ملخص
أَسْتْرايا عذراء في أساطير الإغريق والرومان، كانت تعيش بين الناس في الزمن الأوّل وتقضي بينهم، ثم تركت الأرض لمّا فسدوا وصعدت إلى السماء، فهي برج العذراء الذي يُرى بالليل قرب العوّاء، وفي يدها السنبلة. وأقدم من روى قصّتها الشاعر أَرَاتُوس في قصيدته «الظواهر»، في القرن الثالث قبل الميلاد، وهو لا يسمّيها أسترايا، وإنّما يسمّيها «العذراء»، ويقول إنّ الناس كانوا يسمّونها ديكي، أي العدالة.
يقول أراتوس: سواء كانت ابنة أَسْتْرايُوس، الذي يقال إنّه أبو النجوم، أم ابنة أب آخر، فقد كانت في القديم تسكن الأرض وتلقى الرجال والنساء وجهاً لوجه، وتجلس بينهم وهي خالدة. تجمع الشيوخ في الساحة أو في الطرق الواسعة، وترفع صوتها تحثّهم على أحكام أرفق بالناس. ولم يكن الناس يعرفون الخصام ولا الحرب، ولا يركبون البحر، ولا تحمل إليهم السفن رزقهم من بعيد، وإنّما كانت البقر والمحراث والعدالة نفسها تعطيهم كلّ ما يحتاجون. فلمّا جاء الجيل الفضّي قلّت مخالطتها لهم، فصارت تنزل من الجبال وحدها في المساء ولا تكلّم أحداً بكلام ليّن، فإذا امتلأت الروابي بالناس وبّختهم وقالت إنّها لن تُريهم وجهها بعد اليوم: انظروا أيّ جيل خلّفه آباء الزمن الذهبي، أخسّ منهم، وستلدون من هو أخسّ منكم، وستكون حروب ودم. ثم رجعت إلى الجبال والناس ينظرون في أثرها. فلمّا مات هؤلاء وجاء الجيل البرونزي، وهم أوّل من صنع سيف قاطع الطريق، وأوّل من أكل لحم الثور الذي يجرّ المحراث، كرهت هذا الجيل وطارت إلى السماء، وسكنت الموضع الذي تُرى فيه الآن بالليل.
وعند أُوفِيد في أوّل «التحوّلات» يظهر اسمها. يعدّ أوفيد أربعة أزمنة، ذهبيّاً وفضّيّاً وبرونزيّاً وحديديّاً، فإذا بلغ الحديديّ قال إنّ الحياء والصدق والوفاء فرّت من الأرض، وجاء مكانها المكر والغدر والعنف وحبّ التملّك، فقُسمت الأرض بالحدود بعد أن كانت مشتركة كضوء الشمس والهواء، وحُفرت يُستخرج منها الحديد والذهب، وصار الضيف لا يأمن مضيفه، والأخ لا يأمن أخاه. «وانهزمت التقوى، والعذراء أسترايا، آخر أهل السماء، تركت الأرض المبلّلة بالدم».
ويجمع هِيجِينُوس في كتابه في النجوم ما قيل في نسبها: يقول إنّ هسيود يجعلها ابنة زيوس وثيميس، وإنّ أراتوس يجعلها ابنة أسترايوس وإيوس، الفجر، وإنّها كانت قائدة البشر في الزمن الذهبي، وسُمّيت العدالة لحرصها وإنصافها، فلمّا وُلد الجيل البرونزي لم تحتمل وطارت إلى النجوم. والنسبان يوافقان وجهيها: ففي «أنساب الآلهة» تلد ثيميس لزيوس الهُورات، ومنهنّ ديكي، العدالة، وفيها تلد إيوس لأسترايوس الرياح ونجم الصبح والنجوم التي تتوّج السماء. فهي بنسبها الأوّل العدالة، وبنسبها الثاني نجم.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ العدالة شخص يقيم بين الناس ما داموا أهلاً له. لا تُقتل ولا تموت، وإنّما تبتعد على مراحل: تجلس في الساحة مع الجيل الذهبي، وتنزل من الجبال وحدها مع الجيل الفضّي، وتصعد إلى السماء مع الجيل الذي صنع السيف وأكل ثور الحرث. فبُعدها مقياس فساد الناس، وهي باقية في موضع يرونه كلّ ليلة. ولذلك أمكن الشعراء أن يتكلّموا عن رجوعها: يقول فرجيل في «الرعويّات» إنّ العذراء ترجع، ويرجع معها ملك ساتورن. وقصّتها هي آخر حلقة في العصر الذهبي. فرجيل، «الرعويّات» 4.6.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، لأنّ المقالات لا تقرأ هذا الاسم اليوناني: Ἀστραία «أَسْتْرَايَا» مؤنّث الصفة اليونانية «النجميّ»، فإذا نزعنا اللاحقة -αία «ـايا» بقي ἀστρ- «أَسْتْر»: همزة وسين وتاء وراء. وهذه حروف «عثتر» و«عشتار» و«عشتروت»، اسم النجم الذي تقرأ به المقالة البابلية والمقالة الكنعانية في هذا المشروع اسمَ المعبودة: كوكب الزهرة، نجمة الصبح. وقد كتب اليونان اسم عشتروت نفسه بهذه الحروف، فأسقطوا العين وكتبوا الشين سيناً. فأسترايا على هذه القراءة «العثتريّة»، المنسوبة إلى النجم، وهو ما صارت إليه في القصّة.
الجذر اللغوي
صيغ الاسم
| الصيغة | النطق | ما هي |
|---|---|---|
| Ἀστραία | أَسْتْرَايَا | اسمها، مؤنّث الصفة «النجميّ» |
| ἀστραῖος | أَسْتْرَايُوس | «نجميّ»، ومنه اسم أبي النجوم |
| ἄστρον، ἀστήρ | أَسْتْرُون، أَسْتِير | النجم |
| Astraea | أَسْتْرَيَا | صيغتها اللاتينية عند أوفيد |
| Δίκη | دِيكِي | العدالة، اسمها عند أراتوس |
أسترايا وعثتر
هذه «قراءة مقترحة على المنهج». يقول المعجم اليوناني إنّ الصفة ἀστραῖος «أَسْتْرَايُوس» معناها «نجميّ»، وإنّها من ἄστρον «أَسْتْرُون»، النجم، فاسم أسترايا مؤنّثها، واسم أسترايوس أبي النجوم مذكّرها. وتقرأ المقالة البابلية عشتار «عثتر»، كوكب الزهرة، المتألّقة، وتقرأ المقالة الكنعانية عشتروت «نجمة الصباح». وقد كتب اليونان اسم عشتروت Ἀστάρτη «أَسْتَارْتِي»: أسقطوا العين لأنّ لغتهم لا عين فيها، وكتبوا الشين سيناً، وأبقوا التاء والراء. والحروف الأربعة في أوّل Ἀστραία «أَسْتْرَايَا» هي هذه الحروف على ترتيبها، وتسمّي القصّة صاحبتها نجماً.
ونعرض القراءة على أربعة اختبارات. الأوّل الصيغة: كلمة «النجم» اليونانية مشهودة منذ هوميروس، والصفة مشهودة، فلا نفترض صيغة لم تُكتب. والثاني التقابل: سقوط العين وكتابة الشين سيناً هو ما صنعه اليونان باسم عشتروت نفسه، كما تبيّن صفحة عشتروت. والثالث المعجم: لا يعطي معجم لين مادّة «عثر» معنى النجم، وإنّما يحفظ منها «العَثَّرِيّ»، الزرع الذي يسقيه المطر وحده، ويقرؤه روبرتسن سميث «المنسوب إلى عثتر». فالعربية تحفظ اسم المعبود، ولا تحفظ لفظاً عامّاً للنجم من هذه الحروف. والرابع القصّة: أسترايا تصير نجماً، وعثتر نجم، لكنّ عثتر كوكب الزهرة، وأسترايا برج العذراء، وهما في السماء شيئان مختلفان.
وموضع الضعف الأكبر أنّ كلمة «النجم» اليونانية لها أخوات في اللغات الهندية الأوروبية كلّها: في الحثّية بالخاء في أوّلها، وفي اللاتينية stella «سْتِلّا»، وفي السنسكريتية وفي القوطية، ويعيدها بِيكِس إلى أصل واحد يبدأ بحرف حلقي سقط في اليونانية وبقي أثره الألف في أوّل الكلمة. فلم يأخذ اليونان الكلمة من الفينيقيّين، والمقارنة إن صحّت تقع في طبقة أقدم من اليونانية. ويلفت النظر أنّ الحثّية تكتب أوّل الكلمة خاءً، وهو الموضع الذي تقع فيه العين في «عثتر». وما يحسم القراءة لفظ ساميّ عامّ من هذه الحروف بمعنى النجم، أو صيغة قديمة تحفظ الحرف الحلقي قبل السين والتاء والراء.
أمّا «سَطَر» فحروفه قريبة، لكنّ معانيه في معجم لين السطر من الكتابة، والصفّ من الشجر، و«الأساطير»، و«المسيطر» صاحب السلطان، وليس فيها النجم.
ثيميس والذمّة
يجعل هسيود أسترايا، بوجهها ديكي، ابنة ثيميس. وتقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع اسم ثيميس «ذِمّة»: العهد والميثاق والنظام الثابت. وفي معجم لين «الذِّمّة» العهد والعقد والميثاق، والحقّ الذي يُلام من ضيّعه. فالأمّ على هذه القراءة العهد الذي بين الناس، والبنت الحكم الذي يقوم به العهد، وهي تترك الأرض حين يُنقض.
السنبلة
يقول أراتوس إنّ العذراء تحمل في يدها سنبلة لامعة، وهي النجم الذي يسمّيه العرب «السِّماك الأعزل». وفي الأكدية šubultu «شُبُلْتُو» السنبلة من الزرع، واسم هذا النجم نفسه، وفي العبرية šibbōlet «شِبُّولِت» السنبلة. وفي معجم لين «السُّنْبُلة» واحدة السنابل، و«السنبلة» اسم برج من بروج السماء هو العذراء، ويذكرها لين أيضاً في مادّة «سبل»، فالنون عنده زائدة على السين والباء واللام. فهذه ثلاث شواهد مكتوبة تجعل السنبلة اسماً للنجم، وليست قراءة مقترحة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
ديكي عند هسيود
قبل أراتوس بنحو خمسة قرون يذكر هسيود في «الأعمال والأيام» العدالة عذراءَ حيّة. يقول: إذا جُرّت ديكي حيث يأخذها آكلو الرشوة الذين يقضون بالجور، تبعتهم باكية إلى المدينة وبيوت أهلها، ملتفّة بالضباب، تحمل الشرّ لمن طردها. ويقول: هناك العذراء ديكي، ابنة زيوس، المكرّمة عند آلهة الأوليمب، فإذا آذاها أحد بالكذب جلست إلى جانب أبيها زيوس بن كرونوس وأخبرته بقلوب الناس الظالمة، حتى يدفع الشعب ثمن جور ملوكه. ويقول عن آخر الجيل الحديدي إنّ الحياء ونيميسيس سيتركان الأرض الواسعة ملتفّين بثياب بيض، ويلحقان بالخالدين، فلا يبقى للبشر عون على الشرّ. فالعدالة التي تبتعد عن الناس، والقيم التي تصعد إلى السماء، كلاهما عند هسيود، وأراتوس جمعهما في شخص واحد.
رجوع العذراء عند فرجيل
يقول فرجيل في «الزراعيّات» إنّ العدالة حين تركت الأرض كانت آخر خطواتها بين أهل الريف، فبقي عندهم أثرها. وفي القصيدة الرابعة من «الرعويّات» يعلن أنّ الزمن الأخير الذي تنبّأت به عرّافة كوماي قد جاء، وأنّ دورة الأزمنة الكبرى تولد من جديد: «الآن ترجع العذراء، ويرجع ملك ساتورن»، ويُنزل من السماء نسل جديد، ويقوم في العالم كلّه جيل ذهبي. فالنجم الذي صعدت إليه أسترايا صار عند فرجيل علامة على أنّ الزمن الأوّل يمكن أن يعود.
أسماء أخرى للبرج
يذكر هيجينوس أنّ آخرين يسمّون العذراء في السماء الحظّ، أو سيريس صاحبة الزرع، وأنّهم يختلفون فيها لأنّ رأسها خافت لا يكاد يُرى. ويسمّيها بعضهم إيريغوني بنت إيكاريوس، التي شنقت نفسها حزناً على أبيها، ويجعلها بعضهم بنتاً لأبولو ماتت صغيرة فوضعها أبوها بين النجوم. فالبرج واحد، والقصص التي تُروى فيه كثيرة، وقصّة العدالة الراحلة إحداها.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع أجيال هسيود تاريخاً مضغوطاً لصنعة الإنسان: الجيل البرونزي هو حرفيّاً زمن صهر البرونز وصنع السلاح والحروب المنظّمة، والحديديّ هو زمن هسيود نفسه. وقصّة أسترايا عند أراتوس تعطي هذه القراءة شاهدين محدّدين: العدالة تترك الأرض حين يصنع الناس سيف قاطع الطريق، وحين يأكلون الثور الذي يحرث لهم، أي حين يصير السلاح أداة رزق، ويُذبح شريك الفلّاح في عمله. غير أنّ المقالة تجعل الزمن الذهبي زمن الصيد والجمع قبل الزراعة، وأراتوس يجعل البقر والمحراث في الزمن الذهبي نفسه، فالعدالة عنده عدالة القرية الزراعية قبل التجارة البحرية والحرب. وأوفيد أقرب إلى المقالة، فزمنه الذهبي بلا محراث، وأوّل ما يُقسم في زمنه الحديدي الأرض.
التوازيات عبر الحضارات
في إيران كان ييما ملك الزمن الذي لا برد فيه ولا حرّ ولا هرم ولا موت، فلمّا أحبّ الكذب فارقه المجد الملكي، فرآه الناس يطير عنه في صورة طائر. فكما تصعد أسترايا عن الناس حين يفسدون، يطير المجد عن الملك حين يكذب، وفي الحالين يُرى الشيء الراحل وهو يرحل.
وفي الهند يقول «قانون مانو» إنّ الدارما، أي الحقّ والنظام، تقوم في العصر الأوّل على أربع أرجل تامّة، ثم تفقد في كلّ عصر بعده رجلاً بالسرقة والكذب والخداع. وتلتقي الصورتان في أنّ النقص يُقاس: أسترايا تبتعد درجة مع كلّ جيل، والدارما تفقد ربعاً مع كلّ عصر، كما يروي هانومان في «المهابهاراتا».
وفي الشرق الأدنى كانت عشتار وعشتروت نجمة الصبح والمساء، وهي القراءة التي يقوم عليها اسم أسترايا هنا. وتفترقان عنها في كلّ شيء آخر: عشتار معبودة الحبّ والحرب، وأسترايا عذراء تقضي. ويجمع بين الاثنتين في السماء أنّ العذراء تحمل السنبلة، وهي التي يسمّيها الأكديون «شُبُلْتُو» باسم السنبلة نفسها.