ملخص
سُوبِك معبود التمساح عند المصريين، يُرسم رجلاً برأس تمساح، أو تمساحاً كاملاً. ولأنّ التماسيح كانت في نيل مصر كلّه عُبد في كلّ مكان، وكان في أكثر معابده بحيرة مقدّسة يعيش فيها تمساح أو أكثر. وأهمّ مراكز عبادته كوم أمبو في الصعيد، والفيوم، حيث كانت «مدينة التماسيح» قرب معبد مدينة الفيوم اليوم.
وقصّته قصّة الماء. كان المصريون يجعلون سوبك، صاحب مياه النيل، جالباً للفيضان، وفي «ترنيمة حابي» حين يأتي الفيضان «يكشّر سوبك، ابن نِيت، عن أسنانه»: يفرح التمساح بالماء الذي يرتفع كما يفرح الناس. وأمّه في المعتقد المصري نيت، سيّدة سايس، وكانت نيت منذ الدولة القديمة تُعدّ قرينة ست. ولأنّ الفيوم كانت قلب عبادته، اقترن اسمه بالملك في الدولة الوسطى، ثم برع نفسه، فصار «سوبك رع». وفي العصر البطلمي عُدّ وجهاً لمعبودات كثيرة حتى صار معبوداً جامعاً.
وفي كوم أمبو بنى البطالمة معبداً مزدوجاً: بابان ومحوران ومقصورتان، نصفه لسوبك مع حتحور وخونسو، ونصفه لحورس الكبير. وكانت المواكب تخرج من المعبد إلى المقبرة التي دُفنت فيها «المعبودات الموتى»: رع وجب وأوزيريس، وكلّهم عُدّوا هناك وجوهاً لسوبك. وكان في المعبد «حجرة الفيضان».
وعرف هيرودوت التمساح وعبادته. يقول إنّ بعض المصريين يقدّسونه وبعضهم يعاديه: فأهل طيبة وما حول بحيرة موريس، أي الفيوم، يربّون تمساحاً مروَّضاً، يعلّقون في أذنيه حلياً من زجاج وذهب، ويضعون في يديه أساور، ويطعمونه طعاماً خاصّاً، فإذا مات حنّطوه ودفنوه في تابوت مقدّس، أمّا أهل إلفنتين فيأكلونه. ويقول إنّ تحت «اللابيرنث» قرب «مدينة التماسيح» حجرات لا يُريها الحرّاس أحداً، فيها قبور الملوك الذين بنوه وقبور التماسيح المقدّسة.
والفكرة التي تدور عليها عبادة سوبك أنّ ما يأتي به النهر يأتي معاً: الماء والطمي والتمساح. فالتمساح يظهر حين يرتفع الماء، ويأكل الناس والبهائم، وهو في الوقت نفسه علامة الفيضان الذي يُشبع البلد. وقد كرّمه أهل الفيوم، وأكله أهل إلفنتين عند الجندل، كما يقول هيرودوت. وفي قصّة «الأمير المقضيّ عليه» تقضي الحتحورات السبع بأن يموت ابن الملك بالتمساح أو بالحيّة أو بالكلب، فيتبعه التمساح من مصر إلى البلد الغريب، ويقول له: «أنا قدرك الذي تبعك».
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Sbk «سِبِك»: سين، ثم باء، ثم كاف. ويقرؤه المقال المصري في هذا المشروع من «سَبَك»، ويقول إنّ معناه «انسكب»، فسوبك الماء الذي ينسكب. والحروف الثلاثة هي حروف «سبك» العربية على ترتيبها. وفي معجم لين: سبك الذهب أو الفضّة أذابه ونقّاه من خبثه وأفرغه في قالب، و«السبيكة» القطعة المسبوكة، و«سبكته التجارب» اختبرته. فالجذر يجمع الإذابة والإفراغ في قالب، وهو ما يفعله الفيضان حين يصبّ الماء والطمي في أحواض الحقول. وفي المعجم المصري فعل من الحروف نفسها مع ألف في آخره: sbkꜣ «سِبْكَا»، أي جعلها حاملاً.
الجذر اللغوي
«سَبَك»
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Sbk «سِبِك» | سوبك، اسم المعبود | معجم المصرية |
| Sbk-Rꜥw «سِبِك رَعُو» | سوبك رع | معجم المصرية |
| sbkꜣ «سِبْكَا» | جعلها حاملاً، تعدية bkꜣ «بِكَا» | معجم المصرية، حملت |
| mzḥ «مِسِح» | التمساح | معجم المصرية |
| Nby.t «نُبِيت» | كوم أمبو | معجم المصرية |
| Ḥw.t-nṯr-Sbk «حُوت نِتِر سِبِك» | «معبد سوبك»، مدينة التماسيح | معجم المصرية |
يقدّم المقال المصري قراءتين: «سبح» أوّلاً، لأنّ التمساح يسبح في الماء، ثم «سبك» بمعنى «انسكب»، ويعطيهما معاً درجة «متوسّطة». و«سبك» تحفظ الحروف الثلاثة كما هي: السين سين، والباء باء، والكاف كاف. أمّا «سبح» فتضع الحاء مكان الكاف، وليس بين الكاف المصرية والحاء العربية مقابلة مطّردة، فالكاف المصرية تبقى كافاً في العادة. ولذلك تقود «سبك» هنا.
والمعنى الذي في معجم لين ليس «انسكب» تماماً كما كتب المقال، وإنّما الإذابة والتنقية والإفراغ في القالب: «سبك الذهبَ» أذابه وأفرغه في «المِسْبَكة»، وهي قالب من حديد كنصف قصبة مشقوقة، و«السبيكة» القطعة المستطيلة التي تخرج منه، و«السبّاك» الذي يفعل ذلك. ويروي لين أنّ أعرابياً شبّه جبلاً أملس صعب المرتقى بالسبيكة. والإفراغ في القالب هو ما يُحمل عليه الفيضان في هذه القراءة: ماء وطمي يُصبّان في أحواض الحقول فيأخذان شكلها. والفعل المصري sbkꜣ «سِبْكَا»، جعلها حاملاً، يحمل الحروف نفسها ومعه ألف، ولا يقول المعجم المصري إنّ اسم سوبك مشتقّ منه، لكنّه يضع في هذه الحروف الخصب الذي ينسبه متحف المتروبوليتان إلى سوبك. فالقراءة تامّة في الحروف، وموضع البحث فيها هو المعنى: «سبك» في المعاجم صنعة معدن، وربطها بالماء من عمل هذه القراءة.
التمساح والتِّمْساح
وفي العربية كلمة مصرية الأصل تخصّ حيوان سوبك. فالمصريون يسمّون التمساح mzḥ «مِسِح»، ويقول هيرودوت إنّ المصريين لا يسمّونه «كروكوديل» وإنّما «خَمْسا»، ويذكر شارحه أنّ الكلمة المصرية بقيت في العربية «تِمْساح»، بأداة التأنيث المصرية في أوّلها. وفي معجم لين «التِّمساح» و«التِّمْسَح» حيوان معروف في نيل مصر وفي نهر مهران بالسند، يخطف الناس والبقر ويغوص بهم في الماء فيأكلهم.
السرديات الأسطورية الرئيسة
سيّد باخو
في نصوص الأهرام يُذكر «سوبك سيّد باخو»، وفي فصل المحاكمة من «كتاب الخروج إلى النهار» يُسأل الميت عن أسماء أجزاء الباب، فيقول إنّ اسم أحدها «عين سوبك سيّد باخو». وباخو الجبل الذي في الشرق: في لوحة المجاعة يهب الملك لخنوم الأرض من مانو حدّاً غربياً إلى باخو حدّاً شرقياً.
حورس فوق التماسيح
وعلى اللوحات السحرية من العصر المتأخّر يقف حورس الطفل فوق تمساحين ويمسك في يديه الحيّات والعقارب وظبياً وأسداً، وفوق رأسه وجه بِس. فالتمساح هنا من الحيوانات المؤذية التي يغلبها الطفل، وكان الناس يصبّون الماء على هذه اللوحات ثم يشربونه طلباً للشفاء من اللدغ.
التمساح في الحكمة
وفي تعاليم أمنموبي يُوصف الرجل الحادّ الطبع الذي يغرق في الماء والتماسيح حوله شرسة، ويُوصف الرجل الصامت بأنّه «التمساح الذي لا يُصدر صوتاً». وفي أغنية حبّ يعبر العاشق النهر في الفيضان إلى حبيبته، و«التمساح ينتظر في الضحضاح»، فيصير له التمساح كالفأر.
القراءة الرمزية
يقول مقال إعادة القراءة المصري إنّ المصريين لم يكونوا «يعبدون حيوانات»، وإنّما استعملوا صور الحيوان أدواتٍ يشرحون بها الكون، كما نستعمل نحن الرموز الرياضية، ويجعل النيل محور الأساطير كلّها.
وعبادة سوبك تُظهر ذلك في حياة الناس. فالتمساح خطر يوميّ على من يملأ الجرّة ويسقي البهيمة ويعبر النهر، وتكريمه في الفيوم جعل الخطر شيئاً معروفاً مسمّى، يُطعم في بحيرة المعبد ويُزيَّن ويُدفن. وأهل إلفنتين الذين يأكلونه يعيشون عند الجندل، وأهل الفيوم الذين يكرّمونه يعيشون على بحيرة، ولا يذكر هيرودوت سبب هذا الاختلاف. وحين صار سوبك «سوبك رع» صار الحيوان الذي يخرج من الماء صورة للشمس التي تخرج منه كلّ صباح.
التوازيات عبر الحضارات
يُعبد سوبك جالباً للفيضان مع حابي، فيدخل في السنة الزراعية المصرية: الماء الذي يرتفع يأتي معه التمساح، ويُعرف به موسم الفيضان. وفي الهند حيوان بحري اسمه makara «مَكَرَ»، يُخلط أحياناً بالتمساح، وهو شعار كاما، معبود الرغبة، كما يقول معجم مونير وليامز؛ وسوبك عند المصريين معبود الخصب، فيلتقي الاثنان في حيوان الماء الذي يُقرن بالإخصاب.