مركوري

ملخص

مِرْكُورِي رسول جوبيتر في أساطير الرومان، وصاحب التجّار والطرق، ودليل أرواح الموتى إلى العالم السفلي. أمّه مايا ابنة أَطْلَس، وقد عرّفه الرومان بـهرمس الإغريقي. وأشهر قصّته في «الإِنْيَادَة» لفِرْجِيل: كان البطل إينياس قد أقام في قرطاج عند ملكتها دِيدُو، ونسي أنّ قدره أن يمضي إلى إيطاليا. فأمر جوبيتر مركوري أن ينزل إليه. لبس الرسول نعليه الذهبيين المجنّحين اللذين يحملانه فوق البحر والأرض، وأخذ عصاه التي يستدعي بها أرواح الموتى من العالم السفلي ويرسل بها آخرين إليه، وينيم بها ويوقظ. ونزل على جبل أطلس، ثم طار إلى ساحل ليبيا، فوجد إينياس يبني الأبراج والبيوت، فبلّغه الأمر ثم اختفى في الهواء وهو يتكلّم. فجهّز إينياس سفنه ورحل، ورأت ديدو رحيله خيانة.

ويروي أُوفِيد في «الأعياد» قصّة رومانية أخرى: كانت الحورية لارا كثيرة الكلام، فأفشت لـجُونُو سرّ جوبيتر في طلب حورية أخرى، فقطع جوبيتر لسانها وأمر مركوري أن يقودها إلى عالم الموتى. وفي الطريق أخذها مركوري لنفسه، فولدت له توأمين صارا اللارِيس، حماة البيوت والطرق عند الرومان.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ مركوري هو الذي يذهب ويعود. ينزل بأمر السماء إلى الأرض ثم يرجع، ويقود الأرواح إلى تحت الأرض ويستدعي غيرها منه، ويمرّ بالتجّار من مدينة إلى مدينة. ولهذا كان معبده في روما قرب ميدان السباق، وارتبط بجماعة التجّار وإمداد المدينة بالطعام. ومن هذا الذهاب والإياب جاءت قوّته: الرسالة التي حملها إلى إينياس أسّست روما، وكلّفت ديدو حياتها.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع اللاحقة اللاتينية -ius «ـيُس» من Mercurius / Mercury «مِرْكُورِيُس» فيبقى «مِرْكُر»، وهو في المقال الروماني «مَرَّ»: مرّ يمرّ مرّاً ومروراً، أي اجتاز وذهب، فمركوري هو الذي يمرّ، الرسول العابر الذي لا يقيم. ويبقى من الاسم «كُر»، ونقرؤه «كَرَّ»، والكرّ في العربية الرجوع، كما في «الكرّ والفرّ». فالاسم على هذه القراءة «مَرَّ وكَرَّ»: ذهب ورجع، وهذا بالضبط ما تجعله القصّة، الرسول الذي ينزل ويصعد، ويقود الأرواح إلى العالم السفلي ويستدعيها منه. وقراءة الجزء الثاني «كرّ» قراءة مقترحة على المنهج، أمّا «مرّ» فهي قراءة المقال.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
Mercurius مِرْكُورِيُس، بكاف صريحة الاسم اللاتيني في الرفع.
Mercuri مِرْكُورِي صيغة النداء؛ تبيّن أنّ -us «ـُس» لاحقة.
Mercur- مِرْكُر ما يبقى بعد نزع -ius «ـيُس»: م-ر-ك-ر.
مَرَّ + كَرَّ مَرَّ وكَرَّ العربية التي نقرأ بها الاسم.

يقول لسان العرب: مرّ عليه وبه يمرّ مرّاً أي اجتاز، ومرّ يمرّ مرّاً ومروراً: ذهب. ويقول: الكرّ الرجوع، وكرّ عنه: رجع، وكرّ على العدوّ: عاد إليه. فالميم والراء في أوّل الاسم هما «مرّ»، والكاف والراء في آخره هما «كرّ»، والحركات بينهما لاتينية. والمقال الروماني يقف عند «مرّ» وحدها، فتبقى الكاف بلا تفسير؛ وقراءة «كرّ» تفسّرها، وتجعل الاسم فعلين متتابعين على طريقة العرب في قولهم «الكرّ والفرّ».

وفي اللاتينية نفسها merx / mercis «مِرْكْس / مِرْكِس» للسلعة، وmercārī «مِرْكارِي» للاتّجار، ويجعلها المعجم اللاتيني أصل الاسم، فمركوري عندهم صاحب السلعة. وهذا يوافق معبده وجماعة التجّار، ويلتقي بقراءة «مرّ وكرّ» في التاجر الذي يذهب بالسلعة ويعود بالثمن.

ويقرأ محمد رشيد ناصر ذوق الاسم بـ«المَكْر»، أي الحيلة الخفيّة، وهو يوافق تاجر أوفيد الذي يطلب ربحاً بخداع المشتري؛ لكنّ ترتيب اللاتينية م-ر-ك يخالف م-ك-ر. وتقابل العبرية mākar «ماخَر» البيع، والآرامية mkr «م-ك-ر» التملّك بعوض، فتجمع التجارة بين المعاني. ويقترح المقال الروماني كذلك مَرْكَز، وهو من ر-ك-ز وميم المكان، فتبقى الزاي مقابل الراء الأخيرة؛ وطريقاً من مِلْقَرْت معبود صور عبر الإِتْرُوسْكِيِّين، لكنّ نصب مالطة الثنائي اللغة يقابل ملقرت بـهيراكليس لا بمركوري.

السياق التاريخي

يروي لِيفِيُوس أنّ معبد مركوري دُشّن في روما يوم 15 مايو 495 ق.م بعد نزاع بين القنصلين. أحال مجلس الشيوخ الاختيار إلى الشعب، فاختار مارْكُوس لايْتُورِيُوس وربط المنصب بإمداد الغذاء وتأسيس جماعة للتجّار. ويضع المعجم الطبوغرافي المعبد على منحدر الأَفِنْتِين قبالة ميدان السباق الكبير. التاريخ تقليدي رواه مؤلّف متأخّر، أمّا الخبر نفسه فيصل العبادة بالسوق والمؤن ومنصب مدني.

ويروي أوفيد أنّ إِيفانْدِر حمل عبادة موطنه الأركادي إلى الأرض التي قامت عليها روما، فيصل ميلاد الرسول في جبل كِيلِينِي بوصول عبادته إلى إيطاليا. وهو ابن جوبيتر ومايا وحفيد أطلس؛ ويولد له من فينوس هِرْمافْرُودِيتُوس في رواية أوفيد، من غير أن يسمّي المقطع فينوس زوجته.

السرديات الأسطورية الرئيسة

سارق البقر ودليل بريام

يمدح هُوراس مركوري معلّماً للكلام المهذّب وصانعاً للقيثارة، ثم يذكر سرقته بقر أبولو وهو طفل. يهدّده أبولو إن لم يردّ القطيع، لكنّه يكتشف أنّ جعبته اختفت أيضاً فيضحك. وتختم القصيدة بقيادة بريام خلال معسكر العدوّ ليلاً، وقيادة الأرواح بالعصا الذهبية.

صلاة التاجر

وفي 15 مايو يذهب تاجر عند أوفيد إلى ماء مركوري قرب بوّابة كابِينا. يطهّر إناءً بالدخان، ويغمس غصن غار، وينضح بضاعته وشعره. يطلب محو أيمانه الكاذبة، ثم يطلب ربحاً آخر بخداع المشتري؛ فيضحك مركوري متذكّراً سرقة البقر.

القراءة الرمزية

يحمل مركوري أمر جوبيتر إلى إينياس، ويقود بريام بين الأعداء، وينقل الأرواح بعصاه، ويرتبط معبده بإمداد الطعام وجماعة التجّار. تعتمد هذه الأعمال على طريق مأمون وكلام موثوق، بينما تكشف صلاة التاجر إمكان استعمال الثقة نفسها في الخداع. فعمله نقل القول والبضاعة والجسد، وما يترتّب على كلّ انتقال من ربح أو نجاة أو خسارة.

التوازيات عبر الحضارات

يصل هوراس مركوري بـهرمس عبر أطلس وأبولو والبقر والقيثارة وبريام وقيادة الموتى، لا بمجرّد اشتراكهما في وظيفة الرسول. ويقرأ المشروع اسم هرمس بـ«الحَرَم»، صاحب الحرمة الذي لا يُعترض في طريقه، واسم مركوري بـ«مرّ وكرّ»، الذاهب الراجع؛ فالقراءتان تصفان الرسول نفسه من جهتين: أمانه في الطريق، وحركته فيه. أمّا نصب مالطة فيضع ملقرت وهيراكليس على أثر واحد بلغتين، ولا يضع مركوري مكان أحدهما.

وتقترح المقالة الرومانية مقارنة نابو من جهة الكتابة والرسالة. يبلغ مركوري الأمر شفاهاً في «الإنيادة» ثم يختفي ولا يكتب لوحاً، فتنحصر المقارنة في حفظ الرسالة ونقلها.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. فرجيل، الإنيادة 4؛ أوفيد، الأعياد 2 و5؛ هوراس 1.10؛ ليفيوس 2.

  2. أوفيد، التحولات 4.285–295 وترجمته.

  3. معجم لين، مرر وكرر ومكر؛ المعجم اللاتيني: مركوريوس؛ المعجم العبري: م-ك-ر؛ المعجم الآرامي: م-ك-ر.

  4. محمد رشيد ناصر ذوق، «رموز الحضارات كلمات عربية».

  5. بلاتنر وأشبي، معبد مركوري؛ اللوفر، نصب مالطة.

  6. السلعة
  7. الاتّجار
  8. معجم لين، ركز