ملخص
مِسْخِنِت معبودة الولادة عند المصريين، وهي في الأصل الطوبة التي تلد عليها المرأة. يقول جوزيف فيغنر إنّ المصريين كانوا يضعون طوباً خاصّاً، اسمه msḫn.t «مِسْخِنِت»، تستند إليه المرأة وهي جالسة القرفصاء عند الولادة، وإنّ هذه الطوبة كانت في صورتها الإلهية معبودة هي مسخنت. ففي 2001 وجدت بعثته في بيت عمدة أبيدوس الجنوبية طوبة ولادة من الطين غير المحروق، طولها ستّة وثلاثون سنتيمتراً، من نحو 1750 إلى 1700 قبل الميلاد، عليها صورة أمّ ووليدها جالسَين على عرش، تحيط بهما صورتان لـحتحور. فيغنر، «طوبة الولادة السحرية»، مجلّة إكسبيديشن 48، 2006، معجم المصرية، مسخنت.
وقصّتها الكبرى في بردية وستكار، من قصص الدولة الوسطى. فيها تتوجّع رودجِدِت، زوجة كاهن رع في ساخبو، والولادة عليها عسيرة، وفي بطنها ثلاثة أبناء سيكونون ملوكاً. فيقول رع لـإيزيس ونفتيس ومسخنت وحِقِت وخنوم: «اذهبن فولّدن رودجدت الأولاد الثلاثة الذين في بطنها، الذين سيتولّون هذا المنصب النافع في هذه الأرض كلّها، فيبنون معابدكم، ويملؤون موائدكم، ويكثرون قرابينكم». فتتنكّر المعبودات راقصاتٍ، وخنوم يحمل متاعهنّ، ويدخلن على المرأة ويغلقن الباب. فتقف إيزيس أمامها، ونفتيس خلفها، وتعجّل حقت الولادة، فينزلق الطفل إلى ذراعي إيزيس، طوله ذراع، عظامه قويّة، أعضاؤه مغشّاة بالذهب، فيغسلنه ويقطعن سرّته ويضعنه على وسادة من قماش. «ثم تقدّمت مسخنت إليه وقالت: ملك سيتولّى الملك في هذه الأرض كلّها»، ويعطي خنوم جسده العافية. ويتكرّر هذا ثلاث مرّات، لكلّ ولد.
فعمل مسخنت في القصّة أن تقول ما سيكون الطفل. إيزيس تتلقّاه، وحقت تعجّل خروجه، وخنوم يعطيه العافية، ومسخنت وحدها تنطق بقدره. ولهذا تظهر في صور «كتاب الموتى» عند الحساب: ففي صورة الفصل 125 من بردية تورينو هي بين المعبودات الواقفة أمام تحوت عند الميزان، وفي الفصل 142 تُذكر «المسخنات الأربع اللواتي في أبيدوس». وفي «نصوص الأهرام»، التعويذة 667، يقال للملك الميّت: «ارفع وجهك، وانظر إلى مسخنت أمّك، التي جعلت خروجك ممكناً».
والفكرة التي تدور عليها مسخنت أنّ موضع الولادة هو موضع القدر. فالطوبة التي تقعد عليها الأمّ هي التي يُقال عندها ما سيكون المولود، وهي نفسها التي تقف عند الميزان حين يُحاسب في آخر عمره. فالإنسان يبدأ عند مسخنت وينتهي عندها.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Msḫn.t «مِسْخِنِت»، وهو الكلمة msḫn.t «مِسْخِنِت» نفسها، ومعناها في المعجم المصري المقام، وموضع الولادة، وطوب الولادة. وتقرؤه المقالة المصرية في هذا المشروع من «مَسَكَ»، لأنّ القابلة تمسك الطفل، وتجعل هذه القراءة «راجحة جدّاً»، مع «خَنَّ» أي أنين الأمّ، أو «مَسَحَ». وحروف المقالة الثلاثة الأولى، الميم والسين والكاف، هي حروف الكلمة المصرية. والكلمة كلّها في العربية «مَسْكَن»: الميم ميم المكان، كما أنّ الميم في المصرية سابقة تصنع أسماء المكان، والباقي sḫn «سِخِن»، وهو في المصرية موضع الراحة، والفعل منه نزل واستقرّ. وفي معجم لين «سَكَنَ» سكن الشيء وهدأ بعد حركة، و«المَسْكَن» موضع النزول والإقامة والبيت. فمسخنت على هذه القراءة «المَسْكِنة»، الموضع الذي تسكن إليه المرأة وتلد عليه، والتاء تاء التأنيث.
الجذر اللغوي
المسكن
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Msḫn.t «مِسْخِنِت» | مسخنت، معبودة الولادة | معجم المصرية |
| msḫn.t «مِسْخِنِت» | المقام؛ موضع الولادة؛ طوب الولادة | معجم المصرية |
| msḫn «مِسْخِن» | مقام المعبودات | معجم المصرية |
| sḫn «سِخِن» | موضع الراحة، المستراح | معجم المصرية |
| sḫni «سِخْني» | نزل، هبط واستقرّ | معجم المصرية |
| سَكَنَ؛ مَسْكَن | سكن وهدأ بعد حركة؛ موضع النزول والإقامة | معجم لين |
| מִשְׁכָּן «مِشْكان» | المسكن، الخيمة المقدّسة | براون ودرايفر وبرِغز |
| مَسَكَ | أمسك | معجم لين |
تقول المقالة المصرية إنّ مسخنت معبودة الولادة والقدر، وتقرؤها من «مَسَكَ»، أي أمسك، فهي القابلة التي تمسك الطفل، وتجعل هذه القراءة «راجحة جدّاً»، ومعها «خَنَّ»، أنين الأمّ في الولادة، فتكون مسخنت «اللمسة والأنين». وتجعل في الدرجة الثانية «مَسَحَ»، بتبادل الحاء والخاء. وتذكرها المقالة الرومانية في مقارنات Lucina «لوكينا»، الرومانية التي تُخرج الطفل إلى النور، معبودةً للولادة تستقبل الأطفال.
وقراءة المقالة تصيب الحروف الثلاثة الأولى: الميم والسين، ثم الخاء المصرية في موضع الكاف. وتصيب صورة القابلة. ولكنّ المعجم المصري يجعل الميم سابقة، فأصل الكلمة sḫn «سِخِن»، والنون منه، وهي في قراءة «مسك» تحتاج كلمة ثانية هي «خنّ».
والقراءة المقترحة تقرأ الكلمة كلّها كلمة واحدة على وزن «مَفْعَل»: الميم ميم المكان، والسين سين، والخاء المصرية كاف، والنون نون، والتاء تاء التأنيث. والمعنى واحد في اللغتين: في المصرية sḫn «سِخِن» موضع الراحة وsḫn.t «سِخْنِت» سرير الراحة، والفعل نزل واستقرّ، وmsḫn «مِسْخِن» مقام المعبودات. وفي معجم لين «سَكَنَ» سكن الشيء وهدأ بعد حركة، و«المَسْكَن» موضع النزول والإقامة والسُّكنى، البيت أو الخيمة. وفي العبرية «مِشْكان» المسكن والخيمة المقدّسة، من «ش-ك-ن» بالشين. فطوبة الولادة «مسكن»، الموضع الذي تنزل عليه المرأة وتسكن إليه حتى تلد. وبهذا تلتقي القراءتان: «مسك» تقرأ ما تفعله القابلة، و«مسكن» تقرأ الموضع الذي يُفعل عليه ذلك، والحروف الثلاثة الأولى واحدة.
وحدّ القراءة أنّ الخاء المصرية تقف مكان الكاف العربية والعبرية، ولا نعرف بعدُ زوجاً آخر من المصرية والسامية يتقابل فيه الحرفان.
القراءة الرمزية
تقول مقالة إعادة القراءة المصرية إنّ المصريين لم يعبدوا الأشياء، وإنّما جعلوا صورها أدوات يشرحون بها حياتهم. وطوبة الولادة مثال واضح: أداة من طين يصنعها كلّ بيت، تصير معبودة لأنّ أخطر ساعة في حياة الأمّ والطفل تجري عليها. ولذلك رُسمت عليها حتحور، ورُسمت الأمّ على عرش، فالمرأة التي تلد على الطوبة تجلس في الصورة جلسة الملكة.
التوازيات عبر الحضارات
عند الإغريق المويرات يقسمن للإنسان نصيبه من الحياة يوم يولد، ويقول هوميروس إنّ مويرا غزلت لـهكتور خيطه «يوم ولدته» أمّه. وعند النورديين النورنات يأتين كلّ طفل يولد ليقدّرن حياته، كما يقول سنوري. ومسخنت مثلهنّ تقف عند المولود وتنطق بقدره، وتختلف عنهنّ في أنّها لا تغزل ولا تحفر على الخشب، وإنّما تتكلّم، وفي أنّها الطوبة نفسها التي يولد عليها.
وفي أوغاريت الكوثرات، الماهرات، معبودات الولادة اللواتي يولم لهنّ دانيال سبعة أيّام قبل أن يولد له ابن، وفي ذلك صفحة الكوثرات.
وفي مصر نفسها تقف مسخنت مع تاورت وبس عند سرير الوالدة، ومع شاي، المعبود الذي يقدّر عمر الإنسان، عند ميزان محاكمة الموتى.