ياسون

ملخص

ياسون قائد الأرغونوت، أصحاب السفينة أَرْغُو، في أساطير الإغريق، وهو الذي جاء بالجزّة الذهبية من كُولْخِيس على البحر الأسود، ومعه ميديا ابنة ملكها. أبوه أَيْسُون من نسل أَيُولُوس، وأمّه بُولِيمِيدِي بنت أَوْتُولِيكُوس، وربّاه القنطور خِيرُون في كهفه، وهو الذي سمّاه ياسون كما يقول بِنْدَار.

وللجزّة قصّة قبله. أرادت إِينُو، زوجة الملك أَثَامَاس، أن تهلك ابني زوجها من زوجته الأولى، فِرِكْسُوس وهِيلِّي، فأقنعت النساء أن يحمّصن بذر القمح فلم ينبت، ثم أقنعت رسل الملك أن يقولوا إنّ الأرض لا تعود تنبت حتى يُذبح فركسوس لزيوس. فخطفت أمّهما الولدين وأعطتهما كبشاً جزّته من ذهب، أخذته من هرمس، فطار بهما فوق البرّ والبحر. فسقطت هيلّي في البحر الذي سُمّي باسمها، وبلغ فركسوس كولخيس، وملكها أَيِيتِيس ابن الشمس هيليوس. فذبح الكبش وأعطى الملك جزّته، فسمّرها على شجرة بلّوط في غابة آريس، يحرسها تنّين لا ينام.

وكان بِيلِيَاس، عمّ ياسون، قد أخذ ملك يُولْكُوس، فقيل له في النبوءة: احذر الرجل ذا النعل الواحدة. فعبر ياسون نهراً في سيل فضاعت إحدى نعليه، وجاء إلى بيلياس بنعل واحدة. ويقول أَبُولُّونْيُوس الرودسي إنّه حمل عند ذلك النهر عجوزاً على كتفيه، وكانت هيرا متنكّرة تمتحن الناس، فأحبّته من يومها. فأرسله بيلياس في طلب الجزّة، ويجعله بندار يقول: إنّ روح فركسوس تطلب أن تُردّ إلى بلادها، ومعها الجزّة. فبنى أَرْغُوس، ابن فركسوس، سفينة بخمسين مجذافاً بمشورة أثينا، وجعلت أثينا في مقدّمها خشبة تتكلّم من بلّوطة دودونا، وركبها أبطال الإغريق، ومنهم أورفيوس وهيراكليس. «المكتبة» 1.9.16، «الأرغونوتيكا» 3.66–73، بندار، «البوثية» 4.159–162.

فلمّا بلغوا كولخيس وعده أييتيس بالجزّة إن ربط وحده إلى المحراث ثورين من نحاس الأقدام ينفخان النار، ثم بذر أسنان تنّين. فأحبّته ميديا، ابنة الملك، وكانت عارفة بالأعشاب والسحر، فعاهدته أن تعينه إن حلف أن يتزوّجها ويأخذها معه إلى بلاد الإغريق. فلمّا حلف أعطته دهناً يمسح به ترسه ورمحه وجسده، فلا تؤذيه نار ولا حديد يوماً كاملاً، وقالت له إنّ رجالاً في السلاح سيخرجون من الأرض حيث يبذر الأسنان، فإذا اجتمعوا فارمِ بينهم حجراً من بعيد. فربط الثورين، وبذر الأسنان، فلمّا خرج الرجال رمى بينهم الحجارة، فاقتتلوا، فقتلهم. فأبى أييتيس أن يعطيه الجزّة، فقادته ميديا ليلاً إلى الغابة، وأنامت التنّين بأعشابها وغنائها، فأخذ الجزّة عن الشجرة، وهربا في السفينة. أمّا بندار فيقول إنّ ياسون قتل التنّين بالحيلة.

وفي الرجوع قتلت ميديا أخاها أَبْسِيرْتُوس وقطّعته ورمت أعضاءه في البحر، فتأخّر أبوها يجمعها. ورجعوا إلى يولكوس فوجدوا بيلياس قد أهلك أبا ياسون. فأقنعت ميديا بنات بيلياس أن يقطّعن أباهنّ ويطبخنه لتعيده شابّاً بأعشابها، وأرتهنّ كبشاً قطّعته فخرج من القدر حَمَلاً، ففعلن فمات. فطُرد ياسون وميديا إلى كورنثة، فعاشا فيها عشر سنين. ثم خطب ياسون ابنة ملك كورنثة وطلّق ميديا، فدعت ميديا الآلهة التي حلف بها، وأرسلت إلى العروس ثوباً مسموماً فاحترقت ومعها أبوها، وقتلت ابنيها من ياسون، وهربت في مركبة تجرّها تنانين مجنّحة أعطاها إيّاها الشمس، جدّها.

والفكرة التي تدور عليها القصّة هي العهد. أُخذت الجزّة بيمين: حلف ياسون لميديا أن يتزوّجها، فخانت أباها وأخاها وأعطته ما لم يكن يقدر عليه وحده. ولم يأتِ ياسون بالجزّة بقوّته، بل بعون غيره: هيرا التي حملها فأحبّته، والسفينة التي صنعتها أثينا، وغناء أورفيوس، ودهن ميديا وغناؤها. فلمّا نقض اليمين في كورنثة دعت ميديا الآلهة التي حلف بها، وانقلب العون الذي أعطته هلاكاً على بيته.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Ἰάσων / Iasōn «إِيَاسُون» آخره -ων «ـون»، لاحقة في أسماء الرجال، ويبقى Ἰασ- «إِيَاس». وفي اليونانية فعل ἰάομαι «إِيَاؤُمَاي» معناه شفى وعالج، يأتي مستقبله ἰάσομαι «إِيَاسُومَاي» وماضيه ἰασάμην «إِيَاسَامِين»، فالاسم في اليونانية «الشافي». والمقال الإغريقي يكتبه «إياسون» ويقرؤه «آسي»: أسا الجرحَ في معجم لين داواه وعالجه، والآسي الطبيب الذي يعالج الجراح. والهمزة لا تُكتب في اليونانية فتصير حركة في أوّل الاسم، والسين سين. فياسون على هذه القراءة «الآسي»، ويلتقي فيها المعنى اليوناني والمعنى العربي. وهذا ما يحيط به في القصّة: ربّاه خيرون، الذي تعلّم منه أخيل أعشاب العلاج كما تقول «الإلياذة»، وتزوّج ساحرة يقول أبولونيوس إنّ في صندوقها أعشاباً، منها ما يشفي ومنها ما يقتل.

الجذر اللغوي

ياسون و«الآسي»

الصيغة النطق ما هي
Ἰάσων إِيَاسُون الاسم عند هسيود وبندار
Ἰήσων إِيِيسُون الصيغة الأيونية
ἰάομαι إِيَاؤُمَاي شفى وعالج
ἰάσομαι، ἰασάμην إِيَاسُومَاي، إِيَاسَامِين المستقبل والماضي، وفيهما السين

في معجم لين: أسا الجرحَ يأسوه أسواً داواه وعالجه، والآسي الطبيب الحاذق بعلاج الجراح، وجمعه أُساة وإساء، ومن المادّة «أسا بينهم» أي أصلح بينهم.

والمقابلة في الصوت: الهمزة العربية لا تُكتب في اليونانية، فتبقى حركتها في أوّل الاسم، والسين تقابل σ «سِيغْمَا»، والواو الأخيرة في «أسو» حرف علّة يسقط في آخر الكلمة كما يسقط في «أسا» نفسها. ويبقى أنّ السين في اليونانية علامة المستقبل والماضي، وأصل الفعل ἰα- «إِيَا» بلا سين، أمّا في العربية فالسين من أصل المادّة. فالمقابلة تقع بين «أسا» وصيغة الفعل اليونانية التي يُبنى عليها الاسم.

القراءة الأخرى في المقال

ويضع المقال قبل «آسى» قراءة «يئس»، ويقلب معناها فيجعل ياسون «الذي لا ييأس». وحروفها الثلاثة، الياء والهمزة والسين، في ترتيبها في Ἰασ- «إِيَاس»، لكنّ اليأس في العربية انقطاع الرجاء، والقراءة تحتاج إلى عكس المعنى لتوافق البطل، فهي أضعف. وبالمادّة نفسها تقرأ هذه الموسوعة اسم آياس الكبير في صفحة ي-أ-س. معجم لين، يأس.

ميديا و«الإمداد»

اسم ميديا Μήδεια / Medeia «مِيدِيَا» في المعجم اليوناني من الفعل μήδομαι «مِيدُومَاي»، أي عزم ودبّر الأمر بحذق وحيلة، ومنه μήδεα «مِيدِيَا»، التدابير. والمقال لا يقرأ اسمها. فنقرؤه، قراءة مقترحة على المنهج، من «أمَدّ»: ننزع اللاحقة -εια «ـيَا» فيبقى Μηδ- «مِيد»، والميم ميم، والدال دال، والدال المشدّدة في «مدّ» تأتي مفردة في اليونانية. وفي معجم لين: أمددتُه بمدد أعنتُه وقوّيته، و«أمددناهم» أعنّاهم بغيرنا. فميديا على هذه القراءة «المُمِدّة»، التي أمدّت ياسون بما لم يكن عنده: الدهن الذي يحميه من النار، والمشورة في رجال الأرض، والغناء الذي أنام التنّين. وتفترق القراءة عن المعنى اليوناني، «صاحبة التدبير»، ولا يحفظ المعجم العربي في «مدد» معنى التدبير. ويضع المعجم اليوناني μέδω «مِيدُو» في أسرة الفعل نفسه، وهو الفعل الذي يُقرأ منه اسم ميدوسا في هذه الموسوعة «مدّ البصر».

السرديات الأسطورية الرئيسة

أقدم الأخبار

يعرف هُومِيرُوس السفينة: تقول كيركي لأوديسيوس إنّ سفينة واحدة عبرت الصخور الهائمة، «الأرغو التي يعرفها الجميع»، في رجوعها من عند أييتيس، ولولا أنّ هيرا أعانتها لتحطّمت، لأنّ ياسون كان عزيزاً عليها. ويقول هِسْيُود إنّ ياسون أخذ ابنة أييتيس بعد أن أتمّ الأعمال الشاقّة التي فرضها عليه بيلياس، وجاء بها إلى يولكوس زوجة، فولدت له مِيدِيُوس، وربّاه خيرون في الجبال. وأييتيس عند هسيود ابن هيليوس، وميديا ابنته.

دهن بروميثيوس

يسمّي أبولونيوس الدهن الذي أعطته ميديا لياسون «دهن بروميثيوس»، ويقول إنّ زهرته نبتت أوّل مرّة حين قطّر النسر الذي يأكل كبد بروميثيوس على جبال القوقاز دمه على الأرض. فما حمى ياسون من النار نبت من دم الذي سرق النار.

طائر أفروديت

ويقول بندار إنّ أفروديت جاءت بطائر مربوط إلى عجلة ذات أربعة أذرع، وعلّمت ياسون الرقى، حتى تنسى ميديا حرمة أبويها وتشتعل شوقاً إلى بلاد الإغريق.

ميديا وكورنثة

يروي بَاوْسَانِيَاس عن الشاعر الكورنثي يُومِيلُوس أنّ هيليوس أعطى أرض كورنثة لابنه أييتيس، ثم طلب أهلها ميديا فجعلوها ملكة، فحكم ياسون بها. وكانت تخبّئ أبناءها في معبد هيرا تظنّ أنّهم يصيرون خالدين، فلمّا عرف ياسون ذلك لم يغفر لها، ورجع إلى يولكوس، فتركت الملك لـسيزيف. باوسانياس 2.3.10–11.

القراءة الرمزية

يضع المقال «إعادة قراءة الأساطير الإغريقية» رحلة ياسون في جدول «أساطير البحر خرائط تجارية»، ويقرؤها تجارةً في الذهب مع جورجيا على البحر الأسود: كولخيس أرض ذهب، والرحلة إليها طريق تجّار.

وفي النصوص نفسها تبدأ القصّة بمجاعة مصنوعة: بذر محمّص لا ينبت، وولدان يُطلب ذبحهما ليعود النبات، فينجوان على كبش من ذهب. ثم يربط ياسون الثورين إلى المحراث ويشقّ الأرض ويبذرها، فتخرج منها رجالاً مسلّحين. وتقول «المكتبة» إنّ ياسون كان يحبّ الزراعة ويسكن الريف. فالقصّة تبدأ في الحقل وترجع إليه.

التوازيات عبر الحضارات

أقرب القصص إلى خبر ميديا خبر سوسيري بيمه في اليابان: يذهب أوكونينوشي إلى سوسانو في أرض الأعماق، فتعطيه ابنته أوشحة يتّقي بها الحيّات والحشرات، فينجو من محن أبيها، ثم يهرب بها وبكنوز أبيها، ويطارده الأب إلى حدّ أرضه. وفي القصّتين ابنة ملك تعين الغريب على محن أبيها وتهرب معه.

ويقابل المقال الإغريقي ياسون بجلجامش في رحلة الطلب إلى أقاصي الأرض. وفي الشمال يقتل سيغورذ التنّين فافنير ويأخذ الذهب الذي يحرسه، كما قتل ياسون التنّين في رواية بندار. وهذا التنّين الحارس من شواهد صراع المعبودات مع البحر والتنين. وحيل ميديا، من الكبش الذي تخرجه من القدر حَمَلاً إلى رجل النحاس تالوس الذي نزعت المسمار من عرقه فسال دمه، تضعها بجانب المحتال، واسمها في اليونانية نفسها من فعل يعني التدبير بالحيلة.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «المكتبة» المنسوبة إلى أبولودور، 1.9.1 و1.9.16–28.

  2. بندار، «البوثية» 4.

  3. أبولونيوس الرودسي، «الأرغونوتيكا» 3 و4.

  4. «الأوديسة» 12.69–72، «الإلياذة» 11.828–832، هسيود، «الثيوغونيا» 956–962 و992–1002.

  5. يوريبيديس، «ميديا» 1317–1322، باوسانياس 2.3.10–11.

  6. المعجم اليوناني، ἰάομαι «إِيَاؤُمَاي» وμήδομαι «مِيدُومَاي»، معجم لين، أسو ومدد ويأس.