ملخص
حَابِي هو فيضان النيل عند المصريين. والكلمة المصرية ḥꜥpj «حَعْپِي» اسم للنيل ولفيضانه معاً، فإذا كُتبت اسماً لمعبود صارت حابي الذي يُرسم رجلاً ممتلئ البطن متدلّي الثديين، علامةً على الوفرة والخصب، على رأسه نبات الماء، وقد يُلوَّن جسده بالأزرق أو تُرسم عليه خطوط الماء. ولم يكن له معبد تُقام فيه الخدمة كلّ يوم، وإنّما كانت له أعياد تُنشد فيها الأناشيد، وأهمّ مواضع عبادته أسوان وجبل السلسلة قرب الجندل الأوّل.
وقصّته قصّة ماء ينام تحت الأرض ثم يقوم كلّ سنة. كان المصريون يرون أنّ النيل يخرج من نُون، الماء الأوّل الذي تحت الأرض، فيطلع عند إِلِفَنْتِين من ثقب في الأرض. وفي «لوحة المجاعة» المنقوشة على صخرة في جزيرة سهيل يسأل الملك زوسر: «في أيّ موضع يولد حابي؟»، فيأتيه الجواب من الكتب المقدّسة: في وسط الماء بلدة اسمها يِبُو، أي إلفنتين، «يحيط بها حابي»، و«الكهفان» اسم مائها، «وهما الثديان اللذان يُرضعان الجميع». هناك «بيت نوم حابي»، يعود فيه شابّاً في وقته، ومنه يأتي بالفيضان: «يثب فيجامع كما يجامع الرجل المرأة، ويجدّد رجولته في فرح». ويرتفع عند إلفنتين ثمانية وعشرين ذراعاً، فإذا بلغ بلدة سما بحدت في شمال الدلتا نزل إلى سبعة. وعلى الباب يقف خْنُوم، نعلاه على الفيضان والمزلاج في يده، يفتح كما يشاء، ويقول ليشتهايم إنّ خنوم الخالق هو الذي يُطلق حابي. ويقول خنوم للملك في المنام إنّه «نون العالي الذي خرج أوّلاً، حابي الذي يسرع كما يشاء».
وأطول ما كُتب فيه «ترنيمة حابي»، أُلّفت في الدولة الوسطى، وكان تلاميذ المدارس في الدولة الحديثة ينسخونها. تبدأ: «السلام عليك يا حابي، الخارج من الأرض، الآتي ليُطعم مصر»، الذي «يروي الحقول التي صنعها رع» ويسقي الصحراء التي لا ماء فيها، «صانع الشعير، خالق الحنطة». ثم تصف أحواله الثلاثة. إذا تباطأ «انسدّت الأنوف، وافتقر الجميع»، وهلك من الناس ألف ألف. وإذا طغى «هاجت الأرض كلّها، وصاح الكبير والصغير». فإذا جاء بقدره «فرحت الأرض، وابتهجت كلّ بطن، وضحك كلّ فكّ، وبدت كلّ سنّ». وتقول الترنيمة إنّ موضعه لا يُعرف، «فكهفه لا يوجد في الكتب»، وليس له مقام ولا نصيب، لكنّ الشباب يحيّونه كما يُحيّى الملك، وحين يأتي «يكشّر سُوبِك، ابن نِيت، عن أسنانه». وتنتهي بأغنية تتكرّر: «يا فرحاً حين تأتي، يا حابي، يا فرحاً حين تأتي، يا من يُطعم الناس والقطعان من خيرات المروج». ويفهم ليشتهايم من قولها «حين يصنعه خنوم» أنّ خنوم يصنع حابي جديداً كلّ سنة.
والفكرة التي تدور عليها قصّة حابي أنّ الخير يأتي بقدر. فالماء نفسه يُهلك إذا قلّ، ويُهلك إذا زاد، ويُحيي إذا جاء في وقته وبمقداره. ولذلك يقف خنوم على الباب يفتح ويغلق، وكان الملك مسؤولاً عن عودة الفيضان كلّ سنة، يقود بنفسه الموكب في الطقس الذي يُراد به أن يعود. وحابي يعطي ولا يأخذ: لا يُنحت له تمثال من حجر، ولا تُجبى له ضريبة، و«يغتني المرء لأنّ غيره يكدّ». ومن هنا رُسم على أسفل جدران المعابد صفٌّ طويل من رجال ممتلئين يمثّلون الأقاليم، على رؤوسهم نبات الجنوب ونبات الشمال، يحملون خيرات البلد كلّه إلى المعبود.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Ḥꜥpj «حَعْپِي»، بحاء ثم عين ثم پاء ثم ياء. ويقرؤه المقال المصري في هذا المشروع من «هَبَّ»، ويجعل حابي «الهائج»، أي فيضان النيل. وفي معجم لين: هبّ من نومه استيقظ وقام، وهبّت الريح ثارت، وهبّ النجم طلع، وهبّ الفحل هاج يطلب الأنثى. وهذه أفعال حابي في لوحة المجاعة نفسها: ينام في الكهفين ثم يقوم، ويرتفع، ويثب فيجامع كما يجامع الرجل المرأة. والپاء المصرية تقابلها الباء العربية كما في اسم خبري. أمّا الحاء المصرية فتقابلها في العادة حاء، كما في اسم حورس، فوضع الهاء مكانها هو موضع البحث في هذه القراءة. ولذلك نضع إلى جانبها، قراءةً مقترحة على المنهج، «حَبا» و«حَبى»، وهي تحفظ الحاء والباء والياء: وفي معجم لين «حَباه» أعطاه بلا عوض، و«الحِباء» العطيّة، و«الحَبِيّ» سحاب متراكم يُشرف من الأفق. فحابي على القراءتين ماءٌ يهبّ من رقاده، ويحبو الناس بالعطاء ولا يأخذ منهم شيئاً.
الجذر اللغوي
«هَبَّ» و«حَبا»
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Ḥꜥpj «حَعْپِي» | حابي، اسم المعبود | معجم المصرية |
| ḥꜥpj «حَعْپِي» | النيل، الفيضان، ويوصف به الملك مجازاً | معجم المصرية |
| Ḥpj «حِپِي» | اسم علم بلا عين، ومنه اسم أحد أبناء حورس الأربعة | معجم المصرية، المتحف المصري العالمي |
| qrr.t «قِرِرِت» | الكهف، الحفرة | معجم المصرية |
في الكلمة المصرية ḥꜥpj «حَعْپِي» حاء، وعين، وپاء، وياء في آخرها. والمقال المصري يخلط بين حابي النيل وحابي أحد أبناء حورس الأربعة، حارس الرئتين في الجرار الجنائزية، فيبني قراءته على «حاپي» واحد. والمتحف المصري العالمي يفرّق بينهما: الاسمان يُنطقان عندنا نطقاً واحداً، لكنّ ابن حورس يُكتب Ḥpj «حِپِي» بلا عين. والقراءة هنا لحابي النيل.
ويقرأ المقال الاسم من «هَبَّ»، ويكتب: «هبّ الوادي، أي فاض وسال». وهذه العبارة ليست في معجم لين، لكنّ معاني الجذر فيه أقرب إلى القصّة ممّا كتبه المقال: هبّ من نومه استيقظ وقام، وهبّت الريح ثارت وهاجت، وهبّ النجم طلع، وهبّ إلى الصلاة قام إليها، وهبّ الفحل والتيس هاج يطلب الضراب، و«قد جاءني هَبّة» أي أتاني مرّة. وفي لوحة المجاعة ينام حابي في «بيت نومه» ثم يقوم ويثب فيجامع. والصوت: الپاء المصرية تقابلها الباء العربية، والعين المصرية تسقط في هذه القراءة، وقوانين المشروع تجمع العين والحاء والخاء والغين في «انهيار الحروف الحلقية». غير أنّ الهاء ليست من هذه المجموعة، والحاء المصرية تقابلها الحاء العربية في العادة، والياء الأخيرة لا مقابل لها في «هبّ».
أمّا «حَبا»، المقترحة على المنهج، فتحفظ الحاء كما هي، وتقابل الپاء بالباء، والياء المصرية بياء «حَبى»، وهي لغة في «حَبا» في معجم لين، فلا يبقى بلا مقابل إلّا العين. وفي معجم لين من معاني الجذر: «حَباه» أعطاه شيئاً بلا عوض، و«الحِباء» العطيّة، و«حبا الموجُ للسفينة» عرض لها، و«الحَبِيّ» و«الحُبِيّ» سحاب متراكم يُشرف من الأفق كالجبل قبل أن يغطّي السماء. وتسمّي ترنيمة حابي النيل «صانع الخير» و«واهب العطايا للفقير»، وتقول ترنيمة آتون الكبرى إنّ الشعوب الأخرى يُحييها «حابي في السماء» ينزل عليها، أي المطر. فـ«الحِباء» يقابل حابي المعطي، و«الحَبِيّ» يقابل حابي السماء.
قراءات أخرى في المقال
ويقدّم المقال قبل «هبّ» قراءة «حَيِيَ»، أي عاش ونما. وهي تحفظ الحاء والياء، ومعناها يوافق ماءً تحيا به الأرض، لكنّها لا تقابل الپاء المصرية بشيء. ويقرأ المقال اسم النيل نفسه من «نال»، أي وصل وأعطى، وهذا اسم يوناني الأصل للنهر لا اسم المعبود المصري.
السرديات الأسطورية الرئيسة
حابي في السماء
وفي ترنيمة آتون الكبرى من عصر العمارنة يقول الشاعر للشمس: «صنعتَ حابي في العالم السفلي، تأتي به متى شئت ليُطعم الناس.. وللبلاد البعيدة كلّها جعلتَ حابي في السماء ينزل عليها، يصنع أمواجاً على الجبال كالبحر، ليروي حقولها ومدنها». فلمصر حابي يخرج من العالم السفلي، وللشعوب الأخرى حابي ينزل من السماء مطراً، كما يشرح ليشتهايم.
رع «حابي القويّ في طلوعه»
وفي «نزاع حورس وست» يكتب تحوت رسالة المجلس إلى نيت، فيبدأها بألقاب رع: «آتون الذي يضيء الأرضين ببهائه، حابي القويّ في طلوعه، رع حور آختي». فالشمس حين تطلع تُشبَّه بالنيل حين يرتفع.
الأرضان والنبتتان
وفي ترنيمة حابي يُسمّى «قاهر الأرضين» الذي «يملأ مصر جنوبها وشمالها». والأرضان عند المصريين الجنوب، وعلامته اللوتس، والشمال، وعلامته البردي، وكانت علامة zmꜣ-tꜣ.wj «سِمَا تَاوِي»، «توحيد الأرضين»، قصبة هواء تلتفّ عليها النبتتان. والكلمة zmꜣ «سِمَا» في المصرية تعني الرئة، وتعني الفعل «وحّد وجمع». ويرسم المصريون حابي في مواكب الأقاليم وعلى رأسه نبتة الجنوب ونبتة الشمال، وعلى جعران من الدولة الوسطى رجلان ممتلئا البطن متقابلان، يرجّح متحف المتروبوليتان أنّهما حابي.
حابي وأوزيريس
ويقول المتحف المصري العالمي إنّ حابي لم يكن له في الدين شأن كبير مع أنّ الفيضان كان حياة مصر كلّها، لأنّ أوزيريس كان يُعدّ هو أيضاً سيّد الفيضان وماء النيل، وكان ارتفاع الماء يُقرن ببعثه، وكان ماء النيل يُقرن بسوائل جسده التي فيها حياة كامنة. وكان سُوبِك التمساح، صاحب ماء النيل، يُعبد هو أيضاً جالباً للفيضان.
عند هيرودوت
وسأل هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد كهنة مصر لماذا يرتفع النيل مئة يوم من الانقلاب الصيفي ثم ينحسر حتى الانقلاب التالي، فلم يجد عندهم جواباً. وسمع من كاتب خزائن أثينا في سايس، وأثينا عنده نيت، أنّ منابع النيل بين جبلين بين أسوان وإلفنتين، يجري نصفها شمالاً ونصفها جنوباً، وهي صورة الكهفين في لوحة المجاعة.
القراءة الرمزية
يجعل مقال إعادة القراءة المصري النيل محور الأساطير المصرية كلّها: الفيضان خلق، والانحسار ظهور الأرض، والجفاف موت أوزيريس، والفيضان الجديد بعثه، والتربة السوداء مصر، والحمراء صحراء ست. وحابي هو الاسم الذي سمّى به المصريون هذا الفيضان نفسه.
وتقيس النصوص الفيضان بحياة الناس. في ترنيمة حابي يقصر الماء فيجوع الناس، ولا يجد الناس قماشاً لثيابهم، ولا كحلاً ولا دهناً، و«العوز يتبعه الغشّ»، ثم تنتهي الفقرة بأنّ الذهب لا يؤكل ولا يسكر أحد بالفضّة، «والشعير هو الأوّل والأقوى». وفي لوحة المجاعة يسرق كلّ رجل أخاه، وتُغلق المعابد، وتُطوى أذرع الشيوخ على صدورهم. ويقول المتحف المصري العالمي إنّ الماء إذا زاد أغرق البيوت وأفسدت جيف الحيوانات ماءه فانتشر المرض، وإذا قلّ لم يُزرع شيء. فالمعبود الذي لا يُعرف كهفه هو المقياس الذي تُقاس به السنة كلّها: كم يُزرع، وكم يُخزن، وكم يُجبى للمعبد.
التوازيات عبر الحضارات
يأتي حابي من الماء الأوّل، نون، عبر كهفين عند إلفنتين، ويجعل عودته كلّ سنة أساس السنة الزراعية في مصر: يرتفع الماء، ثم ينحسر عن الطمي، ثم يُزرع الحبّ.
وفي بلاد الرافدين يملأ إنكي نهر دجلة بمائه في قصيدة «إنكي ونظام العالم»: يقوم «كثور هائج» فيقذف، فيمتلئ النهر بالماء الجاري، ويأتي الماء بالشعير، ويقول النصّ إنّه قدّم بذلك «هديّة عرس». وحابي في لوحة المجاعة يثب فيجامع كما يجامع الرجل المرأة. فالنهر في القصّتين ذكر يخصب الأرض بمائه، والفرق أنّ إنكي معبود يملأ النهر، وحابي هو النهر نفسه.
وفي فارس تنزل أناهيتا نهراً عظيماً من جبل هوكايريا إلى البحر، وتطهّر نطفة الرجال وأرحام النساء، فهي مثل حابي ماءٌ يجري به الخصب في الأجساد كما يجري في الحقول، لكنّها امرأة، وحابي رجل بثديين. وفي الهند تنزل غانغا من السماء نهراً إلى الأرض، كما ينزل «حابي السماء» مطراً على الشعوب الأخرى في ترنيمة آتون.
وفيضان حابي غير الطوفان الذي يُهلك الناس في قصص الرافدين والتوراة. فهو يأتي كلّ سنة، ويُطلب ولا يُخاف منه إلّا إذا زاد عن قدره. وفي ترنيمة حابي نفسها «إذا نهب هاجت الأرض كلّها»، فالماء المصري يعرف وجه الهلاك، لكنّه يعرفه مقداراً زائداً لا عقاباً على ذنب.