ملخص
تِشْتْرِيا هو نجم الشِّعرى في الأفستا «أَڤِسْتا»، كتاب الزرادشتيين، وهو النجم الذي يأتي بالمطر، وله النشيد الثامن من أناشيد التسبيح المسمّاة «يَشْت». يصفه النشيد بأنّه «بذرة المياه»، أبيض لامع يُرى من بعيد، ويقول إنّ أهورا مزدا جعله سيّداً ورقيباً على النجوم كلّها كما جعل زرادشت سيّداً على الناس. وينقل المؤرّخ اليوناني بلوتارخ عن الفرس أنّ Oromazes «أُورُومازِس»، أي أهورا مزدا، زيّن السماء بالنجوم وأقام واحداً منها قبل سائرها حارساً ورقيباً، وهو نجم الكلب، أي الشعرى.
وكان الناس والقطعان ينتظرون طلوعه ويقولون: متى نراه يطلع؟ متى تجري الينابيع بموج غليظ كجسد الفرس؟ فإذا طلع طار نحو بحر ڤوروكَشا «وُورُوكَشا» سريعاً كالسهم الذي رماه الرامي إِرِخْشا من جبل إلى جبل، وأعانه أهورا مزدا والمياه والنبات، وفتح له ميثرا طريقاً واسعاً. ثم ظهر للناس عشر ليالٍ في صورة فتى في الخامسة عشرة، وعشراً في صورة ثور ذهبي القرنين، وعشراً في صورة فرس أبيض ذهبي الأذنين، وفي كلّ صورة ينادي: من يقرّب لي الهَوْم واللحم فأعطيه أبناءً وبقراً وخيلاً؟
ثم نزل إلى البحر فرساً أبيض، فخرج إليه الشيطان أَپَوْشا فرساً أسود، أسود الأذنين والظهر والذنب، عليه وسم الرعب. فتلاقيا حافراً بحافر ثلاثة أيام بلياليها، فغلبه أپوشا، وفرّ تشتريا عن البحر مسافة ميل يصيح: ويلي يا أهورا مزدا، الناس لا يقرّبون لي باسمي كما يقرّبون لغيري بأسمائهم، ولو فعلوا لأخذت قوّة عشرة خيول وعشرة جمال وعشرة ثيران وعشرة جبال وعشرة أنهار. فقرّب له أهورا مزدا نفسه القربان باسمه وأعطاه هذه القوّة. فنزل ثانية، وتقاتلا حتى الظهيرة، فغلب تشتريا وصاح: البشرى للمياه والنبات والأرض، ستجري حياة المياه بلا مانع إلى حقول الحبّ الكبير ومراعي الحبّ الصغير. ثم جعل البحر يغلي من شطوطه إلى وسطه، وطلع منه، فارتفع البخار فوق جبل في وسط البحر وصار سحاباً تسوقه الريح، فنزل المطر والبَرَد على أقاليم الأرض السبعة، وقسم أَپام نَپات، «ابن المياه»، الماء بين البلاد.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ المطر لا يأتي من النجم وحده. يطلع النجم في موعده، لكنّه يُهزم في المرّة الأولى لأنّ الناس لم يقرّبوا له باسمه، ولا يغلب إلّا بعد القربان. فالماء محبوس في البحر، والجفاف فرس أسود يقف دونه، والقربان جزء من الطريق الذي ينزل به الماء إلى الحقول. ويتّصل بالقصّة من يعين على المطر ومن يمنعه: ميثرا الذي يفتح الطريق، والهوم الذي تسير السحب في طرقه، وأنجرا ماينيو الذي رمى النجوم الهاوية في السماء ليوقف النجوم التي تحمل بذرة المياه.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقالتان الفارسيتان لا تذكرانه. ينتهي Tištriia «تِشْتْرِيَ» بلاحقة نسبة أفستية، فإذا حذفناها بقي «تِشْتْر». والتاء في أوّله بقيّة العدد ثلاثة عند علماء الإيرانيات، فالاسم عندهم «صاحب النجوم الثلاثة». يبقى «شْتْر»، وهو في العربية «الشِّعْرى»، اسم هذا النجم نفسه عند العرب: الشين شين، والراء راء، والتاء في موضع العين، وتقابل العينَ التاءُ بين اللسانين كما في «سَبْع» وseptem «سِبْتِم». وفي معجم لين أنّ الشعرى نجم مضيء يطلع في شدّة الحرّ، وأنّ العرب قالت: «رعينا شِعْرِيَّ المراعي»، أي رعينا الكلأ الذي نبت بنوء الشعرى. فتشتريا على هذه القراءة هو الشعرى، النجم الذي يُنتظر طلوعه ليأتي بعده الماء والكلأ، وهو ما يجعله النشيد: نجم يسأل الناس عند طلوعه متى تجري الينابيع.
الجذر اللغوي
الصيغ المشهودة
| الصيغة | الموضع |
|---|---|
| تِشْتْرِيَ | الأفستية، تشتر يشت |
| تِشْتَر | الفارسية الوسطى، البندهشن |
| تِشْتَر، تير | الفارسية الحديثة، واسم الشهر الرابع |
| تِشْيَ | الڤيدا الهندية، مقارنة |
| الشِّعْرى | العربية، اسم النجم نفسه |
يحلّل علماء الإيرانيات Tištriia «تِشْتْرِيَ»، بعد فورسمان، إلى أصل هندي إيراني معناه «الذي ينتسب إلى النجوم الثلاثة»، وهي نجوم حزام الجبّار التي تصطفّ في السماء نحو الشعرى. وفي الڤيدا تُرى هذه النجوم الثلاثة سهماً يرميه Tiṣya «تِشْيَ» أو رودرا، وفي إيران يطير تشتريا نفسه كالسهم. وكان اسم الشعرى في السومرية KAK.SI.SÁ «كاك سي سا»، أي السهم، وفي الأكدية šukūdu «شُكُودُو»، السهم أيضاً.
الشِّعرى
في معجم لين: «الشِّعرى نجم مضيء يطلع بعد الجوزاء في شدّة الحرّ»، و«إذا طلعت الشعرى جعل صاحب النخل يرى»، أي يرى ما سيكون من ثمره. والشعريان اثنتان: الشعرى العَبور، وهي التي عبرت المجرّة وعبدها قوم من العرب، ومنها في القرآن «وأنّه هو ربّ الشعرى»، والشعرى الغُمَيصاء، وقالت العرب إنّها بكت أختها حتى غمصت عينها.
والمقابلة تحذف اللاحقة الأفستية، وتترك التاء الأولى للعدد، فلا يبقى إلّا الشين والتاء والراء، تقابلها في العربية الشين والعين والراء. والعين تُحذف كثيراً بين اللسانين، وقد تقابلها التاء كما في «سَبْع» وsept- «سِبْتْ». والشين الأفستية هنا سين في الأصل، صارت شيناً بعد الياء كما تصير في الإيرانية، والسين والشين في مجموعة واحدة في قوانين مشروع جذور.
عَثْتَر
وفي «شْتْر» صدى ثانٍ. فالجزء نفسه هو لفظ النجم في التحليل الهندي الأوروبي، وتقرأ صفحة عشتار اسم الإلهة البابلية Ištar «إِشْتَر» بـ«عَثْتَر»، نجم الزهرة عند عرب الجنوب، بعد سقوط العين وانقلاب الثاء شيناً، فتلتقي حروفها بحروف «شْتْر» في تشتريا حرفاً بحرف. فالاسمان اسما نجمين، ويبقى «الشعرى» أقرب القراءتين لأنّه اسم النجم نفسه.
أَپَوْشا
ويجعل فورسمان اسم الخصم Apaoša «أَپَوْشا» أداة نفي ثم pauša «پَوْشا»، أي «الذي لا ينمو ولا يزكو»، ويقابلها في الهندية póṣa «پُوشَ»، النماء. ويفسّره كتاب فارسي أوسط تفسيراً شعبياً بـ«هلاك الماء». وعلى المنهج نقرأ الجزء الثاني «فَشا»: في معجم لين «فشت الماشية» انتشرت في مراعيها، و«أفشى الرجل» كثرت ماشيته، و«الفَشاء» نماء الماشية وكثرتها، والفاء العربية تقابلها الپاء. فأپوشا على هذه القراءة الجفاف الذي لا تفشو معه الماشية، وهو ما يخافه الناس الذين ينتظرون طلوع الشعرى.
السرديات الأسطورية الرئيسة
المطر الأوّل في البندهشن
ويروي كتاب «البُنْدَهِشْن»، أي «أصل الخلق»، القصّة على وجه آخر. فحين هجم أهريمن على الخلق كانت المعركة الثانية مع الماء. ظهر تِشْتَر في ثلاث صور، رجل وفرس وثور، وأمطر في كلّ صورة عشرة أيام بلياليها، فكانت القطرة بحجم الطاس، وعلا الماء على الأرض كلّها قامة رجل، فهلكت الحشرات المؤذية التي صنعها أهريمن ودخلت جحور الأرض. ثم ساقت الريح الماء إلى أطراف الأرض فكان منه البحر الواسع. وبقي سمّ تلك الحشرات في التراب، فنزل تشتر إلى البحر فرساً أبيض ليحمله، فلقيه أپوش فرساً أسود، ففرّ منه تشتر، ثم سأل أورمزد الغلبة فأعطاه قوّة عشرة خيول وعشرة جمال، ففرّ أپوش. ثم أخذ تشتر الماء بسحابة كالجرّة وأمطر قطراً كرؤوس الثيران ورؤوس الرجال، وقاتل شيطانان دون المطر، فقلبت عليهما نار ڤازِشْت، وهي نار السحاب، هراوتها. واختلط السمّ بالماء فصار البحر مالحاً.
وفي «البندهشن» أيضاً أنّ النبات يبس من هجوم أهريمن، فدقّه أَمُرْداد وخلطه بالماء الذي أخذه تشتر، فأمطره تشتر على الأرض فنبت النبات كالشعر على الرأس. وفي البحر شجرة تحمل بذور النبات كلّه، يجرّدها طائر كلّ سنة ويخلط بذورها بالماء، فيأخذها تشتر مع ماء المطر ويمطرها على الأقاليم كلّها. ويسمّي كتاب «مينوي خرد» الطائر الذي يعشّش على هذه الشجرة سينمرو، وهو سيمرغ. البندهشن 9.2–3 و27.3، الموسوعة الإيرانية، «سيمرغ».
النجوم الهاوية
ويذكر النشيد عدوّاً آخر لتشتريا: الساحرات المسمّاة «پَرِيكا»، اللواتي يطرن بين الأرض والسماء في صورة «نجوم الدود»، وقد رماهنّ أنجرا ماينيو ليوقفن النجوم التي تحمل بذرة المياه، فيطردهنّ تشتريا عن البحر، ثم تسوق الريح السحاب. ويرى بانَيْنو أنّهنّ الشهب.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الفارسية أنجرا ماينيو رمزاً لما يهلك الزرع: الجفاف والحشرات والأمراض. وفي قصّة تشتريا يقف هذا الجفاف فرساً أسود في وجه الماء، وتهلك الحشرات المؤذية تحت مطر البندهشن.
ويطلع الشعرى طلوعه الفجري في تموز، والمطر في بلاد إيران يأتي في الخريف. ويرى بانَيْنو أنّ هزيمة تشتريا الأولى تفسّر هذا الفرق: الشهر الذي يحمل اسم النجم لا يوافق نزول المطر، فيروي النشيد أنّ النجم يُغلب أوّلاً ثم يغلب بعد القربان، والناس ينتظرون بين الطلوع والمطر. وصورة السهم تحمل السرعة التي ينتظرها الناس من الغيم بعد طلوع النجم.
التوازيات عبر الحضارات
يقارن علماء الإيرانيات تحرير تشتريا للمياه بقتل إندرا الحيّةَ فريترا في الڤيدا: الحيّة تحبس المياه في الجبل، فيقتلها إندرا بعد أن يشرب السوما فتجري الأنهار السبعة. وفي القصّتين يحتاج المحارب إلى الشراب المقدّس ليقوى، لكنّ تشتريا يُهزم أوّلاً ثم يغلب بقربان أهورا مزدا، وإندرا يغلب من الضربة الأولى. وهما من شواهد صراع المعبودات مع البحر والتنين والعاصفة وسلطان الماء، وتجمعهما صفحة معبودات العاصفة في اثنتي عشرة حضارة. الموسوعة الإيرانية، «تشتريا».
وفي أوغاريت يبتلع موت بعلاً فيغيب المطر، ثم يعود بعل فيعود الماء. وتشترك القصّتان في أنّ صاحب المطر يُغلب ثم يرجع، وتفترقان في أنّ خصم بعل الموت، وخصم تشتريا الجفاف.
وفي مصر سمّى المصريون الشعرى سوثيس، ويقول بلوتارخ إنّها نجم إيزيس الخاصّ. ومطر البندهشن الذي يغطّي الأرض قامة رجل ليهلك خلق أهريمن من شواهد الطوفان، غير أنّ الماء فيه يطهّر الأرض ولا يعاقب الناس.