ملخص
خُمْبابا، واسمه في السومرية خُوواوا، حارس غابة الأرز في أخبار جلجامش. أقامه إنليل ليحفظ الغابة ويرهب الناس عنها، وتصفه الملحمة الأكدية هكذا: زئيره الطوفان، وفمه النار، ونفَسه الموت، ويسمع أيّ حفيف في غابته على مئة فرسخ، ومن نزل إلى غابته أصابه الشلل.
عزم جلجامش أن يخرج إلى الغابة ليصنع لنفسه اسماً باقياً، فحذّره إنكيدو لأنّه يعرف الطريق وخطره، ثم خرجا معاً. ووقفا عند طرف الغابة ينظران إلى مدخلها، وإلى جبل الأرز مسكن المعبودات وظلّه الطيّب. فسخر خمبابا من إنكيدو وسمّاه «ابن السمكة» الذي لا يعرف أباه، وتوعّد جلجامش بأن يطعم لحمه للنسور. واقتتلوا حتى انشقّت الأرض تحت أقدامهم وانشقّ جبلا حرمون ولبنان، فأرسل شمش على خمبابا ثلاث عشرة ريحاً غطّت وجهه، فلم يقدر أن يتقدّم ولا أن يتأخّر. فطلب خمبابا الحياة، وعرض أن يكون خادماً لجلجامش يقطع له من الشجر ما يشاء. فقال إنكيدو: اقتله قبل أن يسمع إنليل. فلعنهما خمبابا: ألّا يعيش إنكيدو أطول من صديقه. فقتلاه، وقطعا الأرز، وصنع إنكيدو من أعلى شجرة باباً طوله اثنتان وسبعون ذراعاً ليحمله الفرات إلى نيبور، وركبا طوفاً وجلجامش يحمل رأس خمبابا.
وفي القصيدة السومرية «جلجامش وخوواوا» تختلف الحيلة والنهاية. لخوواوا سبعة أنوار مرهبة، فيخدعه جلجامش، ويقسم له بأمّه نِنْسُون وأبيه لوغالبندا أنّه يريد أن يكون من أهله، ويعرض عليه أختيه زوجة وسرّية، والدقيق والماء البارد والنعال وحجارة الجبل الكريمة، فيعطيه خوواوا أنواره نوراً بعد نور. فلمّا أعطاه السابع لكمه جلجامش وقيّده كما يُقيّد الثور. فبكى خوواوا ونادى أوتو: «لم أعرف أمّاً ولدتني ولا أباً ربّاني، وُلدت في الجبال وأنت ربّيتني». فرقّ له جلجامش، لكنّ إنكيدو قال: لا يُطلق الطائر المأسور إلى عشّه، وقطع عنقه. وحملا رأسه في كيس جلد إلى إنليل، فغضب إنليل وقال: كان ينبغي أن يجلس أمامكما، ويأكل من خبزكما ويشرب من مائكما. ثم وزّع إنليل أنوار خوواوا السبعة: على الحقول، والأنهار، والقصب، والأسود، والقصر، والغابات، ونُنْغال معبودة السجون.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الغابة كانت محميّة، وأنّ قتل حارسها فتحها للقطع، وأنّ لذلك ثمناً. الحارس أقامه إنليل، وقتله بغير إذن إنليل، فغضب إنليل في القصيدة السومرية، وفي الملحمة الأكدية قضى إنليل بموت إنكيدو عقاباً على قتل خمبابا وثور السماء، كما لعنه خمبابا قبل موته. والأرز صار باباً في معبد نيبور، فأُخذ من الغابة ليُبنى به بيت. وفي الرواية السومرية لا تموت هيبة الحارس، وإنّما تتفرّق في العالم: في الحقل والنهر والقصب والأسد والقصر.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Ḫumbaba «خُمْبابا» جزآن في قراءة المقالة البابلية: «حمى» و«باب»، فهو «حامي الباب»، الحارس الرهيب. والحمى في لسان العرب أن يمنع الرجلُ موضعاً من الناس ويحرسه، والحِمى الأرض ذات الكلأ والماء التي يحميها صاحبها فلا يرعاها غيره. والباب المدخل، والبوّاب حارسه. وهذا ما تجعله القصّة: الغابة حِمى إنليل، أقام عليه خمبابا يمنع الناس منه، ووقف البطلان عند مدخله، وقال لهما خمبابا إنّه كان ينبغي أن يقتلهما عند مدخل غابته، ثم صنعا من أرزه باباً لبيت إنليل. والخاء في الاسم تقابل الحاء، لأنّ المسمارية تكتب الحاء في أسماء الغربيين بعلامات الخاء.
الجذر اللغوي
خمبابا و«حامي الباب»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| ḫu-wa-wa «خُ-وَ-وَ» | خُوواوا | القصائد السومرية والملحمة البابلية القديمة |
| ḫu-ba-ba «خُ-بَ-بَ» | خُبابا | اسم شخص في عصر أور الثالثة، وفي نصّ آشوري حديث مبكر من آشور |
| ḫu-bi-bi, ḫub₂-be-be «خُ-بِ-بِ، خُ-بِ-بِ» | خُبِيبِي، خُبِيبِي | ديالى وماري، وفي النصّ الآشوري نفسه |
| ḫum-ba-ba «خُمْ-بَ-بَ» | خُمْبابا | نصوص الألف الأوّل، ومنها الصيغة المعروفة اليوم |
| ḫu-um-bu-bit-tu₂ «خُ-أُم-بُ-بِيتْ-تُ» | خُمْبُبِيتُّو | تمثال صغير من البرونز على صورته |
تقوم قراءة المقالة على الصيغة المتأخّرة خمبابا. فـ«خُمْ» من «حمى»، و«بابا» من «باب». والخاء تقابل الحاء لأنّ المسمارية لا تفرد للحاء علامات، فتكتب الحاء والعين في أسماء أهل الغرب بعلامات الخاء، كما كتب النقش الآشوري «بيت خُمْري» لبيت عُمري ملك إسرائيل، والعين أوّل اسمه. والميم والباء والراء في هذه المقابلات تبقى كما هي.
وفي معجم لين: «حمى الشيء» منعه من الناس وحرسه ودافع عنه، و«حمى المكان» منعه من الناس عامّة، والحامي المدافع عن أصحابه، والحِمى الموضع الممنوع. و«الباب» المدخل وما يُغلق به، و«البوّاب» حارس الباب.
وحدّ القراءة أنّ الميم لا تظهر إلا في الصيغة المتأخّرة. فالصيغ القديمة خوواوا وخبابا وخبيبي ليس فيها ميم، ويرى يان كيتمان أنّ أرجح القراءات القديمة «خُبيبي»، وأنّ الميم في خمبابا قد تكون جاءت من اسم المعبود العيلامي خُمْبان.
قراءات أخرى في المقالة
تقرأ المقالة الاسم أيضاً «همّ» و«بابا»، أي المهيب العظيم، و«بابا» في الساميات الأب أو الجدّ، فهو الأب الحامي المهيب. والهاء أبعد عن خاء المسمارية من الحاء. وتقابل المقالة خمبابا بكلب الحراسة الإغريقي كِرْبِيرُوس، وبالثيران المجنّحة لاماسُّو التي تحرس أبواب القصور الآشورية.
السياق التاريخي
أقدم أخبار خوواوا في قصيدتين سومريتين عن جلجامش، ثم في نسخ أكدية من العصر البابلي القديم، ثم في الألواح الثاني إلى الخامس من الملحمة البابلية المعيارية. ويسجّل المعجم السومري تماثيل صغيرة له من الحجر والذهب والبرونز، فكان وجهه شكلاً معروفاً يُصنع ويُقتنى. وتقع غابته في الملحمة الأكدية عند جبلي حرمون ولبنان.
الصلات
| الاسم | الصلة بخمبابا | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| إنليل | أقامه حارساً للغابة، وغضب لقتله ووزّع أنواره | اللوح الثاني؛ «جلجامش وخوواوا» 181–199 |
| أوتو، شمش | يقول خوواوا إنّ أوتو ربّاه، وشمش يرسل عليه الرياح | «جلجامش وخوواوا» 153–157؛ اللوح الخامس |
| جلجامش | يخدعه ثم يقتله ويحمل رأسه | السومرية والأكدية |
| إنكيدو | يقطع عنقه في السومرية، ويحثّ على قتله في الأكدية، فيلعنه خمبابا | «جلجامش وخوواوا» 163–180؛ اللوح الخامس |
| نُنْغال | تأخذ النور السابع من أنواره | «جلجامش وخوواوا» 193–199 |
السرديات الأسطورية الرئيسة
رواية سومرية ثانية
في الرواية الثانية من «جلجامش وخوواوا» يبدأ الخبر من الموت: يطلّ جلجامش من سور أوروك فيرى الجثث في النهر، فيعلم أنّ أحداً لا يفلت من العالم السفلي، فيطلب اسماً قبل موته. ويعطيه أوتو سبعة مرشدين يعرفون الطرق كما يعرفها التجّار. ثم يقطعان الأرز، فيبلغهما نور خوواوا كالرمح، وتجري الحيلة نفسها بالنعال الصغيرة والكبيرة، حتى يعطي خوواوا نوره السابع فيلكمه جلجامش ويقيّده، فيبكي خوواوا ويقول: «أيّها المحارب، كذبت».
الوجه المتغيّر
في اللوح الخامس يقول جلجامش لإنكيدو: «وجه خمبابا يتغيّر باستمرار». وفي القصيدة السومرية فمه فم تنين، ووجهه وجه أسد، وصدره سيل هائج، ولا يمسح الدم عن لسانه.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالتا إعادة القراءة البابلية والسومرية غابة الأرز لبنان الذي كان مصدر الخشب الأوّل في الشرق الأدنى، وقتل خمبابا قطعاً للغابة من أجل البناء. وتقول المقالة السومرية إنّ القصّة تحذّر: الطبيعة ليست عدوّاً بل حارس، ولقتله عواقب، وتقرأ موت إنكيدو بعده فقدان الإنسان المتحضّر صلته بالطبيعة. وفي النصّ نفسه يُقطع الأرز ليصير باباً لمعبد، ويغضب إنليل لقتل الحارس، ويموت إنكيدو بعد لعنته.
التوازيات عبر الحضارات
أقام إنليل حارسين على الجبال: خمبابا على غابة الأرز، وأنزو الذي يقول للوغالبندا: «أتى بي أبي إنليل إلى هنا، وجعلني أسدّ مدخل الجبال كأنّي باب عظيم». أكرم لوغالبندا عشّ أنزود فنال منه قدراً حسناً، وخدع ابنه جلجامش خوواوا وقتله فنال اسماً ودفع ثمنه. ويسمع هايمدال العشب ينمو، ويسمع خمبابا الحفيف على مئة فرسخ، وكلاهما حارس مدخل. وحرّاس العتبات في الشرق الأدنى مجموعون في يانوس وحراس العتبات في الشرق الأدنى.