ملخص
حساب الموتى قصّة الميّت الذي يقف بعد موته أمام قاضٍ أو ميزان، فيُنظر في ما عمل في حياته، ويتقرّر بذلك أين يمضي. وأقدم رواية تامّة لها الفصل 125 من «كتاب الموتى» المصري، ومعه الصورة التي ترسم وزن القلب. وأوراق «كتاب الموتى» تظهر في أوّل الدولة الحديثة نحو 1450 ق.م.
يصل الميّت إلى قاعة واسعة يسمّيها النصّ wsḫ.t-n.t-mꜣꜥ.tj «وِسْخِت نِت مَاعَتِي»، أي قاعة الماعتين، بلفظ ماعت مثنّى. فيسلّم على الإله الكبير صاحب الماعتين ويقول: أعرفك وأعرف اسمك، وأعرف أسماء الاثنين والأربعين إلهاً الذين معك في هذه القاعة، يعيشون على أعوان الشرّ ويشربون دمهم في ذلك اليوم الذي تُحسب فيه الطباع أمام وِنِنْفِر، وهو لقب أوزيريس. ثم يعدّ ما لم يفعله: لم أُفقر الناس، ولم أسلب اليتيم ماله، ولم أُجِع أحداً، ولم أُبكِ أحداً، ولم أقتل، ولم أنقص المكيال ولا حبل المساحة، ولم أعتدِ على الحقول، ولم أزِد في كفّة الميزان، ولم أعبث بثقل خيطه، ولم آخذ اللبن من أفواه الأطفال، ولم أحبس الماء في وقته. ثم يقف أمام الآلهة الاثنين والأربعين واحداً بعد واحد، ولكلّ منهم اسم وبلد يأتي منه، ومنهم «آكل الظلال الآتي من الكهف» و«آكل الدم الآتي من المذبح» و«كاسر العظام»، فينفي أمام كلّ واحد ذنباً.
وترسم بردية آني، الكاتب الملكي في طيبة نحو 1250 ق.م، ما يجري في القاعة. في الوسط ميزان، في كفّته اليسرى قلب آني وفي اليمنى ريشة ماعت، وعلى رأس عموده قرد صغير هو صورة من صور تحوت. ويجثو أنوبيس برأس ابن آوى، يمسك حبل الكفّة ويثبّت ثقل الخيط، ويقف تحوت برأس أبي منجل يحمل لوح الكاتب وقلمه ليكتب ما يظهر. وخلفه على حصير تقعد عَمِّيت، رأسها رأس تمساح ومقدّمها أسد ومؤخّرها فرس نهر، تنتظر لتأكل القلب إن لم ينجح صاحبه. وفوق المشهد تجلس الآلهة الكبار على عروشها. ويدخل آني ومعه زوجته تُوتُو منحنيين، ويكلّم قلبه الموضوع في الكفّة: يا قلبي الذي من أمّي، لا تقم عليّ شاهداً، ولا تخاصمني في المحكمة، ولا تمل عنّي أمام حافظ الميزان. ثم يقول تحوت للآلهة: قد حكمتُ في قلب أوزيريس هذا، ونفسه شاهدة له، فوُجدت أعماله صادقة على الميزان العظيم، ولم يوجد فيه شرّ. فتجيبه الآلهة: هو بريء، ليس لنا عليه شيء. وفي الورقة التالية يقوده حورس إلى أوزيريس. وفي بردية هونفر، من عهد سيتي الأول، تقعد عمّيت تحت الميزان، ويصفها النقش بجانبها: مقدّمها تمساح ومؤخّرها فرس نهر ووسطها أسد، ثم يقود حورس هونفر إلى أوزيريس الجالس في مقصورته ومعه إيزيس ونفتيس. المتحف البريطاني، بردية آني، بردية هونفر.
ويختم النصّ المشهد بباب القاعة. يقول له كلّ جزء من الباب: لا أدعك تدخل حتى تقول اسمي، فيسمّي العارضة «ثقل خيط موضع الحقّ»، والمصراع الأيمن «الكفّة التي تحمل ماعت»، ويسمّي حارس القاعة «عارف القلوب، فاحص البطون». ثم يسأله تحوت: لماذا جئت، وإلى من أُبلغ عنك؟ فيقول: إلى الذي سقفه نار، وجدرانه حيّات حيّة، وأرض بيته في الفيضان، وهو أوزيريس. وفي آخره تعليمات: يقال هذا الكلام وصاحبه طاهر نظيف، في ثياب جديدة ونعلين أبيضين، مكحول العينين، ممسوح بأطيب المرّ. ويقول مشروع مصر الرقمية في جامعة لندن إنّه لا نصّ مكتوباً لهذا النفي قبل الدولة الحديثة، وإنّه ربّما أُخذ من يمين الطهارة الذي يحلفه الداخل في خدمة المعبد.
وتتكرّر القصّة في ميثولوجيات أخرى. يقف رَشْنو في إيران عند رأس جسر تشِنْڤات بميزان لا يميل قدر شعرة، ويرأس المحكمة ميثرا ومعه سروشا. ويمضي الميّت في الهند إلى يما فيلقى ما قدّم في حياته من قرابين وعطايا، ثم يصير يما في الكتب اللاحقة قاضي الموتى، يقرأ عليه كاتبه حساب كلّ نفس. ويجعل زيوس في أسطورة أفلاطون ثلاثة من أبنائه قضاة في مرج عند مفترق طريقين، طريق إلى جزر السعداء وطريق إلى تارتاروس. وفي بلاد الرافدين يحكم الأنوناكي، القضاة السبعة، على إنانا أمام عرش إريشكيغال، ويُجعل جلجامش بعد موته حاكماً في العالم السفلي يقضي بين الموتى. وفي القرآن توضع الموازين يوم القيامة، فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، ومن خفّت موازينه فأمّه هاوية. وتتّفق الروايات في ثلاثة أمور: الحساب يقع على حدّ بين الدنيا ودار الموتى؛ والذي يُحاسَب هو عمل الإنسان في حياته، لا نسبه ولا ماله؛ وللحساب أداة لا تُخدع، ميزان أو قاضٍ يرى النفس عارية أو كاتب يحفظ ما كُتب. والفكرة التي تدور عليها أنّ حياة الإنسان تُعدّ له وعليه بعد موته بمقياس واحد يقف أمامه الملك والفقير سواء: يقول الكتاب الفهلوي «مينوگ إي خرد» إنّ ميزان رشنو يعدّ الملك وأصغر الناس سواء، ويقول أفلاطون إنّ رادامانثيس يأخذ الملك العظيم فلا يدري من هو، ويرى نفسه مخطّطة بآثار الأيمان الكاذبة والظلم.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يسمّي النصّ المصري ذلك اليوم hrw pwy n ḥsb qdw «هِرُو پُوي إِن حِسِب قِدُو»، أي اليوم الذي تُحسب فيه الطباع. وḥsb «حِسِب» هو «حَسَبَ» العربي بحروفه الثلاثة في ترتيبها: الحاء حاء، والسين سين، والباء باء، ومعناه في المعجم المصري عدّ وحسب ووزّع. وفي معجم لين: حسبه عدّه وأحصاه، وحاسبه سأله عن حسابه، والحسيب المحاسِب. أمّا qd «قِد» فهو في المصرية الطبع والهيئة والخِلقة، ومن الفعل نفسه صاغ وبنى؛ وهو «القَدّ» العربي: قدّ الشيء مقداره وحجمه، وقدّ الرجل قامته وهيئته، وقدّ الجلد قطعه على هيئة، ويقال هذا على قدّ ذاك أي على مقداره. فذلك اليوم على هذه القراءة «يوم حساب القُدود»: يوم يُعدّ فيه الإنسان على مقداره، ويوضع قلبه في كفّة ليُعرف قدّه. وفي القرآن نفسه، في آية الموازين: «وكفى بنا حاسبين». وهي قراءة مقترحة على المنهج، وتفصيلها في الجذر اللغوي.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
ḥsb |
حِسِب | المصرية | عدّ، حسب، وزّع |
ḥsb.w |
حِسْبُو | المصرية | الحساب |
ḥsb-qd.w |
حِسِب قِدُو | المصرية | الذي يحسب الهيئات، لقب إله |
qd |
قِد | المصرية | الطبع، الهيئة، الخلقة؛ وفعلاً: صاغ، بنى |
| حَسَبَ، حِساب، حَسِيب | العربية | عدّ وأحصى؛ الحساب؛ المحاسِب | |
| חָשַׁב | حَاشَب | العبرية | فكّر، عدّ، حسب |
| قَدّ | العربية | المقدار، القامة، الهيئة؛ قطع على هيئة | |
mḫꜣ.t |
مِخَات | المصرية | الميزان |
| مِيزان، وَزَنَ | العربية | آلة الوزن؛ ثقل الشيء | |
mꜣꜥ-ḫrw |
مَاعَ خِرُو | المصرية | صادق الصوت، المبرَّأ بعد الحساب |
rašnu |
رَشْنُو | الأفستية | المستقيم العادل، قاضي الجسر |
| Μίνως | مِينُوس | اليونانية | ملك كريت وقاضي الموتى |
يجتمع في الفعل المصري ḥsb «حِسِب» العدّ والحساب والتوزيع، ومنه ḥsb.w «حِسْبُو» الحساب والمحاسبة، ولقب يُعطى لإله في المعجم المصري هو ḥsb-qd.w «حِسِب قِدُو»، الذي يحسب الهيئات. والحروف الثلاثة هي حروف «حسب» العربية بلا إبدال. وتكتب العبرية الفعل بالشين، ḥāšab «حَاشَب»، أي فكّر وعدّ وحسب، ويضع معجم براون ودرايفر وبرِغز بجانبه الآرامية والعربية والحبشية. وفي معجم لين: حسبه عدّه وأحصاه، وحاسبه سأله عن حسابه، والحسيب المحاسب، و«الشمس والقمر بحسبان» أي يجريان بحساب. ويترجم المعجم المصري الجملة من بردية نو: في ذلك اليوم الذي تُقدَّر فيه الطباع أمام وننفر.
وqd «قِد» في المعجم المصري الطبع والهيئة والخلقة، ومن الجذر نفسه فعل معناه صاغ وبنى. وفي معجم لين: قدّ الشيء مقداره وحجمه، وقدّ الرجل قامته وهيئته واعتدال خلقه، و«قُدّ فلان قدّ السيف» أي صيغ صياغة حسنة، و«هذا على قدّ ذاك» أي على مقداره. فالقاف قاف والدال دال، والمعنى في اللسانين الهيئة التي صيغ عليها الشيء ومقداره. وعلى هذا تكون جملة ḥsb qdw «حِسِب قِدُو» في العربية «حساب القُدود»، وهو ما يفعله الميزان: يعرف مقدار القلب.
والميزان في المصرية mḫꜣ.t «مِخَات»، وهو ميزان السوق أيضاً. ويذكر المعجم المصري من «تعاليم أمنموبي» قوله: القرد يجلس بجانب الميزان، وقلبه هو الثقل في الخيط، أي إنّ صورة تحوت حاضرة عند ميزان الدنيا قبل ميزان الآخرة. وفي العربية الميزان من «وَزَنَ»، وهو في معجم لين آلة الوزن، وثقل الشيء نفسه. ومن ينجو في المصرية يُسمّى mꜣꜥ-ḫrw «مَاعَ خِرُو»، صادق الصوت، أي المبرَّأ، ويُكتب بعد اسم كلّ ميّت.
رشنو: الرَّزين
يقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ rašnu «رَشْنُو» مشتقّ من الفعل الأفستي raz- «رَز»، أي سار مستقيماً ووجّه، فهو صفة معناها العادل المستقيم، ولقبه الدائم razišta «رَزِشْتَ»، أعدل العادلين. والشين في rašnu «رَشْنُو» تأتي في الأفستية من الزاي قبل النون، فحرفا الأصل الراء والزاي. وعلى المنهج نقرؤه «رَزين» من «رَزَنَ»: في معجم لين رَزَنَ الشيءَ رفعه ليعرف وزنه، ورَزُن الشيءُ ثقل، والرجل الرزين الثابت الوقور الصائب الرأي. فالاسم على هذه القراءة اسم من يرفع الشيء ليعرف ثقله، وهذا عمل رشنو بميزانه. أمّا النون فيجعلها علماء الإيرانيات من لاحقة -nu «نُو»، كما جعلوها في اسم جسر تشِنْڤات، وهي في العربية من أصل «رزن».
مينوس: المُقَدِّر
وتقرأ المقالة السامية الإغريقية في هذا المشروع «مينو»، بعد رفع السين اليونانية من Μίνως / Minos «مِينُوس»، من «مَنّ» بمعنى قدّر وحكم، فهو الحاكم والقاضي. والتقدير في معجم لين معنى «مَنَى» لا «مَنّ»: مَنَى قدّر، والمَنِيّة الموت لأنّه مقدّر، والمنايا المقادير. ويضع معجم براون ودرايفر وبرِغز العبرية mānâ «مَانَا»، أي عدّ وأحصى وعيّن، بجانب الأكدية manû «مَانُو» والآرامية وبمعنى قسم وعيّن في العربية. وفي «الإنيادة» يحرّك مينوس جرّة القُرعة، وتقول الأبيات: «وليست هذه المساكن تُعطى بغير قرعة ولا قاضٍ». فمينوس على هذه القراءة المقدِّر الذي يعدّ الموتى ويقسم لهم مساكنهم، وهي قراءة مقترحة على المنهج تصحّح جذر المقالة وتبقي معناها. واسم مينوس كريتي لا يُعرف له تحليل قديم.
الشواهد بحسب الحضارة
مصر: من تعاليم مري كا رع إلى كتاب البوّابات
قبل «كتاب الموتى» بقرون يوصي ملك من أهل إهناسيا ابنه مري كا رع: المحكمة التي تقضي على البائس لا تتساهل يوم الحكم عليه، فلا تثق بطول السنين، فهم يرون العمر كلّه في ساعة، وإذا بقي الإنسان بعد الموت وُضعت أعماله بجانبه أكداساً، والبقاء هناك دائم، ومن بلغهم ولم يفعل سوءاً عاش هناك كالإله. وتقول ليشتهايم إنّ النصّ ينسب إلى زمن مري كا رع، من ملوك الأسرة التاسعة أو العاشرة، ونسخه الباقية من الأسرة الثامنة عشرة. ويذكر مشروع مصر الرقمية لوحة من أبيدوس من الأسرة الثانية عشرة ترتّب أقوال البراءة في جدول يسبق جدول «كتاب الموتى».
ثم صار المشهد جزءاً من ليل الشمس. في «كتاب البوّابات» المنقوش على تابوت سيتي الأول، نحو 1279 ق.م، يجلس أوزيريس في الساعة الخامسة من الليل قاضياً للموتى على منصّة من تسع درجات، ويوزن القلب مقابل ريشة نعامة، ويعاقَب في هذا الكتاب من لم يعبد رعاً في بحيرة النار وفي برك تغلي. ويقول المتحف المصري العالمي إنّ حورمحب نقش مشهد الحكم في وسط الجدار فوق تابوته، وإنّ أصحاب التوابيت في العصر المتأخّر نقلوا مشهد الحكم وشيئاً من الساعة الأولى إلى توابيتهم. والمكان الذي يجري فيه ذلك هو الدوات، العالم الذي يقطعه رع كلّ ليلة.
إيران: رشنو عند الجسر
يقول زرادشت في الغاثات إنّه سيعبر «جسر الفاصل» مع من يتبعه، وإنّ أنفس خصومه تعذّبهم حين يبلغونه. ويروي «الڤنديداد» أنّ الروح تبلغ رأس الجسر إذا طلع الفجر بعد الليلة الثالثة فتُسأل عن جزاء ما أعطت، ويروي «هادوخت نسك» أنّ الروح تلقى ضميرها، دَئِنا، في صورة فتاة جميلة أو قبيحة على قدر عملها.
ويفصّل كتاب «مينوگ إي خرد» الفهلوي المحكمة: يقود سروشا الروح إلى الجسر، ويترصّد لها هناك خصوم، منهم أَسْتْوِيهاد الذي يلتهم الخلق كلّه ولا يشبع، ثم تقف بين ميثرا وسروشا ورشنو، ويزنها رشنو العادل بميزان الأرواح الذي لا يحابي أحداً، لا الصالح ولا الطالح ولا السادة ولا الملوك، ولا يميل قدر شعرة، ويعدّ الملك وأصغر الناس سواء. ويقول أردا ويراز، الكاهن الذي زار العالم الآخر في رؤياه: رأيت رشنو العادل بيده الميزان الأصفر الذهبي يزن الصالحين والأشرار. ويذكر مقال الموسوعة الإيرانية هذا الوزن أيضاً في نقش كرتير، الكاهن الساساني في القرن الثالث الميلادي، وهو أقدم من الكتب الفهلوية. أمّا رشنو في الأفستا نفسها فقاضٍ في «الوَرَه»، المحنة التي يُحلف فيها على الماء وتشهد فيها النار للحقّ.
الهند: يما وكاتبه
يقول نشيد الجنازة في «ريغفيدا» للميّت: امضِ في الطرق القديمة التي مضى فيها آباؤنا، فسترى الملكين يما وفارونا، والقَ يما والآباء، والقَ ثواب ما قدّمت من قرابين وعطايا في السماء العليا، واترك الإثم وراءك. ويحرس الطريق كلبان ليما، لكلّ منهما أربع أعين، ينظران في الناس. ثم يقول معجم مونير وليامز إنّ يما صار في الأساطير اللاحقة قاضي الموتى المعيّن ومعاقبهم، يسكن مدينة في العالم الأسفل اسمها يَمَپُور، ويُحكم على الروح بعد أن يقرأ الكاتب تشيتراغوبتا حساب أعمالها، ويسمّى «ملك الشريعة» dharmarāja «دَرْمَراجَ». ويجعل المعجم تشيتراغوبتا «كاتب الخير والشرّ الذي يعمله كلّ إنسان»، ويحيل إلى «المهابهاراتا» وكتب البورانا.
الإغريق والرومان: القضاة الثلاثة
يرى أوديسيوس في دار هاديس مينوس ابن زيوس بيده صولجان من ذهب، جالساً يقضي بين الموتى، وهم حوله قعود وقيام يسألونه الحكم.
ويرويها أفلاطون قصّة كاملة في «غورغياس». كان في زمن كرونوس قانون يقول إنّ من عاش بالعدل والتقوى يمضي إلى جزر السعداء، ومن عاش بالظلم يمضي إلى تارتاروس. وكان الأحياء يحكمون على الأحياء في يوم موتهم، فجاء بلوتو وحرّاس الجزر إلى زيوس يشكون أنّ الناس يصلون إلى الدارين بغير استحقاق. فقال زيوس: الخطأ أنّهم يُحاكَمون بثيابهم، وكثير ممّن نفوسهم سيّئة تكسوهم أجساد جميلة ونسب ومال وشهود. فأمر بروميثيوس أن يزيل عنهم علمهم بيوم موتهم، وأمر أن يُحاكموا عراة بعد الموت، وأن يكون القاضي ميّتاً عارياً ينظر بنفسه إلى النفس. وجعل من أبنائه ثلاثة قضاة: مينوس ورادامانثيس من آسيا، وأياكوس من أوروبا، يقضون في المرج عند مفترق الطريقين، يحاكم رادامانثيس أهل آسيا وأياكوس أهل أوروبا، ويكون لمينوس الحكم الأخير إذا اشتبه الأمر. ويضع رادامانثيس على النفس علامة يبيّن بها هل شفاؤها ممكن أم لا، ويرسل النفس التي عاشت في الحقّ إلى الجزر. ويقول أفلاطون إنّ أكثر من لا يُشفى ملوك وأصحاب سلطان، ويذكر من «الأوديسة» تانتالوس وسيزيف وتيتيوس.
وفي «الإنيادة» يرى إينياس مينوس يحرّك جرّة القرعة ويدعو مجلس الصامتين ويتعلّم حياتهم وجرائمهم، ثم يرى رادامانثيس الكريتي يحكم أقسى الممالك، يعاقب ويسمع الخداع ويُكره كلّ نفس على الاعتراف بما أخّرت كفّارته إلى الموت.
بلاد الرافدين: قضاة إريشكيغال ومجلس المصائر
في «نزول إنانا» تُقيم إنانا أختها إريشكيغال عن عرشها وتجلس مكانها، فيحكم عليها الأنوناكي، القضاة السبعة: ينظرون إليها نظرة الموت، ويكلّمونها كلام الغضب، ويصيحون بها صيحة الذنب الثقيل، فتصير جثّة تُعلّق على وتد. وهذا حكم على حيّة دخلت دار الموتى وجلست على عرش ليس لها، لا على أعمال عمرها.
وفي قصيدة «موت جلجامش» السومرية، في نسخة مي توران، يجتمع مجلس الآلهة فيعدّ على جلجامش ما صنع: سلك الطرق كلّها، وجاء بالأرز من جباله، وقتل هواوا، ونصب الأنصاب، وبنى المعابد، وبلغ زيوسودرا في مسكنه، وأعاد إلى البلاد الشعائر المنسيّة. ثم يذكر إنكي أنّ الآلهة جعلوه يقسم بعد الطوفان ألّا يُترك إنسان يعيش أبداً، فيقول إله آخر: ليكن جلجامش شبحاً في الأسفل بين الموتى، وحاكماً للعالم السفلي، مقدَّماً على الأشباح، يقضي ويحكم، ويكون كلامه ثقيلاً ككلام ننغيشزيدا ودموزي. «موت جلجامش»، المقطع F، 1–41 و82–86.
ويقول أوتنابشتم لجلجامش في اللوح العاشر من الملحمة البابلية: الأنوناكي، الآلهة الكبار، اجتمعوا، ومامّيتوم صانعة المصير قضت معهم بالمصير، فوضعوا الموت والحياة، ولم يكشفوا يوم الموت. فالمجلس في بلاد الرافدين يقضي بالمصير، šīmtu «شِيمْتُو»، ولا يزن عمل كلّ ميّت.
الشمال: ناستروند
لا يحاسب الشمال موتاه على أعمالهم في الأكثر: من قُتل في الحرب مضى إلى فالهالا، ومن مات بالمرض والشيخوخة مضى إلى هيل. ويستثني «خداع غيلفي» ما بعد راغناروك: يسكن الصالحون الأخيار قاعات جيمله وبريمير وسيندري، وفي ناستروند، شاطئ الجثث، قاعة بعيدة عن الشمس أبوابها إلى الشمال، منسوجة من ظهور الحيّات، تقطر فيها السموم أنهاراً يخوضها الحانثون في أيمانهم والقتلة. وتزيد «نبوءة العرّافة» من يغوي امرأة غيره، وتقول: هناك امتصّ نيدهوغ جثث الموتى.
الميزان في القرآن
تضع المقالة السامية الفارسية في هذا المشروع رشنو الذي يزن الأعمال في جدولها بجانب «الميزان يوم القيامة»، وتجعل الجنّة والجحيم والجسر والميزان والبعث قالباً إيرانياً أوّل صبّت فيه الأديان بعده صورتها للآخرة. وفي القرآن: «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين»، و«الوزن يومئذ الحقّ، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم»، و«فأمّا من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأمّا من خفّت موازينه فأمّه هاوية». والميزان في القرآن يوضع للناس جميعاً يوم القيامة بعد البعث، لا في ساعة موت كلّ واحد. وتاريخ الشواهد يقدّم ميزان مصر: صورة وزن القلب من نحو 1450 ق.م، وأقدم ذكر لميزان رشنو في نقش كرتير في القرن الثالث الميلادي، فانتقال الصورة من إيران وحدها يحتاج شاهداً أقدم.
التوازيات عبر الحضارات
| الحضارة | من يحاسب | كيف | ما يُحاسَب عليه | الخاتمة |
|---|---|---|---|---|
| مصر | أوزيريس والاثنان والأربعون | يوزن القلب مقابل ريشة ماعت، ويكتب تحوت | ذنوب يعدّها الميّت وينفيها | صادق الصوت يمضي إلى أوزيريس، ومن فشل تأكله عمّيت |
| إيران | ميثرا وسروشا ورشنو | ميزان الأرواح، والضمير في صورة فتاة | الفكر والقول والعمل | يتّسع الجسر أو يضيق |
| الهند | يما | يقرأ تشيتراغوبتا الحساب | الخير والشرّ في العمر | دار الآباء أو العقاب |
| الإغريق | مينوس ورادامانثيس وأياكوس | ينظر القاضي العاري إلى النفس العارية | آثار الظلم في النفس | جزر السعداء أو تارتاروس |
| الرومان | مينوس ورادامانثيس | القرعة، والاعتراف بالإكراه | الحياة والجرائم | مساكن الموتى أو العقاب |
| بلاد الرافدين | الأنوناكي، وجلجامش بعد موته | المجلس يقضي | المصير، لا العمل | يبقى الموتى كلّهم في الأسفل |
| الشمال | لا قاضي مسمّى | طريقة الموت | الحنث والقتل في ناستروند | فالهالا أو هيل أو شاطئ الجثث |
| القرآن | الله | الموازين | مثقال حبّة من خردل | عيشة راضية أو الهاوية |
يتّفق ميزان مصر وميزان رشنو وموازين القرآن في الصورة نفسها: كفّتان وثقل. ويختلف ما يوضع في الكفّة: في مصر قلب الميّت قبالة ريشة ماعت، فالقلب يُقاس بمقياس خارج عنه؛ وعند رشنو تُوزن الحسنات والسيّئات، فتُقاس الأعمال بعضها ببعض؛ وفي القرآن يُوزن مثقال الحبّة ويُنظر أيّ الكفّتين أثقل. ويقابل القلبُ الذي يكلّمه آني ويرجوه ألّا يشهد عليه دَئِنا التي تلقى الروح عند الجسر: في القصّتين يصير شيء من الإنسان نفسه شاهداً له أو عليه. ويقرب منهما الكاتب: تحوت يكتب النتيجة، وتشيتراغوبتا يقرأ الحساب، وأفلاطون يجعل النفس نفسها مكتوبة بآثار ما فعلت.
ويقف عند المحكمة آكل في أكثر الروايات: عمّيت عند الميزان، وأستويهاد الذي لا يشبع عند الجسر، ونيدهوغ الذي يمتصّ جثث الحانثين، وكلبا يما اللذان يسمّيهما النشيد «اللذين لا يشبعان». والفرق أنّ عمّيت تأكل القلب فلا يبقى لصاحبه شيء، ويبقى الأشرار في إيران والشمال أحياء في العذاب.
وتفترق الروايات في القاضي وفي ما يعرفه. في مصر يعرف الميّت أسماء القضاة الاثنين والأربعين وأسماء أجزاء الباب، والمعرفة نفسها تفتح له. وعند أفلاطون لا يعرف القاضي من يحاكم، ولا ينفع الميّت نسبه ولا شهوده. وفي بلاد الرافدين لا يوزن عمل أحد: يعدّ المجلس أعمال جلجامش ليكرّمه، لا ليحاسبه، ويبقى الموتى كلّهم في الدار نفسها. والشمال يقسم الموتى بطريقة موتهم قبل أعمالهم.
وفي صفحة النزول إلى العالم السفلي قصص الأحياء الذين دخلوا دار الموتى ورجعوا، وفيها دار رع وأوزيريس نفسها.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة المصرية في هذا المشروع وزن القلب أمام ريشة ماعت «محاكمة ذاتية»: هل عشت حياة متوازنة؟ فالقلب أعمالك، والريشة المعيار، والأعمال الثقيلة من الظلم تُغرق القلب، وهذا عندها أوّل نظام أخلاقي يقوم على مسؤولية الإنسان عن نفسه. وتقرأ النفي الاثنين والأربعين أقدم قانون أخلاقي في التاريخ، ميثاقاً اجتماعياً يعرّف الإنسان الصالح بأفعاله. وتقرأ عمّيت النسيان: من لم يعش بالماعت يُنسى، وأكبر العقاب أن يُمحى الإنسان من الذاكرة. وتقرأ المقالة البنيوية ماعت بجانب كِتّو وميشارو، الحقّ والعدل اللذين يرافقان شمش في بابل، فالعدل في الحضارتين ضرورة يقوم بها العالم، وسقوطه رجوع إلى ماء نون أو إلى تيامات. وتقرأ المقالة الفارسية جسر تشنڤات «مفهوماً للمحاسبة والعدالة».
والنصّ المصري يسند هذه القراءة بتفاصيله. فالذنوب التي ينفيها الميّت ذنوب الحقل والسوق والبيت: المكيال وحبل المساحة وكفّة الميزان وخيطه، والحقول، والماء في وقته، والسدّ على الماء الجاري، والماشية في مراعيها، والسمك في برك المعبد، واللبن في أفواه الأطفال. فصاحب البردية رجل يعمل في الأرض والمخازن والمعبد، ويُحاسَب على ما يمسّ جيرانه من عمله. ولذلك كان الميزان أداة يعرفها كلّ مصري من السوق قبل أن يراه في القاعة، وتقول «تعاليم أمنموبي» إنّ قرد تحوت يجلس بجانبه. وتعليمات الفصل نفسه تطلب الطهارة والثوب الجديد والنعل الأبيض، وهي هيئة الداخل إلى المعبد، فالميّت يدخل قاعة الماعتين كما يدخل الكاهن بيت الإله.
وفي الروايات كلّها يُسأل صاحب السلطان كما يُسأل غيره، بل أشدّ. يقول «مينوگ إي خرد» إنّ ميزان رشنو يعدّ الملك وأصغر الناس سواء، ويقول أفلاطون إنّ أكثر من لا يُشفى ملوك وأصحاب سلطان لأنّ أيديهم مطلقة في الظلم، ويقول ملك إهناسيا لابنه الملك إنّ القضاة يرون العمر كلّه في ساعة. وفي هذه النصوص يُوجَّه الكلام عن الحساب إلى الأقوياء خاصّة: تذكر المال والنسب والشهود، وتقول إنّها لا تنفع عند القاضي الأخير.