ملخص
زِيُوسُودْرَا هو الملك الذي نجا من الطوفان في القصيدة السومرية، ومنحه الآلهة حياة دائمة في دِلْمُون وراء البحر.
يقف زيوسودرا عند جدار فيسمع تحذيراً: قرر الآلهة إهلاك البشر بالطوفان. ويضيع من اللوح خبر بناء السفينة، ثم تهب العواصف سبعة أيام وسبع ليال والسفينة الكبيرة تتقاذفها المياه. بعدها يظهر أوتو بنور الشمس، فيفتح زيوسودرا منفذاً في السفينة يدخل منه النور، وينحني أمامه ويقدم قرباناً. وفي الخاتمة يمنحه آن وإنليل حياة دائمة لأنه حفظ الحيوان ونسل البشر، ويسكنانه دلمون حيث تشرق الشمس. ويعرفه نص سومري آخر، «وصايا شروباك» «شُرُوپَّاك»، ابناً يتلقى من أبيه شروباك خبرة البيت والحقل والبئر، وتُختم الوصايا بنسبة إتمام ألواحها إلى نِيسَابَا. وفي رواية بِيرُوسُوس المتأخرة يسمى البطل خِيسُوثْرُوس، ويؤمر بدفن الكتابات في سيبار قبل الطوفان، ثم يستخرجها الناجون وتُبنى المدن من جديد.
والفكرة التي تدور عليها هذه الروايات أن الناجي يحفظ شيئين: الحياة، أي الحيوان ونسل البشر في السفينة، والمعرفة، أي كلام الأب في الألواح والكتابات المدفونة في سيبار. ولا تبدأ المدن من جديد في رواية بيروسوس حتى تُستخرج تلك الكتابات. وجزاء من حفظ الحياة أن يُعطى حياة لا تنتهي.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يُكتب بالعلامات السومرية zi-ud-su₃-ra₂ «زِ-أُدْ-سُ-رَ» (والأرقام تميز العلامات ولا تُنطق)، ومعناه في السومرية «حياة طويلة الأيام»: zi «زِ» الحياة، وud «أُد» اليوم، وsud «سُد» الطول. ويقرّب المقال السومري في المشروع «زِ» من «حيّ»، و«سُدْرَا» من «سَدَرَ» العربية، يقال سدر الثوب إذا أرسله طولاً. ويقرؤه محمد رشيد ناصر ذوق «ذي سطرا»، أي صاحب السطور. والقراءتان تمسكان طرفي القصة: الحياة الطويلة التي نالها في دلمون، والسطور المكتوبة التي حُفظت بها المعرفة بعد الطوفان.
الجذر اللغوي
الحياة وطول الأيام
يكتب الاسم 𒍣𒌓𒋤𒁺 وينقل zi-ud-su₃-ra₂ (زِ-أُدْ-سُ-رَ)، كما ترد الصيغتان Ziusudra (زِيو-سُدْرَ) وZi-ud-sura (زِ-أُدْ-سُرَ)، وتوثق قاعدة الاسم صيغة أخرى هي zi-sud-da (زِ-سُدْ-دَ). يجمع التحليل السومري zi (زِ: الحياة والنفس)، وud (أُد: اليوم)، وsud (سُد: الطول والامتداد). ويوافق هذا خاتمة القصة: يمنح آن وإنليل زيوسودرا حياة دائمة.
وتقارن المقالة السومرية «زِ» بـ«حيّ» السامية، وsudra (سُدْرَ) بالعربية «سدر»: يقال سدر الثوب إذا أرسله طولاً، ومن طول الثوب ينتقل الاقتراح إلى طول الحياة. ويرد «السدر» بمعنى البحر في شاهد شعري نادر مختلف في شرحه، و«سَدِر» للتحير أو دوار البحر؛ وهذه معان تقارن بالرحلة ولا يصف بها النص البطل. كما تقارن zi-ud (زِ-أُد) بـ«زاد» و«زيد» من الزيادة، وهو معنى يلائم زيادة العمر، لكنه يحتاج إلى تفسير كيف يمثل مقطعان سومريان جذراً عربياً واحداً.
«ذي سطرا»: صاحب الكتابة
«ذو» في العربية صاحب الشيء، ومنها «ذا» و«ذي» بحسب الإعراب. لذلك يشرح ذوق اقتراحه بمعنى «صاحب السطور»، وإن كانت «ذي سطرا» قراءته للاسم القديم لا تركيباً عربياً أثبته لوح سومري. وللسطر معنى صف الكتابة وصف النخل والشجر وفعل الكتابة، كما يتصل «المسيطر» بالرقيب المتعهد للشيء. وجود الوصايا والكتابات المحفوظة يجعل معنى الكتابة هو الأنسب بين هذه المعاني.
| الشاهد | النطق العربي | المعنى |
|---|---|---|
| šaṭāru (شَطارُ) الأكدي | شَطارُ | كتب ونقش ونسخ وسجل. المعجم الأكدي |
| šṭār / šṭārā (شْطار / شْطارا) الآرامي والسرياني | شْطار / شْطارا | وثيقة أو عقد. المعجم الآرامي |
| šəṭār (شِطار) العبري الرباني | شِطار | سند مكتوب، ولا سيما سند دين. معجم بن يهودا |
ينص المعجم الآرامي على أخذ لفظه من الأكدية؛ فهو شاهد على انتقال الكلمة، لا على وراثة مستقلة في كل لغة. ونهاية šṭārā (شْطارا) آرامية، فلا تجعل نهاية الاسم السومري آرامية لمجرد الشبه.
| موضع المقارنة | اقتراح «ذي سطرا» | ما يبقى مختلفاً |
|---|---|---|
| ziu (زِيو) | ذي أو ذو | الزاي/الذال والحركات |
| sudra (سُدْرَ) | سطر أو šṭārā (شْطارا) | السين/الشين، والدال/الطاء، والحركات |
| zi-ud-su₃-ra₂ (زِ-أُدْ-سُ-رَ) | الاسم كله | الدال في ud (أُد) تسبق السين، ولا تشهد صيغة وسيطة بنقلها |
تشرح قراءة الحياة الهدية في خاتمة الطوفان، وتشرح قراءة السطور حفظ المعرفة؛ فكل واحدة منهما تمسك جانباً مختلفاً من صورة الناجي.
السياق التاريخي
يحفظ متحف بنسلفانيا اللوح المفهرس CBS 10673 (سي بي إس 10673، رقم فهرسة)، الملتحق بالقطعة CBS 10867 (سي بي إس 10867، رقم فهرسة)، من نيبور، ويؤرخه بنحو 1650 قبل الميلاد. لم يبق إلا أسفل لوح ذي ستة أعمدة، ولذلك تقطع فجوات واسعة سياق الكلام.
في «وصايا شروباك» شروباك أب زيوسودرا وأوبارا توتو جده؛ وشروباك هنا اسم شخص، وإن كان اسم مدينة أيضاً.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الصوت عند الجدار
ينسب شرح المتحف صوت التحذير إلى إنكي، لكن الكلمات الباقية عند الجدار لا تحفظ اسم المتكلم صراحة. ويقول الصوت إن الحكم بإهلاك بذرة البشر كلمة مجلس الآلهة، ولا تُرد. أما النجارون والقار والطيور فترد تفاصيلهم في رواية أوتنابشتم الأخرى.
وصايا الأب
يحذر شروباك ابنه من الخصام والسرقة، ويعلمه أين يضع البيت والحقل والبئر: فالبئر في الحقل قد يضر، والبيت عند الساحة تعلوه الزحمة. وتنسب الخاتمة إتمام الألواح إلى نيسابا؛ فزيوسودرا متلقي الكلام دون أن تسميه مؤلفه.
رواية بيروسوس
وصل خبر بيروسوس عن مؤلفين متأخرين. فيه يأمر كْرُونُوس خيسوثروس أن يدفن الكتابات في سيبار، ثم يركب مع أسرته ورفاقه والحيوانات. وبعد انحسار الماء يخرج مع زوجته وابنته والملاح، ويغيب الأربعة. ويسمع الباقون صوته يأمرهم بالعودة إلى بابل، واستخراج الكتابات، وإتاحتها للناس. تجعل هذه الرواية سيبار موضع الحفظ، وأرمينيا موضع الرسو، بينما تجعل الرواية السومرية دلمون مقام زيوسودرا بعد النجاة؛ فلا تدمج الأماكن الثلاثة.
القراءة الرمزية
نجاة الجماعة في هذه النصوص بقاء معرفة تنظم العمل، لا بقاء الأجساد وحدها. وهذا يمنح «صاحب السطور» صورة قصصية، مع بقاء الوصايا وخبر بيروسوس نصين مختلفين.
وتقترح مقالة المقارنة السومرية أن الطوفان يحفظ خبرة بالفيضان والإنذار المبكر. يثبت لوح نيبور أن القصة كانت تكتب وتتداول، لكنه لا يربطها بطبقة فيضان مؤرخة ولا يثبت أن بطله شخص تاريخي بعينه.
التوازيات عبر الحضارات
في اللوح الحادي عشر يحذر إيا أوتنابشتم عند حاجز القصب، ويسميه ابن أوبارا توتو من شروباك. وفي «الوصايا» زيوسودرا حفيد أوبارا توتو. المكان والتحذير والأسرة يصلون الروايتين، لكن اختلاف النسب يحتاج إلى تاريخ انتقال ولا يسمح بنسخهما في سيرة واحدة.
وفي سورة هود يحمل نوح الأزواج وأهله، مع الاستثناء المذكور، ومن آمن، ثم تستقر السفينة على الجودي؛ وتذكر النساء الوحي إليه. تقترح المقالة السومرية وذوق أن زيوسودرا ونوح شخصية واحدة، لكن التشابه في تلقي الإنذار وحمل جماعة لا يثبت وحده هذه الهوية. ولا تسمي «الوصايا» ولا كتابات سيبار المحفوظة صحف نوح. ودلمون مقام بعد النجاة، والجودي موضع رسو؛ فاشتقاق الاسم وهوية الناجي وجغرافية الرحلة دعاوى منفصلة.