أبوفيس

ملخص

أَبُوفِيس، واسمه في المصرية Ꜥꜣpp «عَاپِپ»، حيّة عظيمة هي أكبر أعداء رع. لا تحكي النصوص مولده ولا تجعله ملكاً ينازع رع ملكه، وإنّما تجعله الخطر الذي يعترض مركب الشمس كلّ يوم ليوقفه. ولم يُعبد أبوفيس، وإنّما كان يُلعن ويُحرق في صورته كلّ يوم.

وقصّته قصّة الليل. يدخل رع عند الغروب إلى العالم السفلي في مركبه، ويسير على نهر يجري في وسط الأرض كما يجري النيل في مصر، وفي الساعة السابعة من «الأَمْدُوَات»، كتاب «ما في العالم السفلي»، يلقاه أبوفيس رابضاً على ضفّته الرملية يريد أن يُجنح المركب عليها. وفي نصوص أخرى يبتلع أبوفيس ماء النهر كلّه حتى يجنح المركب، فيُكره بالسحر على أن يقيئه. وفي الساعة السابعة يلتفّ الثعبان مِحِن حول رع يحميه، وتمدّ إيزيس ذراعيها نحو أبوفيس وتسحره، ويقف معها ست، وتلقي المعبودات الأخرى على أبوفيس السلاسل والحبال وتقطّعه بالسكاكين.

وفي نصوص أخرى يحارب ست أبوفيس بيده. ففي «نزاع حورس وست» يقول ست أمام المجلس: «أنا أقتل عدوّ رع كلّ يوم، واقفاً في مقدّمة مركب الملايين، ولا يقدر على ذلك معبود غيري». وفي «كتاب الموتى» صورة لقطّ، وهو هيئة من هيئات رع، يجلس تحت شجرة في الأفق الشرقي ويقطع رأس الحيّة. ثم يرجع أبوفيس في الليلة التالية، فلا يموت موتاً لا رجعة بعده.

وكان الناس يشاركون في هذه الحرب. في بردية نِسْمِين، كاهن آمون رع في طيبة، المؤرّخة سنة 305 ق.م، «كتاب إسقاط أبوفيس» في الأعمدة 22–32، ثم «أسماء أبوفيس» في العمودين 32–33. ويقول الكتاب إنّه يُتلى كلّ يوم في معبد آمون رع بالكرنك: رقية للبصق على أبوفيس، ورقية لدوسه بالقدم اليسرى، ورقية لأخذ الحربة، ورقية لتقييده، ورقية للسكّين، ورقية للنار. ويُرسم أبوفيس بحبر أخضر على ورقة بردي جديدة، ويُصنع له تمثال من شمع يُكتب عليه اسمه بالحبر الأخضر، ثم يُلقى في النار أمام رع حين يظهر في الصباح والظهيرة وحين يغرب في المساء. وفي الكتاب نفسه رواية الخلق التي يقول فيها ربّ كلّ شيء: «أنا الذي صرت في صورة خبري»، تحت عنوان «كتاب معرفة تكوّنات رع وإسقاط أبوفيس»، فبدء الخلق وإسقاط الحيّة يُتليان معاً. وفي المجموعة الملكية البريطانية «أمدوات» فيه الساعة السابعة نفسها، دُفن مع كاهن اسمه نسمين، له اللقب نفسه واسم الأمّ نفسه.

والفكرة التي تدور عليها قصّة أبوفيس أنّ النظام لا يُكسب مرّة واحدة، وإنّما يُحرس كلّ ليلة. فالخطر عند المصريين ليس ملكاً منافساً، وإنّما قوّة تريد أن توقف الشمس عن مسيرها بأن تشرب النهر الذي تسير عليه. ولذلك يحتاج رع كلّ ليلة إلى سحر إيزيس وحربة ست وسكاكين المعبودات، ويحتاج الملك كلّ يوم إلى كاهن يبصق على صورة الحيّة ويحرقها. ويقرأ المقال المصري في هذا المشروع أبوفيس الظلامَ الذي يحاول أن يبتلع الشمس كلّ ليلة.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Ꜥꜣpp «عَاپِپ»، بعين ثم علامة ꜣ «أ» ثم پاءين، وتكتبه الديموطيقية ꜥpp «عَپِپ» بلا تلك العلامة، وصار في القبطية ⲁⲫⲱⲫ «أَفُوف»، وهي كلمة القبط للعملاق. والعين المصرية عين عربية، كما في اسم رع، والپاء المصرية باء عربية، كما في اسم خبري، فيبقى «عبّ» العربية بعينها وبائها المضعّفة. وفي معجم لين: «عَبَّ» شرب الماء بلا نفَس، وابتلعه متتابعاً دون انقطاع، و«العُباب» معظم السيل وارتفاعه وكثرته وموجه، و«عبّ البحر» ارتفع وكثر موجه، و«العَبْعاب» الرجل الطويل، و«اليَعْبوب» النهر الشديد الجري. فأبوفيس على هذه القراءة «العَبّاب»: الذي يعبّ الماء عبّاً، والعظيم الطويل كالعُباب. وهذا ما تجعله القصّة: حيّة تبتلع ماء النهر حتى يجنح مركب الشمس، وعملاق في لغة أحفاد المصريين.

الجذر اللغوي

«العَبّاب»

الصيغة القراءة الشاهد
Ꜥꜣpp «عَاپِپ» المصرية الهيروغليفية: عين، ꜣ «أ»، پاء، پاء معجم المصرية
ꜥpp «عَپِپ» الديموطيقية، بلا ꜣ «أ» المعجم القبطي
ⲁⲫⲱⲫ «أَفُوف»، ⲁⲫⲟⲫⲓ «أَفُوفِي» القبطية البحيرية: العملاق المعجم القبطي
Ἄποφις / Apophis «أَپُوفِيس» الصيغة اليونانية، وبها اشتهر

يقرّب المتحف المصري العالمي معنى الاسم من «العملاق» أو «الحيّة العملاقة»، والقبطية تشهد لذلك: في التوراة القبطية البحيرية يُسمّى نمرود «الصيّاد العملاق» بهذه الكلمة، ويُسمّى بها الجبابرة الذين سقطوا في الزمن القديم في سفر حزقيال.

والمقابلة بـ«عبّ» تحفظ العين في موضعها، وتجعل الپاءين المصريتين باءين، وهما في العربية باء مضعّفة. والصيغة الديموطيقية ꜥpp «عَپِپ» هي «عبّ» حرفاً بحرف. أمّا العلامة ꜣ «أ» في الكتابة الهيروغليفية فلا مقابل لها في «عبّ»، كما لا مقابل لها في «مع» في اسم ماعت، وهي موضع البحث الباقي في القراءة. ويجمع معنى «عبّ» في معجم لين صورتي القصّة: شرب الماء دفعة واحدة، والطول والكثرة.

قراءات أخرى في المقال

يكتب المقال المصري في هذا المشروع نطق الاسم المصري /ʕɑpɑp/ «عَپَپ» بعين في أوّله، ثم يقرؤه من «أبّ» بالهمزة، أي ما ينمو نموّاً وحشياً، ومن «أب» بمعنى الخراب، ويقارن العبرية אבד «أَبَد»، أي هلك. وفي قسم التعميق يجعل الأقوى «أفّ»، كلمة الكراهة والنفور، فأبوفيس «روح الكراهية الأبدية لنور رع»، أو «هبّ»، الريح العاصفة. والجذر المضعّف الذي يقترحه المقال هو جذرنا نفسه، فإذا وضعنا العين التي يكتبها المقال في نطقه مكان الهمزة صار «أبّ» «عبّ». وفي «عبّ» النبات أيضاً: «عبّ النبتُ» طال، فيلتقي بمعنى النموّ الذي يذكره المقال. أمّا «أفّ» و«هبّ» فتضعان الهمزة والهاء مكان العين المصرية، و«أبد» العبرية فيها دال لا مقابل لها.

السرديات الأسطورية الرئيسة

ما يفعله الكتاب بأبوفيس

يسمّي كتاب نسمين أبوفيس «المتمرّد» و«السلحفاة» و«سيّئ النيّة»، ويخاطبه بأنّه لا ذراعين له ولا رجلين، ويأمره أن ينقلب على وجهه في بحيرة نون. ويجعل نار عين حورس تأكله، ويضع فيه النار من الجهات الأربع، فيأمر بها في الجنوب الشِّعرى وعَنُقِت، رفيقة خنوم في إلفنتين، وفي الشمال وادجت، وفي الغرب حا، وفي الشرق سوبد. ويُكتب مع اسم أبوفيس في الشمع أسماء أعداء الملك من الأحياء والموتى، فيُحرقون معه. كتاب إسقاط أبوفيس. وفي نصّ متأخّر تُتلى سبعة وسبعون رقية على موضع إعدامه لتُسلَّم روحه إلى النار وجثّته إلى لهب سخمت. معجم المصرية، أبوفيس، الشواهد.

من يحارب

يتغيّر المحارب بتغيّر النصّ. في الأمدوات تسحره إيزيس ويقف معها ست؛ وفي «نزاع حورس وست» يقتله ست في مقدّمة المركب؛ وفي كتاب نسمين يأخذ حورس «حربته الحديدية» ويضرب رؤوس أعداء رع؛ وفي «كتاب الموتى» يقطع القطّ رأسه. وكانت طقوس مثل طقوس الكرنك تُقام في معابد أخرى، منها إدفو.

القراءة الرمزية

يقرأ المقال المصري في هذا المشروع رحلة رع وصفاً لمسير الشمس، ويجعل أبوفيس الظلام الذي يحاول أن يبتلع الشمس كلّ ليلة، وانتصار رع كلّ فجر الشروق نفسه. ويقارن المقال الآخر، في قسم التعميق، بين هجوم أبوفيس وقوله تعالى «يُغشي الليلَ النهارَ يطلبه حثيثاً».

ويشبّه المتحف المصري العالمي التفافات أبوفيس بالضفاف الرملية في الماء، وعليها يريد أن يجنح المركب. ومن يعرف النيل يعرف هذا الخطر: المركب الذي يجنح على ضفّة رملية حين ينحسر الماء. فالصورة المصرية للظلام مأخوذة من حياة الملّاح، والحرب على الحيّة حرب على شيء يمنع الماء أن يحمل السفينة. وهذا تفسير للصورة، لا خبر في النصّ.

التوازيات عبر الحضارات

يعترض أبوفيس مركب الشمس كما تعترض الحيّات والتنانين نظام العالم في قتال الآلهة للبحر والتنين، لكنّ هزيمته لا تبني قصراً ولا تصنع سماءً كما في قصص بعل ومردوخ، وإنّما تتكرّر كلّ ليلة. ويقارن المقال الكنعاني في هذا المشروع بينه وبين لوتان، الحيّة الملتوية التي ضربها بعل، ويقارنه المقال النوردي بـيورمونغاندر، حيّة العالم، وبـنيدهوغ الذي يقرض جذر الشجرة والنورنات تسقيها كلّ يوم. وأقرب هذه إلى عمل أبوفيس فريترا «ڤْرِتْرا» في «ريغفيدا» 1.32، الحيّة التي حبست المياه فضربها إندرا فجرت إلى البحر: كلاهما يمنع الماء عن مجراه.

ورحلة رع التي يعترضها أبوفيس في الساعة السابعة هي النزول الذي يتكرّر كلّ ليلة في النزول إلى العالم السفلي. المتحف المصري العالمي، الأمدوات.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. المتحف المصري العالمي: أبوفيس، الأمدوات.

  2. المتحف البريطاني، بردية نسمين، EA10188,8 «إي إيه 10188، 8»، وكتاب إسقاط أبوفيس، ترجمة فوكنر.

  3. المجموعة الملكية البريطانية، الساعة السابعة من الأمدوات، RCIN 1145260 «آر سي آي إن 1145260».

  4. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 2، نزاع حورس وست، ص 216.

  5. معجم المصرية، أبوفيس، المعجم القبطي، العملاق، معجم لين، عبب.

  6. الأعراف 54
  7. ريغفيدا 1.32