ملخص
أوديب ملك طيبة في بلاد اليونان، الذي قتل أباه وتزوّج أمّه وهو لا يعرفهما، وأشهر روايات قصّته مسرحية سوفوكليس «أوديب ملكاً» من القرن الخامس قبل الميلاد، ويرويها بإيجاز كتاب «المكتبة» المنسوب إلى أبولودوروس. وهو من نسل قدموس الذي بنى طيبة.
جاء لايوس ملك طيبة نبوءةٌ من أبولّو أنّه سيموت بيد ابن يولد له من امرأته يوكاستا. فلمّا وُلد الطفل، ولم يمضِ على ولادته ثلاثة أيّام، شدّ لايوس كعبيه معاً بعد أن ثقبهما، وأمر أن يُلقى على جبل لا يطرقه الناس. فأشفق عليه الراعي الذي حمله إلى جبل كيثايرون، وأعطاه راعياً من كورنثة، فحمله هذا إلى ملكها بوليبوس وامرأته، ولم يكن لهما ولد، فربّياه ابناً لهما. وفكّ الراعي الكورنثي كعبيه المثقوبين، ويقول له في المسرحية: «من هذه المصيبة سُمّيت بالاسم الذي أنت عليه».
فلمّا شبّ قال له رجل سكران في وليمة إنّه ليس ابن أبيه، فذهب إلى دلفي يسأل، فلم يُجب عن سؤاله، وقيل له إنّه سيضاجع أمّه ويقتل أباه. ففرّ من كورنثة حتى لا يعود إلى من ظنّهما أبويه، فلقي في مفترق ثلاث طرق شيخاً في عربة دفعه عن الطريق وضربه بعصاه، فقتله وقتل من معه. ثم جاء طيبة وقد جلست على الجبل قربها السفنكس، وهي بوجه امرأة وجسد أسد وجناحي طائر، أرسلتها هيرا، تسأل أهلها لغزاً وتأكل من لا يحلّه: ما الذي له صوت واحد ويصير ذا أربع أقدام وذا قدمين وذا ثلاث؟ فقال أوديب: الإنسان، يحبو طفلاً على أربع، ويمشي رجلاً على اثنتين، ويتّكئ شيخاً على عصا. فألقت السفنكس نفسها من القلعة، وأعطاه أهل طيبة الملك وامرأة ملكهم المقتول، فولدت له ابنين وبنتين.
ثم نزل بطيبة وباء، فأرسل أوديب صهره كريون إلى دلفي، فجاء بالجواب: اطردوا قاتل لايوس. فأخذ أوديب يبحث عن القاتل، وكلّ خبر يجيئه يقرّبه من نفسه، حتى جاء الراعي الكورنثي يبشّره بموت بوليبوس فكشف له أنّه ليس ابنه، وجاء راعي لايوس فاعترف بأنّه أعطاه الطفل. فشنقت يوكاستا نفسها، وأخذ أوديب الدبّوسين من ثوبها وفقأ بهما عينيه، وطلب أن يُطرد إلى كيثايرون، الجبل الذي جعله أبوه وأمّه قبراً له وهو حيّ.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ ما يُصنع للهرب من النبوءة هو طريقها. ثقب لايوس كعبي ابنه ليموت، فبقي الثقب في اسمه وعرفه به الراعي، وفرّ أوديب من كورنثة ليبعد عن أبويه فسار إلى أبيه. والقدم في القصّة كلّها: القدم المثقوبة التي أعطته اسمه، واللغز الذي يسأل عن الأقدام فلا يحلّه إلّا صاحب القدم المجروحة، والعصا التي تصير القدم الثالثة لأوديب نفسه حين يخرج أعمى يقوده ابنته أنتيغوني. ويخرج من القصّة بيت طيبة كلّه: الابنان اللذان لعنهما أبوهما فقتل أحدهما الآخر، والبنت التي دفنت أخاها، كما يقول أبولودوروس.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا. Οἰδίπους «أُويدِيبُوس» آخره السين، علامة الرفع في اليونانية، وقبلها ποδ- «بُود»، القدم، تسقط داله قبل السين، وتظهر في الجرّ Οἰδίποδος «أُويدِيبُودُوس». فيبقى الاسم كلمتين: οἰδ- «أُويد» من οἰδέω «أُويدِيو» ورم وانتفخ، وποδ- «بُود» القدم، ومعناه في اليونانية «المتورّم القدم»، وهكذا يفسّره سوفوكليس وأبولودوروس. وتقرأ المقالة الإغريقية الجزء الأوّل «أَوِد»: وفي معجم لين «أَوِدَ» اعوجّ وانحنى، و«آدَه الحِمْلُ» أثقله، فأوديب على هذه القراءة المعوجّ القدم الذي أثقله ما قُضي عليه قبل أن يولد. وتقرؤه أيضاً «وَضَع»: وفي لين «وضعه» حطّه، و«وضعت المرأة» ولدت، فهو المولود الذي وُضع على الجبل. ونقرأ الجزء الثاني قراءةً مقترحة على المنهج «فَدَع»: والفَدَع في معجم لين اعوجاج في مفصل الرسغ أو الكعب تنقلب به القدم، فالاسم كلّه «الأَوِد الأفدع»، المعوجّ المنقلب القدم، وهذا ما صنعه لايوس بكعبيه.
الجذر اللغوي
صيغ الاسم
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| Οἰδίπους | أُويدِيبُوس | الرفع، عند سوفوكليس وهيرودوت |
| Οἰδίποδος | أُويدِيبُودُوس | الجرّ، عند أبولودوروس، وفيه دال القدم |
| Οἰδιπόδης | أُويدِيبُودِيس | صيغة أخرى عند شعراء الملاحم |
| Oedipus | أوديبوس | اللاتينية، ومنها الاسم الشائع |
التفسير اليوناني
يقول بيكس إنّ الاسم في الأصل «ذو القدم المتورّمة»، من οἰδέω «أُويدِيو» ورم، وأصلها في الهندية الأوروبية بمعنى الانتفاخ، ولها في الأرمنية aytnum «أَيْتْنُم» انتفخ، وفي الألمانية العليا القديمة eiz «إيتس» الخُرّاج، وeittar «إيتار» القيح. والياء بين الكلمتين في Οἰδι- «أُويدِي» صيغة تأتي بدل -ro- في أوّل المركّبات اليونانية. وفي المسرحية يقول الراعي إنّه فكّ كعبيه المثقوبين، وإنّ اسمه جاء من هذه المصيبة، ويلعب سوفوكليس أيضاً بالاسم وبكلمة οἶδα «أُويدَا»، أعلم، فيقول أوديب عن نفسه إنّه جاء إلى السفنكس «أنا أوديب الذي لا يعلم شيئاً» فأسكتها.
أَوِد ووَضَع
تقرأ المقالة الإغريقية الجزء الأوّل من «أوّد»: أصاب بأذى وعوّج، أو من «وضع»: حُطّ من شأنه، وتقول إنّ مأساته قائمة على ما وُضع له قبل ولادته. وفي معجم لين «أَوِدَ» اعوجّ وانحنى، يقال للعود والسهم، و«آدَه» عوّجه، و«آدَه الحِمْلُ» أثقله، و«الأَوِد» المعوجّ، و«المآوِد» الدواهي. والحروف: الهمزة موضع الحركة التي يبدأ بها الاسم اليوناني، والواو موضع الضمّة في οἰ «أُوي»، والدال دال. وفي «وضع» الواو والضاد، والضاد تصير دالاً في اليونانية التي لا تعرف الحروف المفخّمة، والعين تسقط كما تسقط في قوانين مشروع جذور، وفي لين «وضعت المرأة» ولدت، و«وضع منه» حطّ منزلته. فالاختبارات: الصيغة مشهودة، والحروف تتقابل في «أود» بلا تبديل إلّا الياء التي في οἰ «أُوي» فلا تقرؤها القراءة، والمعنى في لين الاعوجاج والثقل، وهو ما في قدم أوديب وقدره، لكنّه ليس الورم الذي يقوله التفسير اليوناني.
الورم و«الأُدْرة»
ومعنى الورم في العربية على النواة نفسها، الهمزة والدال: في معجم لين «أَدِرَ» الرجل أصابته «الأُدْرة»، وهي انتفاخ في الخصية. وهذه حروف οἰδ- «أُويد» مع الراء التي يقدّرها بيكس في الصيغة الأخرى للكلمة اليونانية، -ro- «رُو». فالنواة أ-د تحمل في العربية الاعوجاج في «أود» والانتفاخ في «أدر»، وتحمل في اليونانية الورم. وهذه مقارنة في المعنى على النواة، لا قراءة للاسم.
القدم و«الفَدَع»
نقرأ ποδ- «بُود» قراءةً مقترحة على المنهج «فَدَع». في معجم لين «فَدِعت قدمه» أصابها الفدع، و«الفَدَع» اعوجاج في مفصل الرسغ أو الكعب تنقلب به اليد أو القدم إلى الداخل، أو اعوجاج بين القدم والساق، و«الأفدع» صاحبه. والحروف: الفاء تقابل p في القانون الأوّل من قوانين جذور، والدال دال، والعين تسقط في اليونانية. والقصّة قصّة كعبين ثُقبا وشُدّا. وموضع الضعف أنّ πούς «بُوس» كلمة القدم لكلّ قدم في اليونانية، ولها أخوات في اللاتينية pēs «بِيس» والسنسكريتية pad- «بَد»، فالقراءة تقرأ كلمة القدم كلّها لا اسم أوديب وحده، والفدع قدم معوجّة لا كلّ قدم.
السرديات الأسطورية الرئيسة
أوديب في كولونوس
يقول أبولودوروس إنّ أوديب طُرد من طيبة بعد أن فقأ عينيه ولعن ابنيه اللذين رأياه يُطرد فلم يمدّا إليه يداً، فجاء مع ابنته أنتيغوني إلى كولونوس في أتيكا، حيث حرم الإيومينيدات، فجلس فيه لاجئاً، فأحسن ثيسيوس قبوله، ومات بعد قليل. ثم تقاتل ابناه على ملك طيبة، فقتل كلّ منهما أخاه. فالرجل الذي أُلقي على الجبل طفلاً ليموت خارج المدينة مات غريباً خارج مدينته أيضاً، لكن في أرض قبلته.
المسرح والتطهير
تقرأ المقالة الإغريقية الأخرى المأساة اليونانية علاجاً جماعيّاً: يقول أرسطو إنّ المأساة تُحدث التطهير، وتقول المقالة إنّ المشاهد الذي يرى أوديب يقتل أباه ويتزوّج أمّه يواجه مخاوفه العميقة في مكان آمن، في مسرح يسع آلاف الناس.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الإغريقية قصّة أوديب قصّة القضاء الذي يسبق الولادة، وتقابلها بمفهوم القضاء والقدر في التراث الإبراهيمي: إنسان كُتب عليه مصيره قبل أن يولد. والقصّة نفسها تجعل القضاء في الجسد، في القدم التي ثُقبت قبل أن يمشي عليها، وتجعل العلم في السؤال عن الأقدام: الذي حلّ لغز الإنسان كلّه لا يعرف من هو. وهو بهذا من قصص الطفل المنبوذ الذي يعود إلى المكان الذي أُخرج منه، ويختلف عن أكثرها في أنّ عودته لا تصلح الملك وإنّما تكشف ما فيه.
التوازيات عبر الحضارات
في قصّة باريس تحلم أمّه هيكوبا أنّها تلد شعلة تحرق المدينة، فيأمر بريام بإلقائه على جبل إيدا، فترضعه دبّة خمسة أيّام ويربّيه خادم، ثم يعود إلى طروادة ويأتي معه الخراب الذي أُلقي ليُتّقى.
وفي قصّة برسيوس تقول النبوءة لأكريسيوس إنّ ابن ابنته سيقتله، فيلقيه مع أمّه في صندوق في البحر، فيعيش ويقتله بعد سنين بقرص رماه في مباراة دون أن يقصده، كما قتل أوديب أباه دون أن يعرفه.
وفي الهند يسمع كَمْسا صوتاً يقول له إنّ الولد الثامن لأخته ديفاكي سيقتله، فيقتل أولادها، ويُحمل كريشنا عبر نهر يامونا إلى بيت راعٍ، ثم يعود فيقتل كمسا.
وفي بلاد الرافدين يُلقى سرجون في النهر لا يعرف أباه، ويصير ملكاً. ويقابل الأب الذي يخاف ابنه في أوديب كرونوس الذي ابتلع أولاده لأنّه قيل له إنّ واحداً منهم سيخلعه، فخبّأت ريا زيوس في كريت.