ملخص
سِيزِيف ملك كورنثة في أساطير الإغريق، ابن أَيُولُوس، وأمكر الناس كما يسمّيه هُومِيرُوس. تقول «المكتبة» المنسوبة إلى أبولودور إنّه بنى مدينة إِفِيرَا، وهي كورنثة، وتزوّج مِيرُوبِي ابنة أطلس، فولدت له غلاوكوس، أبا بِلِّيرُوفُون الذي قتل الخيميرا.
وقصّته قصّة رجل أخّر موته بحيلته. خطف زيوس أَيْجِينَا ابنة النهر أَسُوبُوس، وجاء أسوبوس يبحث عنها، فعرف سيزيف من خطفها، فأبى أن يخبره حتى يعطيه نبع ماء على قلعة كورنثة العالية، فلمّا أعطاه النبع أخبره. باوسانياس 2.5.1. فأرسل زيوس إليه الموت، ثَانَاتُوس، فقيّد سيزيف الموت قيداً محكماً، فكفّ الناس عن الموت، حتى جاء آريس ففكّ الموت وأسلم إليه سيزيف. وقبل أن يموت أوصى زوجته ميروبي ألّا تقدّم عنه قرابين الموتى. فلمّا نزل إلى دار هاديس شكا إليه أنّ زوجته أهملت حقّه، وأقنعه أن يدعه يرجع إلى الحياة ليعاتبها. فلمّا صعد أبى أن يرجع، حتى جاء هرمس فأعاده. هكذا يروي فِيرِيكِيدِيس الخبر، ويقول الشاعر ثِيُوغْنِيس إنّ سيزيف «صعد من دار هاديس بعقله» بعد أن أقنع بيرسيفوني بكلام ماكر، ولم يفعل ذلك أحد غيره.
ورآه أوديسيوس في رحلته إلى أرواح الموتى في عذابه: يدفع حجراً ضخماً بيديه ورجليه إلى رأس تلّ، فكلّما أوشك أن يقلبه من فوق القمّة ردّه ثقله، فتدحرج الحجر القاسي إلى السهل، فيعود يدفعه، والعرق يسيل من أعضائه، والغبار يعلو من رأسه. وتقول «المكتبة» إنّه يُعاقب بذلك لأنّه أفشى سرّ زيوس لأسوبوس.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الحيلة تشتري الوقت ولا تشتري النهاية. قيّد سيزيف الموت فتأخّر الموت، ووعد ملك الموتى بالرجوع فلم يرجع. فلمّا أُخذ أخيراً أُعطي من الوقت ما لا ينتهي، ومعه عمل لا يتمّ: الحجر يبلغ أعلى التلّ كلّ مرّة، ولا يعبر القمّة أبداً. ويقول الشاعر أَلْكَايُوس إنّه ظنّ نفسه سيّد الموت، فعبر نهر أَخِيرُون مرّتين على رغم حيلته.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Σίσυφος / Sisyphos «سِيسِيفُوس» آخره -ος «ـوس» علامة الرفع. ويحفظ المعجم اليوناني عن هِيسِيخْيُوس كلمة σέσυφος «سِيسِيفُوس» بمعنى الماكر الداهية، يبدأ مقطعها الأوّل بـσε- «سِ» مكان σι- «سِي»، فالمقطع الأوّل يتبدّل والباقي σύφ- «سُوف» ثابت. والسين سين، وυ «إِيبْسِيلُون» حركة مضمومة، وφ «فاي» تقابل الفاء. ويقرأ المقال الإغريقي سيزيف «الكادح الأبدي»، ويضع له ألفاظاً تتكرّر فيها السين والفاء. ونقرؤه، قراءة مقترحة على المنهج، من «سوّف»: في معجم لين سوّفه إذا قال له مرّة بعد مرّة «سوف أفعل»، ومنه أخّره ومطله بالوعود، و«سافَ» الرجل إذا هلك ومات. فسيزيف على هذه القراءة «المسوِّف»، الذي يؤخّر ويَعِد ولا يفي، وهذا ما تجعله القصّة: الرجل الذي أخّر موته مرّتين، وقيّد الموت، ووعد ملك الموتى بالرجوع ثم لم يرجع، فعوقب بعمل يقول له كلّ مرّة: سوف.
الجذر اللغوي
سيزيف و«المسوِّف»
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| Σίσυφος | سِيسِيفُوس | «الإلياذة» 6.153، و«الأوديسة» 11.593 |
| Σισύφειος | سِيسِيفِيُوس | «السيزيفي»، صفة عند يوريبيديس في «ميديا» |
| Σισυφία χθών | سِيسِيفِيَا خْثُون | «أرض سيزيف»، أي كورنثة |
| σέσυφος | سِيسِيفُوس | «الماكر»، عند هيسيخيوس |
ويذكر المعجم اليوناني أنّ اسمه صار مثلاً في الدهاء: يقول ثيوغنيس «ليتك تعرف أكثر من سيزيف»، ويقول أَرِسْتُوفَانِيس «حيل سيزيف». فالإغريق سمعوا في الاسم المكر.
وفي معجم لين: سوّفه تسويفاً إذا قال له مرّة بعد مرّة «سوف أفعل»، وهو من حرف «سوف»، ومنه أخّره ومطله، أو وعده أن يفي ثم لم يفِ. وسافَ الرجلُ والمالُ يسوف إذا هلك ومات، والسُّواف الموت يقع في الإبل.
والمقابلة في الصوت: السين سين، والواو تقابل υ «إِيبْسِيلُون» وهي حركة مضمومة في اليونانية، والفاء العربية تقابل الفاء والباء في اللغات الأوروبية، فهي هنا φ «فاي». والمقطع الأوّل σι- «سِي» تكرار للسين، تدلّ عليه صيغة هيسيخيوس σέσυφος «سِيسِيفُوس» التي يتبدّل فيها. وهذا تحليل القراءة نفسها، لا يقوله المعجم اليوناني.
ألفاظ المقال
يقرأ المقال سيزيف «الكادح الأبدي»، ويرجّح «صَيْصَفَ» بمعنى تعب وكدّ، ولا نجد هذا اللفظ في معجم لين ولا في المعاجم العربية المجموعة. ويذكر «سَفْسَفَ» بمعنى أتقن ودقّق، وهو في معجم لين: نخل الدقيق، و«سفسف عمله» إذا عمله غير متقن، و«سفسفت الريح» إذا أثارت التراب الدقيق. وهذا المعنى الأخير قريب من عذاب سيزيف: عمل لا يتمّ، وغبار يعلو من رأسه كما تقول «الأوديسة». و«سفسف» و«سوّف» تجتمعان في السين والفاء. ويذكر المقال أيضاً «سيف» مع لاحقة، أي الحادّ القاطع، و«سيسب» بمعنى جرى وسال، ولا نجد «سيسب» إلّا في «السيسبان»، وهو شجر.
السرديات الأسطورية الرئيسة
سيزيف وأوتوليكوس
يروي هِيغِينُوس أنّ أَوْتُولِيكُوس، ابن هرمس، أُعطي أن يسرق فلا يُمسك، وأن يغيّر لون ما يسرقه وهيئته، فكان يسرق من قطيع سيزيف، فرأى سيزيف قطيعه ينقص وقطيع جاره يزيد، فوضع علامة تحت حوافر بقره، فلمّا سرق أوتوليكوس على عادته جاءه سيزيف فعرف بقره من حوافرها وأخذها. وفي مقامه هناك اضطجع مع أَنْتِيكْلِيَا ابنة أوتوليكوس، فزُوّجت بعد ذلك لاييرتيس، وولدت أوديسيوس، ولذلك يسمّيه بعض الكتّاب ابن سيزيف. ويجعله سوفوكليس في «فيلوكتيتيس» «نسل سيزيف الذي اشتراه لاييرتيس». ويقول هوميروس إنّ أوتوليكوس، جدّ أوديسيوس لأمّه، فاق الناس في السرقة والأيمان بعطيّة من هرمس.
ملك كورنثة
يروي باوسانياس أنّ دلفيناً حمل جسد الصبيّ مِيلِيكِرْتِيس إلى البرّ، وهو ابن أخيه أثاماس، فوجده سيزيف ودفنه على البرزخ، وأقام له الألعاب البرزخية. ويروي عن الشاعر الكورنثي يوميلوس أنّ ميديا، زوجة ياسون، كانت ملكة كورنثة، فلمّا تركها ياسون تركت الملك لسيزيف. ويقول إنّ قبر سيزيف على البرزخ، وإنّ قليلاً من أهل كورنثة كانوا يعرفون موضعه.
الصخرة تسكن مرّة واحدة
حين غنّى أورفيوس في دار الموتى يطلب زوجته، يقول أوفيد إنّ عجلة إكسيون وقفت، وإنّ سيزيف جلس على صخرته. فالعمل الذي لا ينقطع انقطع مرّة واحدة لغناء.
القراءة الرمزية
يقرأ المقال الإغريقي في هذا المشروع سيزيف «الكادح الأبدي»، ويقول في قراءته «سيسب» إنّ سيزيف يرفع الصخرة فتسيل منه، أي يعمل بلا نتيجة. ولا يقرؤه المقال الآخر، «إعادة قراءة الأساطير الإغريقية».
وفي النصوص نفسها يجمع سيزيف أعمال الملك الذي يبني المدينة: بنى كورنثة، وأخذ لها الماء من النهر بثمن، ودفن الغريق وأقام له الألعاب. ويجمع معها حيلة الرجل الذي يقايض كلّ شيء، حتى الموت. فلمّا عوقب أُعطي عملاً يشبه عمل البنّاء الذي لا يبلغ آخر بنائه.
التوازيات عبر الحضارات
قيّد سيزيف الموت، ثم عوقب بعمل لا ينتهي. وفي الشمال قيّد الآلهة لوكي بعد حيلته التي قتلت بالدر، وجعلوا فوقه حيّة يقطر سمّها على وجهه حتى آخر الزمان. فالماكران في القصّتين يُعاقبان بعذاب يتكرّر بلا نهاية، وهما من شواهد المحتال، الذي ترتدّ عليه حيلته.
وخروجه من دار هاديس بالكلام، كما خرج أورفيوس بالغناء وهيراكليس بالقوّة، من شواهد النزول إلى العالم السفلي. وهو الوحيد بينهم الذي خرج بالحيلة، ثم أُعيد.