ملخص
نِينْكاسي معبودة الجِعَة عند السومريين. يقول ميغيل سيفيل، ناشر أنشودتها، إنّ الأنشودة تمدحها لأنّها القوّة الخفيّة التي تُحدث التخمّر، فتحوّل الحبّ والماء إلى الشراب الذي «يُفرح الكبد ويملأ القلب سروراً». والجعة في الألواح السومرية من أكثر الكلمات وروداً، أغلبها في حصص الطعام التي كانت تُوزَّع على العاملين.
ويُحكى مولدها في «إنكي ونينهورساج». مرض إنكي بعد أن أكل نباتات نينهورساج، فرجعت إليه وأجلسته عندها وسألته: «يا أخي، أيّ موضع منك يؤلمك؟» قال: «فمي يؤلمني»، فولدت منه نينكاسي. ثم قسمت على المولودين أعمالهم، فقالت: «لتكن نينكاسي ما يُرضي القلب»، والعبارة في السومرية «ما يملأ القلب». وفي «أنشودة نينكاسي» هي المولودة من الماء الجاري، التي ربّتها نينهورساج بحنان، وبنت لها مدينتها وأتمّت أسوارها العظيمة، وأبوها إنكي، وأمّها نِنْتِي، ملكة الأبسو. إنكي ونينهورساج، 254–280، مدوّنة الأدب السومري، أنشودة نينكاسي، 1–12.
ثم تعدّ الأنشودة أعمالها واحداً بعد آخر: هي التي تقلّب العجين بمجرفة كبيرة، وتخلط في حفرة خبز الجعة بالأطياب الحلوة؛ وهي التي تخبز خبز الجعة في التنّور الكبير، وترتّب أكداس الحبّ المقشور؛ وهي التي تسقي الشعير المنبَّت المغطّى بالتراب، والكلاب الكريمة تحرسه؛ وهي التي تنقع المنبَّت في الجرّة، فترتفع الموجات وتنخفض؛ وهي التي تبسط المهروس المطبوخ على حُصُر القصب الكبيرة فيبرد؛ وهي التي تمسك بيديها النقيع الحلو العظيم وتخمّره بالعسل والخمر؛ وهي التي تضع وعاء التخمير الذي يُسمع له صوت لطيف فوق وعاء الجمع الكبير؛ وهي التي تصبّ الجعة المصفّاة من وعاء الجمع، فتكون كاندفاع دجلة والفرات. ويرى سيفيل أنّ الأنشودة تذكر خطوات الصنعة على ترتيبها في الجملة، فهي تبدأ بأوّل العمل وتنتهي بصبّ الشراب، وإن لم تُكتب لتعليم الصنعة.
والفكرة التي تدور عليها أخبارها أنّ الصنعة نفسها صارت معبودة. فنينكاسي لا تُعطى الجعة هديّة من غيرها، وإنّما كلّ خطوة في صنعها فعل من أفعالها. وهي تخرج من فم إنكي، معبود الماء العذب، وتربّيها نينهورساج، أمّ الولادة، فيجتمع في نسبها الماء الذي يُنقع فيه الحبّ والأرض التي تُنبته، ويُعطى لها عمل واحد: أن تملأ القلب.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يُكتب nin-ka-si «نِن-كا-سِي»، وnin «نِن» السيّدة، وتقرأ المقالة السومرية kasi «كاسي» من «الكأس»، فنينكاسي «سيّدة الكأس». والكأس في معجم لين الإناء يُشرب فيه، أو الإناء فيه الشراب، ولا يُسمّى كأساً إلا وفيه شراب، فإذا كان فارغاً سُمّي قدحاً، وقيل الكأس الشراب نفسه، ويجوز «كاس» بلا همز. والسومرية تكتب الاسم بعلامتين: ka «كا» الفم، وsi «سِي» الملء، فالكأس الملأى والفم المملوء معنى واحد. والقصيدة نفسها تجعلها مولودة من فم إنكي، وتعطيها أن «تملأ القلب».
الجذر اللغوي
نينكاسي و«الكأس»
| الصيغة | النطق | المعنى |
|---|---|---|
| ᵈnin-ka-si «نِن-كا-سِي» | نِينْكاسي | اسمها، تسبقه علامة المعبود |
| nin «نِن» | نِن | السيّدة |
| ka «كا» | كا | الفم؛ «فمي يؤلمني» في مشهد مولدها |
| si «سِي» | سِي | ملأ، واستقى الماء، وصنع الجعة |
| kaš «كَاش»، ka-aš «كا-أَش» | كاش | الجعة والشراب المسكر |
تجعل المقالة السومرية «الكأس» أرجح قراءاتها، وتقول إنّ «كاسي» السومرية تطابقها تطابقاً شبه حرفي. والمقابلة هنا حرف بحرف: الكاف كاف، والهمزة التي في «كأس» لا تكتبها المسمارية، ولين يجيز «كاس» بلا همز، والسين سين. وفي العبرية kôs «كُوس» الكأس، يُشرب فيها الخمر، وفي الآرامية كلمة بالحروف نفسها. ويذكر معجم براون ودرايفر وبريغز قول فرنكل إنّ العربية أخذت الكلمة من الآرامية، وهذا حدّ ما يُبنى على الكلمة العربية وحدها. وتبقى إلى جانب هذه القراءة الكلمة السومرية kaš «كَاش»، الجعة، التي تُكتب أيضاً ka-aš «كا-أَش»، فالشراب والإناء الذي يُشرب فيه وفعل الملء تجتمع كلّها حول الاسم.
قراءات أخرى في المقالة
وتذكر المقالة بعد «الكأس» قراءة «قسا»، أي أسكر وأضعف، وتجعلها متوسّطة، ثم «كسا»، أي غطّى، تأويلاً للنشوة التي تغطّي الرأس، ثم «كسّ» وتجعلها ضعيفة. والكأس أقربها حروفاً ومعنى، لأنّ القصيدة لا تصف نينكاسي بالإسكار والإضعاف، وإنّما تصفها بالصنعة وبملء القلب سروراً.
السياق التاريخي
وصلت الأنشودة على ثلاثة ألواح، في متحف اللوفر وفي إسطنبول وفي برلين، وتأتي على الألواح كلّها مع أغنية شراب سومرية لم يُعرف غيرها حين نشرها سيفيل. وفي لوح برلين يكتب الناسخ بين السطور قراءات أخرى من نسخ مختلفة، يحاول أن يوفّق بينها. وفي المعجم السومري تأتي كلمة الجعة kaš «كَاش» نحو أربعين ألف مرّة، تسعة أعشارها من ألواح سلالة أور الثالثة.
الأسرة والصلات
| الاسم | الصلة بنينكاسي | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| إنكي | أبوها في الأنشودة، وتولد من فمه في «إنكي ونينهورساج» | الأنشودة 9–12؛ «إنكي ونينهورساج» 262–263 |
| نِنْتِي، ملكة الأبسو | أمّها في الأنشودة، وهو لقب لزوجة إنكي | الأنشودة 9–12؛ سيفيل، ص 75 |
| نينهورساج | تلدها من ألم إنكي، وتربّيها في الأنشودة | «إنكي ونينهورساج» 254–280؛ الأنشودة 1–8 |
| نِنْتِي «سيّدة الضلع» | أختها التي وُلدت معها في المشهد نفسه | «إنكي ونينهورساج» 264–271 |
| إنانا | تُختم أغنية الشراب بفرح قلبها | أغنية الشراب 78–79 |
| لوغالبندا | ينام ببرميلها، ويريد أن تمزج الجعة لأنزود | «لوغالبندا في كهف الجبل» 326–350؛ «لوغالبندا وطائر أنزود» 1–27 |
| دلمون | أرض المشهد الذي وُلدت فيه | «إنكي ونينهورساج» |
السرديات الأسطورية الرئيسة
أغنية الشراب
تأتي بعد الأنشودة على الألواح أغنية يعدّ فيها المغنّي أوعية الجعة: وعاء الغَكُّول الذي «يُفرح الكبد»، ووعاء اللامساري الذي «يُبهج القلب»، والجرار والدلاء المصفوفة على حواملها. ثم يشرب القوم نخب امرأة: «لتسكن نينكاسي معك، ولتصبّ لك الجعة والخمر». وتجيب: «وأنا أشرب الجعة في نشوة، والقلب فرح والكبد مسرور». وتُختم الأغنية: «قلب إنانا فرح من جديد، قلب ملكة السماء فرح من جديد». ويرى سيفيل أنّ الأغنية قد تحتفل بافتتاح حانة تملكها امرأة، ربّما ساقية من الساقيات اللواتي يسمّيهنّ الأكديون sābītu «سابِيتُو»، لأنّ الحانات كانت في ذلك العصر في أيدي النساء.
نينكاسي في قصيدتي لوغالبندا
حين يُترك لوغالبندا وحده في الجبال، يغلبه النوم «ببرميل نينكاسي الخشبي»، أي بالجعة، فيأتيه معبود الأحلام. ثم يعزم أن يُكرم الطائر أنزود، فيقول في نفسه إنّه سيدعو نينكاسي الماهرة: «وعاء تخميرها من اللازورد الأخضر، وبرميلها من الفضّة المصفّاة والذهب، إذا وقفت عند الجعة كان الفرح، وإذا جلست عندها كان السرور»، لتمزج له الجعة، فإذا شرب أنزود وفرح دلّه على طريق إخوته.
القراءة الرمزية
تقول المقالة السومرية إنّ نينكاسي من أقدم المعبودات المختصّة بعمل واحد، وإنّ الجعة كانت في سومر مقدّسة وأداة احتفال وغذاء يومياً، وإنّ أقدم وصفة جعة في التاريخ كُتبت بالسومرية. وتشهد الألواح لهذه الصورة: الجعة في حصص العمّال اليومية بعشرات الآلاف، وفي القرابين، وفي الأغنية التي تُفرح قلب إنانا.
والأنشودة تصل الجعة بالماء والأرض معاً: يُنقع المنبَّت في الجرّة «فترتفع الموجات وتنخفض»، ويُصبّ الشراب المصفّى «كاندفاع دجلة والفرات». فالجعة في القصيدة صورة صغيرة من ماء البلاد وحبّها، كما أنّ نسب نينكاسي يجمع إنكي معبود الماء ونينهورساج أمّ الأرض.
التوازيات عبر الحضارات
ساقيات الحانات اللواتي يذكرهنّ سيفيل يظهرن في الملحمة الأكدية في سيدوري، صاحبة الحانة على شاطئ البحر في آخر الأرض، التي يمرّ بها جلجامش في طريقه إلى أوتنابشتم.
وتقابل المقالة السومرية نينكاسي بـديونيسوس الإغريقي معبود الخمر، وبباخوس الروماني، وبـحتحور المصرية في جانب السُّكر والاحتفال. وفي قصّة حتحور تُصنع الجعة بأمر رع وتُصبغ بالمغرة الحمراء حتى تشبه الدم، فتشرب منها حتحور وتسكر وتعود ولم ترَ الناس، فتنجو البشرية بالجعة.
وفي الهند وإيران شراب آخر هو معبود في الوقت نفسه، السوما والهوم، تذكر أناشيده العصر والسحق والتصفية خطوة بعد خطوة، كما تذكر أنشودة نينكاسي النقع والخبز والتخمير والتصفية. والفرق أنّ السوما يُعصر من نبات، والجعة تُصنع من الحبّ بالنقع والتخمير.
وفي الشمال يصنع إيغير عملاق البحر الجعة للآلهة في قاعته، ويحتاج إلى قدر عظيم يذهب ثور فيأتيه به من عند العملاق هيمير، فصانع الشراب هناك مضيف الآلهة، وصانعته في سومر معبودة.
وصنعة الجعة التي صارت معبودة، بخطواتها المحفوظة في أنشودة، تضع نينكاسي مع أصحاب الصنائع في الأبطال الحضاريين.