق عبر المحيط. وتقول سيدوري لجلجامش إنّ أحداً لم يعبر البحر منذ الأيّام الأولى، ثم تعلّمه الطريق.
ونصيحتها في الرواية القديمة قريبة في ألفاظها من سفر الجامعة: «اذهب كُل خبزك بفرح، واشرب خمرك بقلب طيّب.. لتكن ثيابك في كلّ حين بيضاء، ولا يُعوز رأسك الدهن، والتذّ عيشاً مع المرأة التي أحببتها». فالطعام والثوب النظيف وغسل الرأس والزوجة في النصّين، وكلاهما يقولها لمن يعرف أنّه يموت.
وهي على الطريق إلى ناجي الطوفان، وما وراء بحرها من مياه الموت حدّ لا يعبره الأحياء إلّا بملّاح، كما في قصص النزول إلى العالم السفلي.
وفي الصين يسافر الملك مو غرباً إلى الملكة الأمّ للغرب، فتغنّي له على بحيرة اليشب إنّ الجبال والأنهار تفصل بينهما، وإنّه إن لم يمت فلعلّه يعود، في صفحة الملكة الأمّ للغرب.