ملخص
حُورَس هو الابن الذي ورث ملك أبيه أوزيريس في أساطير مصر، ويظهر في صورة صقر، وكان كلّ ملك مصري يحمل اسمه لقباً. وقصّته قصّة ابنٍ قُتل أبوه. قتل ست أخاه أوزيريس طمعاً في ملكه، فبحثت إيزيس زوجة أوزيريس عن جسده حتى جمعته، وربّت ابنها حورس بعيداً عن عمّه. وأتمّ رواية متّصلة لمقتل أوزيريس وجمع جسده نجدها عند الكاتب اليوناني بْلُوتَارْخ في العصر الروماني، أمّا النصوص المصرية فتذكر القتل والثأر في عبارات متفرّقة.
فلمّا كبر حورس طلب حقّه. تقول متون الأَهْرَام، وهي أقدم نصوص دينية مصرية مكتوبة، مخاطبةً أوزيريس: ابنك حورس ضرب عدوّك، وانتزع عينه منه وأعطاها لك. ثم تروي بردية «النزاع بين حورس وست» «حُورَس وسِت» خصومة طويلة أمام مجلس الآلهة: يطالب حورس بمنصب أبيه، ويحتجّ ست بأنّه الأقوى، وتتوالى بينهما المباريات. وتستدرج إيزيس ست بقصّة أرملة يريد غريب أن يأخذ ماشية ابنها، فيحكم ست بأنّ المال للابن، فيدين نفسه بلسانه. وينزع ست عيني حورس فتعيد إليه حَتْحُور البصر. وفي الختام يكتب أوزيريس من عالم الموتى مؤيّداً ابنه، فيُتوَّج حورس ملكاً.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الملك يورث بالحقّ ولا يؤخذ بالقوّة. فست أقوى من حورس الصغير، لكنّ المجلس يسأل في النهاية: من ابن الملك؟ وقد صار أوزيريس ملكاً على الموتى، وصار ابنه الحيّ ملكاً على الأحياء. ولذلك كان الفرعون يُكتب اسمه تحت صقر حورس منذ الأسرة الأولى: كلّ ملك جديد هو حورس الذي ورث أباه، وكلّ ملك ميت صار أوزيريس. ومتون الأهرام نفسها تخاطب الملك الميت باسم «أوزيريس فلان».
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Ḥr.w «حُر»، بحاء وراء وواو، ولا تكتب الحركات. أمّا السين في Horus «حُورُس» فلاحقة يونانية زيدت حين انتقل الاسم إلى اليونانية. فإذا رفعناها بقي «حُر»، وهو «الحُرّ» العربي. ولهذه الكلمة في لسان العرب معنيان يجتمعان في حورس: الحُرّ هو الصقر، والحُرّ هو خلاف العبد، أي الكريم الأصل الذي لا يملكه أحد. فحورس هو الصقر الذي يُرسم فوق اسم الملك، وهو الابن الحرّ الشرعي الذي ورث العرش، وهذا بالضبط ما تجعله القصّة.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تثبته |
|---|---|---|
| Ḥr.w «حُر» (ح-ر-و في النقل العلمي) | حُور تقريباً | الرسم المصري، كثيراً ما تصحبه علامة الصقر 𓅃، ولا يكتب الحركات. معجم المصرية |
| Ḥr.w-zꜣ-Ꜣs.t «حُر-سا-إِسِت» | Harsiese «حَرْسِيِسِ» | «حورس ابن إيزيس». المدخل |
| Harpocrates «هَارْپُوكْرَاتِس» | نقل يوناني لاسم «حورس الطفل»، لا شخصية يونانية جديدة. غاردينر، ص 16، الحاشية 2 | |
| Ὧρος / Horos «حُورُوس»، Horus «حُورُس» | الصيغة اليونانية واللاتينية، والسين فيها لاحقة إعراب. |
وفي لسان العرب: «والحُرُّ: الصقر، وقيل: هو طائر نحوه، وليس به»، وفيه أيضاً الحُرّ خلاف العبد، والحُرّة الكريمة. فالمعنيان في مادة واحدة: الطائر الجارح، والكرم والحرّية. وتلتقي الحاء والراء في الاسمين التقاءً تامّاً، لأنّ المصرية تملك الحاء نفسها، فلا تحتاج المقابلة إلى تحويل صوتي. أمّا الواو المكتوبة بعد الراء في Ḥr.w فلا تفسّرها «الحُرّ»، وهي موضع البحث الباقي في هذه القراءة.
ويقدّم المقال المصري في هذا المشروع قراءة ثانية هي «حَرَس»، أي حفظ، ويعطيها في جدوله أعلى درجة، لأنّ حورس حامٍ لأبيه وللملك. والمعنى موافق، وفي لسان العرب «حَرَسَ الشيءَ يحرسه حَرْساً: حفظه». غير أنّ السين التي تقوم عليها هذه القراءة هي اللاحقة اليونانية نفسها، وليست في الرسم المصري، فالقراءة مبنيّة على الصيغة اليونانية لا على الاسم المصري. ويقارن المقال كذلك «حار» و«حَوَر»، وفيهما الواو قبل الراء لا بعدها. وفي المصرية لفظ ḥr «حَر» بمعنى «على» أو «فوق»، وهو يناسب الصقر العالي، لكنّه وحده لا يكفي لاشتقاق الاسم.
السياق التاريخي
يقف صقر حورس فوق اسم الملك جِت من الأسرة الأولى على قطعة متحف بتري «پِتْرِي» UC 16175 «يو سي 16175». يقع الاسم في إطار واجهة قصر يسمى «السِّرِخ»، فيشهد منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد على صلة حورس بالملك. وفي الأسرة الثانية جمع خَعْ سِخِمْوِي صقر حورس وحيوان ست فوق اسمه على القطعة UC 11753 «يو سي 11753»، فالعلاقة بينهما لم تكن خصومة عائلية في كل شاهد؛ دخل الاثنان أيضاً في حماية الملك.
أما بردية تْشِسْتَر بِيتِي الأولى، من الأسرة العشرين نحو القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فتحفظ قصة النزاع الطويل على منصب أوزيريس. ومعبد حورس القائم في إدفو، على الضفة الغربية للنيل في الصعيد، بُني بين 237 و57 ق.م. وفي عبادة إدفو كانت حتحور قرينته، وحَرْسَمْتاوي ابنهما، واسمه «حورس موحد الأرضين».
وتسمي تجهيزات الدفن إمستي وحابي ودواموتف وقبح سنوف «أبناء حورس الأربعة»، حماة الأعضاء الداخلية. هذه قائمة جنائزية، لا أبناء مأخوذون من بردية النزاع.
السرديات الأسطورية الرئيسة
وفي بردية النزاع تفاصيل أخرى. تقضي نِيت أوّل الأمر بأنّ المنصب للابن وأن يعوَّض ست، ويحتجّ ست بأنّه يدافع عن مركب رع كلّ يوم، وهي وظيفة شمسية أخرى لا تمحو خصومته في قضيّة الأسرة. ويتحوّل الخصمان إلى فرسي نهر، فترمي إيزيس حربة تصيب حورس ثم ست وتطلقهما، فيغضب حورس ويقطع رأس أمّه. وحين ينزع ست عينيه تنبت منهما زهرتا لوتس، وتعيد حتحور البصر بلبن غزالة؛ وفي هذه النسخة تعالج حتحور العينين لا تحوت، وإصلاح تحوت للعين محفوظ في شواهد أخرى.
ثم يحاول ست أن يجعل إخضاع حورس جنسياً حجّة أمام المجلس، فتساعد إيزيس ابنها على قلب الحيلة ويفحص تحوت الدعوى. ويصنع حورس مركباً من الأرز يكسوه بالجبس ليبدو حجرياً، بينما يغرق مركب ست الحجري. وبعد التتويج يبقى ست مع رع ويكون له صوت الرعد في السماء.
وعلى لوحة مِتِرْنِيخ، من عهد نختنبو الثاني «نِخْتَنِبُو» 360–343 ق.م.، يقف حورس طفلاً فوق تمساحين ويمسك حيوانات مؤذية. تروي الكتابة نجاته من السمّ، وكان الماء يُصبّ على النصوص والصور ثم يُشرب طلباً للشفاء.
القراءة الرمزية
تجعل حكاية الأرملة الميراث مسألة معيشة: الماشية مال الأسرة، والابن معرّض لفقد قوته بعد موت أبيه. وعندما يستعطف ست إيزيس بوصفه أخاها يظهر ثقل القرابة من جهتين: حقّ ابنها وواجبها نحو أخيها.
وفي لوحة مترنيخ تمنح نجاة حورس المريض مثالاً سابقاً للنجاة، ويصبح الماء الذي مرّ على الصورة والكلمات جزءاً من العلاج. وتقرأ المقالة المصرية الابن جيلاً جديداً بعد موت الأب، وهذا ينطبق على تعاقب أوزيريس وحورس.
التوازيات عبر الحضارات
تقرب حيلة إيزيس قصّة الخصمين في سورة ص 21–26. يعرض أحدهما رجلاً له نعجة واحدة وآخر له تسع وتسعون يريد ضمّها إليه، فيحكم داود بظلم الطلب. تجعل المواشي الاستيلاء والإنصاف مفهومين في الخبرين، لكنّ إيزيس تصنع قضيّة تستدرج ست إلى إدانة دعواه، بينما يقود حكم داود إلى التنبّه والإنابة.