ملخص
رحلة الشمس قصّة الطريق الذي تقطعه الشمس كلّ يوم: من أين تخرج في الصباح، وعلى أيّ شيء تُحمل، ومن يسوقها، وأين تدخل في المساء، وأين تكون في الليل حتى تعود. وأقدم رواية تامّة لها الكتب المصرية التي ترسم رحلة رع في الليل، وأقدم نسخة من أوّلها، كتاب «الأمدوات»، في قبر تحوتمس الأوّل في أوّل الدولة الحديثة، وأقدم منها صورة الشمس تشقّ الجبال على ختم أكدي من نحو 2300 ق.م.
يعبر رع السماء في النهار في مركب، ويدخل الليل في مركب آخر. وتسمّي النصوص المصرية مركب النهار mꜥnḏ.t «مَعَنْجِت» ومركب الليل msk.tt «مِسْكِتِت»، وفي بردية طبّية محفوظة في لندن خطاب للذين «يرافقون رع حين يصعد إلى الأفق، يجدّفون في مركب المساء ويسافرون في مركب الصباح». فإذا غربت الشمس دخل رع الدوات برأس كبش، وجرى مركبه على نهر يشقّ العالم السفلي كما يشقّ النيل مصر، والليل اثنتا عشرة ساعة. في بعضها يُجرّ المركب على رمل أرض سُكَر، وفي السادسة يتّحد رع بجسد أوزيريس، وفي السابعة يريد أبوفيس أن يجنح المركب على ضفّة من الرمل فيُغلب، وفي الثانية عشرة يخرج رع في صورة الجعل خبري فيرفعه شو فوق الأفق. ويقسم «كتاب البوّابات» الليل نفسه بأبواب تحرسها الحيّات، لا يمرّ منها المركب إلّا بكلمة السرّ، وفي آخره يرفع نون المركب من الماء. وترسم توابيت أخرى نوت تبتلع الشمس في المساء، فتعبر الشمس جسدها في الليل، ثم تلدها في الفجر. ولذلك يقول رع عن نفسه: أنا خبري في الصباح، ورع في الظهيرة، وأتوم في المساء.
وتتكرّر القصّة في ميثولوجيات كثيرة، ويتغيّر فيها المركوب والسائق والعدوّ والباب. في بلاد الرافدين يشقّ أوتو الجبال في الصباح، ويرجع في المساء إلى بيته تحت الأرض فيحيّيه البوّاب ويفتح له، وفي الملحمة يأخذ جلجامش «طريق الشمس» داخل جبل ماشو اثنتي عشرة ساعة مضاعفة في الظلام. وفي أوغاريت تنزل شبش، «سراج الآلهة»، إلى الموتى وتحكمهم. وفي إيران تخرج الشمس كلّ يوم من كوّة في جبل البرز وتدخل في كوّة. وفي الهند يجرّ عربة سوريا سبع أفراس، ويطعنه سْڤَرْبْهَانُو بالظلام. وفي اليونان يسوق هيليوس عربته إلى أوقيانوس، ويعطي هيراكليس كأساً من ذهب يعبر بها البحر. وفي الصين تغسل شي خه الشموس العشر وتسوق الشمس، ويرمي يي تسعاً منها حين تخرج معاً، ويجري كوا فو خلف الشمس حتى يدركها عند دخولها. وفي اليابان تختبئ أماتيراسو في كهف من صخر فيظلم العالم. وفي الشمال تسوق سول فرسين ويطاردها ذئب حتى يبتلعها في آخر الزمان. وعند الأمازيغ يلعن الأتارانت الشمس إذا علت فوقهم.
والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ للشمس نصفاً يُرى ونصفاً لا يُرى. في النهار تمرّ فوق الناس، وفي الليل تكون حيث لا يراها أحد، في العالم السفلي أو في جوف الجبل أو في البحر، ثم تعود. ولذلك يسأل كلّ شعب الأسئلة نفسها ويجيب عنها بما في أرضه. على أيّ شيء تسير؟ في مركب عند المصريين الذين طريقهم النيل، وعلى عربة وخيل عند الهنود واليونان وأهل الشمال، وعلى الغربان في الصين. من يسوقها؟ رع نفسه، أو سول، أو شي خه. من يعترضها؟ حيّة، أو ذئب، أو شيطان يطعنها بالظلام. أين تدخل؟ في جبل له باب وحارس، أو في لجّة، أو في البحر، أو في الغابة. ومن هذا الطريق يُعدّ الزمن: اثنتا عشرة ساعة لليل في مصر، واثنتا عشرة ساعة مضاعفة في جبل ماشو، وستّة عشر منزلاً لليوم في الصين، وكوى في جبل البرز تدخل الشمس من كلّ منها يوماً، والشمس والقمر في الشمال يجريان «ليعدّ الناس السنين». وما يجري على الشمس يجري على الموتى: يصحب الموتى رعاً في مركبه، وتحكم شبش أرواحهم، وتدخل أرواحهم في بلاد الرافدين من الباب الذي يدخل منه شمش.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ليس للقصّة اسم واحد في اللغات القديمة، لكنّ كلماتها الأولى تتكرّر. تسمّي الأكدية خروج الشمس aṣê šamši «أَصِي شَمْشِي» ودخولها erēb šamši «إِرِيب شَمْشِي»، وفي الملحمة يحرس الرجال العقارب الشمس «عند خروجها وعند دخولها»، ويأخذ جلجامش ḫarrān šamši «خَرَّان شَمْشِي»، أي طريق الشمس. وerēbu «إِرِيبُو» في المعجم الأكدي «دخل»، ويقال للشمس إذا غربت، وهو «غَرَبَ» العربية: الراء راء، والباء باء، وحرف الحلق الذي في أوّل الكلمة لا تكتبه الأكدية، فتضع مكانه كسرة. و«غربت الشمس» في معجم لين غابت، و«غَرَبَ» ذهب وتباعد، ويقال للوحش «غرب» إذا توارى في مكمنه، و«المَغْرِبان» أبعد موضعين تغرب فيهما الشمس في الصيف والشتاء، وبينهما مئة وثمانون موضعاً. فالأكدية ترى الشمس تدخل بيتها، والعربية تراها تتوارى كما يتوارى الوحش. ثم إنّ العربية تجمع المركب والطريق في جذر واحد: «الفُلْك» السفينة، ويقال لسفينة نوح، و«الفَلَك» في معجم لين موضع دوران النجوم، ويقول القرآن في الشمس والقمر: «وكلٌّ في فلك يسبحون». و«سبح» عام على وجه الماء، و«السَّبْح» أيضاً جري الفرس إذا مدّ يديه في جريه كالسابح. فالآية تجمع في كلمتين مركب رع وخيل سوريا وهيليوس وسول.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
mꜥnḏ.t |
مَعَنْجِت | المصرية | مركب الشمس في النهار |
msk.tt |
مِسْكِتِت | المصرية | مركب الشمس في الليل |
ḥtp |
حِتِب | المصرية | رضي واستراح؛ وغربت الشمس |
mꜣnw |
مَانُو | المصرية | جبل الغرب، ودار الموتى، والغرب |
ḫarrān šamši |
خَرَّان شَمْشِي | الأكدية | طريق الشمس |
aṣê šamši، erēb šamši |
أَصِي شَمْشِي، إِرِيب شَمْشِي | الأكدية | خروج الشمس، ودخولها |
ʿrb |
عَرَب | الأوغاريتية | غربت، يقال للشمس |
| עֶרֶב | عِرِب | العبرية | المساء، والغروب |
| 日月所出، 日月所入 | «رِه يُوِه سُوو تْشُو»، «رِه يُوِه سُوو رُو» | الصينية | حيث تخرج الشمس والقمر، وحيث يدخلان |
sól gengr í ægi |
سُول غِنْغْر إِي أَيْغِي | النوردية | الشمس تمضي في البحر |
| غَرَبَ، المَغْرِب، المَغْرِبان | العربية | غابت الشمس؛ موضع غروبها؛ أبعد موضعين له | |
| فَلَك، فُلْك | العربية | موضع دوران النجوم؛ السفينة | |
| سَبَحَ، السَّبْح | العربية | عام على الماء؛ جري الفرس ماداً يديه | |
| حَتْف | العربية | الموت؛ ومات حتف أنفه: مات على فراشه |
الدخول والغروب
يقول المعجم الأكدي في المكتبة البابلية الإلكترونية إنّ erēbu «إِرِيبُو» معناه دخل: دخل البيت، أو الأرض، أو المدينة، أو السماء، أو العالم السفلي، ويقال للشمس إذا غربت. وفي اللوح التاسع من ملحمة جلجامش جبل ماشو «يحرس كلّ يوم خروج الشمس»، والرجال العقارب «يحرسون الشمس عند خروجها وعند دخولها». ويقول معجم براون ودرايفر وبرِغز إنّ العبرية ʿereb «عِرِب» المساء والغروب، ويقول ويكاندر إنّ نصوص أوغاريت تصف غروب الشمس بالفعل ʿrb «عَرَب» حين تصفه وصفاً عاديّاً.
وفي جدول التحوّلات في هذا المشروع أنّ الغين السامية تختفي في الأكدية، وتندمج بالعين في العبرية، وتبقى غيناً في العربية، وأنّ العين تختفي في الأكدية أو تصير كسرة. فالأكدية erēbu «إِرِيبُو» والعبرية ʿereb «عِرِب» توافقان «غَرَبَ» العربية على هذا الجدول. وموضع الضعف أنّ الأوغاريتية، وهي تفرّق بين العين والغين في الكتابة، تكتب الفعل بالعين، والعربية بالغين، والحرفان في مجموعة واحدة من حروف الحلق في قوانين مشروع جذور. وفي معجم لين: «غربت الشمس» غابت، و«غَرَبَ» ذهب وتنحّى عن الناس، ويقال للوحش إذا توارى في مكمنه، و«المغرب» موضع الغروب ووقته، و«المغربان» أبعد موضعين تغرب فيهما الشمس في الصيف وفي الشتاء، وبينهما مئة وثمانون موضعاً، وفي القرآن: «ربّ المشرقين وربّ المغربين».
المركب والمدار
وفي معجم لين: «الفُلْك» السفينة، ويقال لسفينة نوح، و«الفَلَك» موضع دوران النجوم، وهو عند الفلكيين سبعة أطواق محيطة، و«فلك السماء» قطبها، يشبّهونه بقطب الرحى، و«الفلك» أيضاً دوران السماء، و«فَلْكة المغزل» الخرزة المستديرة التي يدور بها. و«سَبَحَ» عام على وجه الماء، ويقال «النجوم تسبح في الفلك»، ويقول القرآن في الشمس والقمر «كلٌّ في فلك يسبحون»، و«السَّبْح» جري الفرس إذا مدّ يديه، وتسمّى الخيل «السوابح». والعربية بهذا تجمع ما فرّقته الميثولوجيات: المصريون أركبوا الشمس سفينة لأنّ طريقهم النيل، والهنود واليونان وأهل الشمال أركبوها عربة تجرّها الخيل، والقرآن يصف جريها بكلمة تقال للسفينة وللفرس معاً. وفي الشمال اسم أبي الشمس والقمر موندلفاري، ويقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّه يشير إلى دوران السماء، كما يشبّه «فلك السماء» في العربية بقطب الرحى.
الغروب راحةً
ويقول المعجم المصري إنّ الفعل ḥtp «حِتِب» معناه رضي واطمأنّ واستراح، ويقال للشمس إذا غربت، ومن أمثلته في البرديات: «حين يغرب رع في الحياة»، و«ألا تغرب في جبل الغرب؟»، وجبل الغرب mꜣnw «مَانُو» هو أيضاً دار الموتى. ونقرؤه على المنهج «حَتْف»: الحاء حاء، والتاء تاء، والپاء المصرية تقابلها الفاء العربية، كما تصير الپاء السامية القديمة فاءً في العربية في جدول التحوّلات. والحَتْف في معجم لين الموت، و«مات حتف أنفه» مات على فراشه، يتنفّس حتى يخرج نفَسه الأخير، لا بقتل ولا غرق ولا حرق. فالشمس المصرية حين تغرب تموت موتاً هادئاً على فراشها، ثم تولد في الصباح. وهي قراءة مقترحة على المنهج.
الشواهد بحسب الحضارة
مصر: المركبان والساعات
ويحفظ «كتاب الأمدوات» نفسه سبب نقشه في القبور: من عرف هذه الصور الخفيّة صار روحاً منيرة تدخل الدوات وتخرج منه، فالميّت يركب مع رع. ويقول ست أمام مجلس الآلهة في بردية «تشستر بيتي» الأولى إنّه يقتل عدوّ رع كلّ يوم واقفاً في مقدّمة مركب الملايين، وكان «كتاب إسقاط أبوفيس» يُتلى كلّ يوم في معبد آمون رع بالكرنك. فالرحلة لا يقطعها رع وحده: يجدّف معه الأعوان، ويحرسه ست، ويعينه الكهنة بالكلام كلّ يوم.
بلاد الرافدين: الجبلان والباب
تقول ترتيلة أوتو الثانية إنّ نينغال تلده، ثم يخرج من قصره ويطلع فوق الجبال. ويرسمه ختم الكاتب أدّا، من نحو 2300–2200 ق.م، يشقّ الجبال على الأفق ليطلع في الصباح، والأشعّة تخرج من كتفيه. وتقول بوابة النصوص المسمارية إنّ شمش كان يخرج عند الشروق من مخدعه تحت الأرض ويأخذ طريقه في السماء، وإنّ صلاة من الألف الثاني تُتلى عند الغروب تصف رجوعه إلى بيته: يحيّيه البوّاب ويفتح له باب غرفه، ثم يجلس إلى عشاء أعدّته زوجته آيا. وتضيف أنّ أرواح الموتى كانت تدخل العالم السفلي من ممرّ على الأفق في أقصى الغرب، وأنّه في بعض الروايات هو المدخل نفسه الذي يرجع منه شمش إلى مسكنه.
وفي اللوح التاسع من الملحمة يبلغ جلجامش جبل ماشو، الجبلين التوأمين اللذين يحرسان كلّ يوم طلوع الشمس، أعلاهما يبلغ نسيج السماء، وأسفلهما ينزل إلى العالم السفلي، وعلى بابهما رجال عقارب يحرسون الشمس عند خروجها ودخولها. ويقول له الرجل العقرب إنّ في داخل الجبل اثنتي عشرة ساعة مضاعفة، الظلام فيها كثيف ولا نور. فيأخذ جلجامش طريق الشمس، ويعدّ الساعات واحدة بعد واحدة، لا يرى ما خلفه، حتى يخرج عند الثانية عشرة قبل الشمس إلى بستان أشجاره من الحجارة الكريمة. وفي اللوح العاشر تقول له سيدوري إنّه لم يعبر البحر أحد منذ الأيّام الأولى، وإنّ الذي يعبره هو شمش البطل.
أوغاريت: سراج الآلهة عند الموتى
تسمّي «دورة بعل» شبش «سراج الآلهة»، ويسلك رسل بعل طريقها إلى موت، ويقرأ بعض الشرّاح الأبيات أمراً للرسولين أن يرافقا الشمس التي تنزل إلى دار الموتى كلّ ليلة. وحين يبتلع موت بعلاً تحمل شبش جسده مع عنات إلى جبل صفون. وفي آخر اللوح السادس نشيد لها: «يا شبش، أنتِ تحكمين الرفائيم، يا شبش، أنتِ تحكمين الأرواح الإلهية، الآلهة رفاقك، والموتى رفاقك». وفي نصّ الشعيرة الملكية للموتى KTU 1.161 «كي تي يو 1.161» يُطلب من شبش فعل يقرؤه بعض العلماء «انزلي» إلى الموتى، ويقرؤه ويكاندر «اشتدّي حرّاً». وفي قصّة كرت يقول المحاربون إنّ الملك سيبلغ الغروب، أي سيموت.
إيران: كوى جبل البرز
يقول «مهر يشت» إنّ ميثرا أوّل الآلهة السماويين يبلغ جبل هرا قبل «الشمس الخالدة ذات الخيل السريعة». ويقول «البندهشن» إنّ الشمس تدور حول جبل البرز وحول جبل تيرك في وسط العالم كالخندق حول البلد، وإنّ في البرز مئة وثمانين كوّة في الشرق ومئة وثمانين في الغرب، تدخل الشمس كلّ يوم من كوّة وتخرج من كوّة، حتى ترجع بعد ثلاثمئة وستّين يوماً والأيّام الخمسة الزائدة إلى الكوّة نفسها.
الهند: العجلة الواحدة والأفراس السبع
تقول «الرِّغ ڤيدا»: سبع أفراس شُقر مربوطة بعربتك تحملك يا سوريا ذا الشعر المشتعل، وقد ربط سوريا السبع الطاهرات بنات العربة. وتقول ترتيلة أخرى: سبعة يربطون العربة ذات العجلة الواحدة، ويجرّها فرس واحد له سبعة أسماء، وعجلة النظام ذات الأشعّة الاثني عشر تدور حول السماء ولا تبلى. وفي ترتيلة ثالثة يطعن سفربهانو، من نسل الأسورا، الشمس بالظلام، فيبدو الناس كمن لا يعرف أين يقف، حتى يجد الحكيم أتري الشمس المخبّأة ويعيد عينها إلى السماء.
اليونان: العربة والكأس
يقول النشيد الهوميري لهيليوس إنّه يركب عربته فيضيء على الناس والآلهة، وتحمله الخيل، فإذا أوقف عربته ذات النير الذهبي استراح في أعلى السماء، حتى يسوق خيله نازلاً في السماء إلى أوقيانوس. ويصف هيليوس لابنه فايثون الطريق عند أوفيد: أوّله صعب شديد الصعود لا تكاد الخيل تقطعه وهي مستريحة في الصباح، ووسطه أعلى السماء يُرى منه البحر والأرض فيرتجف صدره، وآخره منحدر يحتاج إلى يد ثابتة، وتخاف تيثيس التي تستقبله في مائها أن يسقط. ثم يأخذ فايثون العربة فتحترق الأرض. ويعطي الشمس هيراكليس كأساً من ذهب يعبر بها أوقيانوس إلى بقر جيريون. ويهدّد هيليوس في «الأوديسة» إذا لم يُنصف أن ينزل إلى هاديس فيضيء بين الموتى.
الصين: الشموس العشر
في «كتاب الجبال والبحار» تغسل شي خه الشموس العشر في لجّة عذبة، وتقيم الشموس على شجرة فوسانغ فوق الوادي الحارّ، تسع في الأغصان السفلى وواحدة في الأعلى، وكلّما وصلت شمس خرجت أخرى محمولة على الغربان. ويذكر الكتاب في الشرق سبعة جبال «تخرج منها الشمس والقمر»، وفي الغرب سبعة جبال «تدخل فيها الشمس والقمر». ويجعل «هواينان تسي» يوم الشمس ستّة عشر منزلاً، من الوادي المشرق حتى وادي منغ، وفي آخرها «توقف امرأتها وتريح خيلها». وفي «كتاب الوثائق» يستقبل شي تشونغ الشمس الطالعة في الشرق، ويودّعها خه تشونغ في الغرب.
وفي زمن الإمبراطور ياو انكسر الدور فخرجت الشموس العشر معاً وأحرقت الزرع، فرمى يي تسعاً منها، فماتت الغربان التي فيها وسقط ريشها، في صفحة هو يي. وجرى كوا فو خلف الشمس حتى أدركها في الوادي الذي تغرب فيه، فعطش فشرب النهرين ومات في الطريق إلى الماء، في صفحة كوا فو. وفي أقصى غرب كونلون شجرة رو التي يضيء زهرها الأرض.
اليابان: الكهف
تغضب أماتيراسو من أفعال أخيها سوسانوو في حقولها وبيت نسجها، فتدخل كهف السماء الصخري وتغلق بابه، فيظلم السماء والأرض. فيجتمع الكامي، ويعلّقون مرآة وجواهر على شجرة، وترقص أمي نو أوزومه حتى يضحك الجمع، فتفتح أماتيراسو الباب قليلاً، فيُخرجها أحدهم ويُشدّ حبل خلفها لئلّا ترجع.
الشمال: الذئبان
تسوق سول فرسين يجرّان عربة الشمس، وتحت كتفيهما منافيخ تبرّدهما، وأمامها ترس لو سقط لاحترقت الجبال والبحر، ويطاردها الذئب سكول من خلفها، ويجري الذئب هاتي أمامها يريد القمر. وفي آخر الزمان يدرك الذئب الشمس فيبتلعها، لكنّها تلد قبل ذلك بنتاً تركب طرقها في العالم الجديد.
الأمازيغ: الشمس المستعجلة
يقول هيرودوت إنّ الأتارانت في داخل ليبيا يلعنون الشمس إذا علت ويشتمونها، لأنّ حرّها يحرقهم ويحرق أرضهم. وفي حكايات طوارق آير الشمس امرأة مستعجلة تمشي قبل الفجر، والقمر امرأة أكبر منها هادئة، فإذا اختفى القمر في آخر الشهر قال طوارق الهقار إنّ الشمس أدركته فأوقفته ومضت وحدها.
القرآن
يقول القرآن: «والشمسُ تجري لمستقرٍّ لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمرَ قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلٌّ في فلك يسبحون». ويبلغ ذو القرنين مغرب الشمس فيجدها تغرب في عين حمئة. فللشمس في القرآن مستقرّ تجري إليه، ومغرب يُبلغ، ومنازل للقمر يُعدّ بها الزمن.
التوازيات عبر الحضارات
تتّفق الروايات في أنّ الشمس تدخل في المساء من باب وتخرج في الصباح من باب، وتختلف في ما وراء الباب. فهو عند المصريين نهر في العالم السفلي تُقطع ساعاته بالمركب، وعند أهل الرافدين جوف جبل له بوّاب وبيت وعشاء، وعند الفرس كوى في جبل يحيط بالعالم، وعند الصينيين لجّة وجبل تدخل فيهما الشمس ووادٍ حارّ تغتسل فيه، وعند أهل الشمال الغابة والبحر. والجبل الذي على طرف الطريق من صور الجبل المقدّس: ماشو، والبرز، وكونلون الذي تقوم في غربه شجرة رو. والشجرة التي تقيم عليها الشموس في الشرق، فوسانغ، من صور شجرة العالم.
ويتّفق أكثرها في أنّ في الطريق عدوّاً يريد أن يوقف الشمس: أبوفيس في مصر، وسفربهانو في الهند، والذئبان في الشمال. ويُغلب العدوّ كلّ ليلة في مصر، وتُستردّ الشمس في الهند بالدعاء، أمّا في الشمال فيدركها الذئب في آخر الزمان، في راغناروك. وقتال رع لأبوفيس في الساعة السابعة من صور صراع الإله مع قوى الفوضى. وفي الصين يأتي الخطر من الشمس نفسها: تخرج الشموس العشر معاً فتحرق الأرض، فيرميها يي، ويلحق بها كوا فو فيموت عطشاً، كما يُحرق فايثون الأرض حين يسوق عربة هيليوس، وكما يلعن الأتارانت الشمس إذا علت.
ونزول الشمس كلّ مساء أكثر قصص النزول إلى العالم السفلي تكراراً: ينزل رع إلى الدوات، وتنزل شبش إلى الرفائيم، ويدخل شمش من الباب الذي تدخل منه أرواح الموتى، ويأخذ جلجامش طريق الشمس تحت الجبل. وفي الساعة الخامسة من «كتاب البوّابات» يجلس أوزيريس قاضياً للموتى ويوزن القلب، وشمش في بلاد الرافدين قاضٍ يرى كلّ شيء، في حساب الموتى. المتحف المصري العالمي، كتاب البوّابات.
ويختفي الضوء كلّه في قصّتين: تدخل أماتيراسو الكهف فيظلم العالم حتى يُخرجها الكامي، ويهدّد هيليوس بأن ينزل إلى الموتى فيُبقيه زيوس في السماء. وتخرج الشمس من العين في ثلاث روايات: من عين إيزاناغي اليسرى في اليابان، ومن عين بوروشا في الهند، ومن عين بانغو اليسرى في الصين، في نمط الجسد الكوني.
وتعدّ الشمس الزمن في كلّ الروايات. ويتّخذ الأمازيغ تقويماً شمسياً للحرث والحصاد، ويحتفلون بالانقلاب الصيفي، في التقويم الزراعي. ويقسم البابليون، كما تقول المقالة البابلية، مسار الشمس اثني عشر برجاً.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالات هذا المشروع القصّة في أكثر الميثولوجيات وصفاً لما يُرى في السماء. تقول المقالة المصرية إنّ مركب رع مسار الشمس من الشرق إلى الغرب، ودخوله العالم السفلي غوص الشمس تحت الأفق، وأبوفيس الظلام الذي يريد أن يبتلعها، وانتصاره كلّ فجر الشروق، وإنّ الساعات الاثنتي عشرة في الدوات ساعات الليل، فهي عندها أوّل ساعة ليلية في التاريخ. وتقرأ المقالة السومرية خروج أوتو من باب الشرق ودخوله من باب الغرب وسفره تحت الأرض فهماً بأنّ الشمس تعبر تحت الأرض لتعود. وتقرأ المقالة الإغريقية عربة هيليوس وصفاً لحركة الشمس اليومية. وتقرأ المقالة النوردية مطاردة سول بالذئب حركة الشمس والليل القطبي، والذئبين الكسوف والخسوف. وتقول المقالة البابلية إنّ البابليين قسموا مسار الشمس اثني عشر برجاً بعدد الشهور، فكان أوّل تقويم شمسي نجمي يُعرف به وقت الزرع والحصاد.
وتصف المقالة الهندية سوريا بأنّه يعبر السماء كلّ يوم في عربة، وتصف المقالة الكنعانية شبش بأنّها تركب عربة في السماء وتنزل إلى العالم السفلي، ولا تذكر نصوص أوغاريت التي في هذه الصفحة عربة لشبش، وإنّما طريقاً ونزولاً إلى الموتى.
وتجمع النصوص نفسها ما بين القراءتين. فالحساب في القصّة ظاهر: ساعات الليل الاثنتا عشرة في مصر، والساعات المضاعفة الاثنتا عشرة في ماشو، والمنازل الستّة عشر في الصين، والكوى الثلاثمئة والستّون في البرز، و«عادّ السنين» في الشمال. لكنّ الطريق في النصوص طريق الموتى أيضاً، فالذي يعرف أسماء ساعات رع يخرج معه في الصباح.