الرئيسية/الكيانات/أسرار إليوسيس

أسرار إليوسيس

ملخص

أسرار إليوسيس شعائر ديميتر وابنتها بيرسيفوني في إليوسيس، على ساحل أتيكا غرب أثينا، لا يدخلها إلّا من لُقّنها، ويسمّى الداخل فيها μύστης «مِيسْتِيس»، أي المُلقَّن. ويروي «النشيد الهوميري إلى ديميتر» كيف بدأت. لمّا خطف هاديس بيرسيفوني برضا زيوس، غضبت أمّها وتركت مجلس المعبودات، ومشت بين الناس في صورة عجوز لا يعرفها أحد، حتى بلغت إليوسيس وجلست عند «بئر العذارى» في ظلّ شجرة زيتون. فجاءت بنات كيليوس ملك البلد يستقين الماء، فقالت لهنّ إنّ اسمها دوسو، وإنّ قراصنة حملوها من كريت قهراً، فهربت منهم وتاهت حتى وصلت، وسألتهنّ إلى بيت من تذهب لتعمل فيه.

فأُدخلت بيت كيليوس، وجلست صامتة لا تأكل ولا تشرب حزناً على ابنتها، حتى أضحكتها إيامبي بمزاحها. فقدّمت لها الملكة ميتانيرا خمراً، فأبت وقالت إنّه لا يحلّ لها، وطلبت أن يُخلط لها دقيق الشعير بالماء والنعناع الطريّ، فصُنع لها هذا الشراب، واسمه في النشيد κυκεών «كِيكِيون». ثم ربّت ابن الملكة ديموفون، وكانت تضعه في النار ليلاً لتجعله خالداً، فرأتها أمّه فصرخت، فغضبت ديميتر وكشفت عن نفسها، وأمرت أهل البلد أن يبنوا لها معبداً ومذبحاً فوق بئر كاليخوروس، وقالت: «وأنا نفسي سأعلّمكم شعائري». فبنوه، فجلست فيه بعيدة عن المعبودات، ومنعت الأرض أن تُنبت، فحرث الناس وبذروا الشعير ولم يخرج شيء.

ولمّا عادت بيرسيفوني، وقد أكلت حبّة رمّان تُلزمها بثلث السنة تحت الأرض، أنبتت ديميتر الزرع من جديد، ثم ذهبت إلى ملوك إليوسيس، تريبتوليموس وديوكليس وإيومولبوس وكيليوس، فأرتهم كيف تُقام شعائرها وعلّمتهم أسرارها، «أسراراً مهيبة لا يجوز لأحد أن يخالفها أو يسأل عنها أو ينطق بها، فإنّ هيبة المعبودات تحبس الصوت. سعيد من رآها من أهل الأرض، أمّا من لم يُلقَّنها ولم يشارك فيها فلا يكون له نصيب مثله بعد أن يموت، في الظلمة والعتمة».

وكانت الأسرار عيداً عامّاً كلّ سنة. يروي هيرودوت أنّ أثينيّاً منفيّاً كان مع الفرس في سهل ثريا سنة 480 ق.م، حين خلت أتيكا من أهلها، فرأى غباراً يتقدّم من إليوسيس كأنّه من ثلاثين ألف رجل، وسمع صوتاً، فقال لصاحبه: «يقيم الأثينيون هذا العيد كلّ سنة للأمّ والابنة، ويُلقَّن فيه من شاء من الأثينيين وسائر اليونان، والصوت الذي تسمعه هو صيحة إياكخوس التي يصيحونها في هذا العيد».

والفكرة التي تدور عليها الأسرار أنّ الملقَّن يعيد ما فعلته ديميتر في إليوسيس، ثم يرى ما لا يُقال. كانت الأمّ حزينة صائمة، ثم شربت الكيكيون، ثم ظهرت في صورتها، ثم أعادت الزرع إلى الأرض حين عادت ابنتها من تحتها. والنشيد يجعل الثمرة رؤية: «سعيد من رأى»، ويجعل جزاءها بعد الموت. ولذلك قال شيشرون إنّ أثينا لم تعطِ الناس شيئاً أفضل من هذه الأسرار، لأنّهم عرفوا فيها «مبادئ الحياة، وتعلّموا كيف يعيشون فرحين ويموتون على أمل أحسن».

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءة مقترحة على المنهج لأنّ المقالتين اليونانيتين لا تقرآن اسم الموضع: Ἐλευσίς «إلِوْسِيس» في اليونانية من الجذع ἐλευθ- «إلِوْث»، الذي منه ἐλεύσομαι «إلِوْسومَي» «سآتي» وἔλευσις «إلِوْسِيس» «المجيء، الوصول». وهذا الجذع بعد أن تُرفع منه الألف التي في أوّله واللاحقة -σις «ـسِيس» هو «لاذ» العربية: يقول لين إنّ «لاذ به» لجأ إليه يطلب الحماية والملجأ، و«المَلاذ» الملجأ. واللام لام، والواو واو، والثاء اليونانية تقابل الذال لأنّها مثلها حرف يخرج بين الأسنان، وسقطت قبل السين كما تسقط في ἐλεύσομαι. والقصّة على هذا المعنى: جاءت ديميتر إليوسيس هاربة من القراصنة كما قالت، تسأل أيّ بيت يؤويها، فآواها بيت كيليوس، ثم صار الموضع ملجأ يأتيه كلّ ملقَّن.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
Ἐλευσίς إلِوْسِيس اسم الموضع
ἐλεύσομαι، ἔλευσις إلِوْسومَي، إلِوْسِيس «سآتي»، «المجيء»
μύστης، μυστήρια مِيسْتِيس، مِيسْتِيريا الملقَّن، والأسرار
μύω مِيُو أغمض العين، أطبق الفم
κυκεών كِيكِيون الشراب المخلوط، من κυκάω «كِيكاوْ» «خلط، حرّك»
لاذ، ملاذ لاذ، مَلاذ العربية التي نقرأ بها اسم الموضع

يقول معجم ليدل وسكوت إنّ ἔλευσις «إلِوْسِيس» «المجيء، الوصول»، وإنّ الفعل μύω «مِيُو» «انغلق»، يقال للعين وللفم ولكلّ فتحة، ومنه الملقَّن μύστης «مِيسْتِيس» الذي يُغلق فمه على ما رأى، وإنّ الكيكيون شراب فيه جريش الشعير، يُذكر في الإلياذة والأوديسة، وتختلف أخلاطه، ومنها ما في النشيد إلى ديميتر. ويقول باوسانياس إنّ الموضع سُمّي باسم بطل اسمه إليوسيس، يجعله بعضهم ابناً لهرمس. ليدل وسكوت، ἔλευσις، μύω، κυκεών، باوسانياس 1.38.7.

فالقراءة تتناول الجذع ἐλευθ- «إلِوْث» وحده، والألف في أوّله حرف يُزاد في اليونانية قبل اللام والراء، و-σις «ـسِيس» لاحقة الأسماء. والجذع في اليونانية جذع فعل المجيء العامّ، ولذلك يفسّر اليونان اسم الموضع بمجيء ديميتر إليه. والقراءة العربية لا تنقض هذا المعنى بل تحدّده: مجيء لاجئ يطلب الملاذ. وحدّ القراءة أنّ الثاء اليونانية تقابل التاء السامية في الأسماء المنقولة أكثر ممّا تقابل الذال، فالقراءة تحتاج إلى شاهد سامي آخر على ل-و-ذ في اسم موضع.

السرديات الأسطورية الرئيسة

ما بقي من السرّ

حفظ الملقَّنون السرّ حتى إنّ أخبار ما في داخل المعبد قليلة. يقول باوسانياس: «منعني حلم من وصف ما داخل سور المعبد، ومن لم يُلقَّن لا يجوز له أن يعرف ما يُمنع من رؤيته». وأوضح ما بقي كلمة يذكرها كليمنت الإسكندري، وهو مسيحي يكتب في هجاء الأسرار، فشهادته شهادة خصم: «هذه علامة أسرار إليوسيس: صمتُ، شربتُ الكيكيون، أخذتُ من الصندوق، وبعد أن عملتُ وضعتُ في السلّة، ومن السلّة في الصندوق». والجزء الأوّل منها يوافق النشيد: صوم ديميتر في بيت كيليوس ثم شربها الكيكيون.

هرقل الملقَّن

ويُروى أنّ هرقل تطهّر ولُقّن في إليوسيس قبل أن ينزل إلى العالم السفلي ليأتي بـكيربيروس، فكان التلقين عُدّة لمن ينزل إلى الموتى. النزول إلى العالم السفلي.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالة إعادة القراءة اليونانية قصّة ديميتر وبيرسيفوني تقويماً زراعياً: ديميتر قوّة الإنبات، وبيرسيفوني البذرة التي تنزل تحت الأرض ثم تخرج، وهاديس باطن الأرض الذي تُحفظ فيه البذور، فبقاؤها تحت الأرض ثلث السنة هو الشتاء، وعودتها الربيع. والأسرار تزيد على هذه القراءة شيئاً: الملقَّن لا يرى الزرع يعود فقط، بل يرجو لنفسه ما ترجوه البذرة، أن يخرج من تحت الأرض إلى «نصيب حسن».

التوازيات عبر الحضارات

يقول هيرودوت إنّ إيزيس هي ديميتر في لسان اليونان، وإنّ المصريين يمثّلون ليلاً على بحيرة في سايس آلام معبود لا يسمّيه، يقصد أوزيريس، ويسمّونها «الأسرار»، وإنّ عيد ديميتر الذي يسمّيه اليونان الثِّسْموفوريا جاءت به بنات داناوس من مصر. وفي أسرار إيزيس عند أبوليوس يقول الملقَّن: «بلغتُ حدّ الموت، ووطئتُ عتبة بروسربينا، ومررتُ بالعناصر كلّها ثم عدتُ، ورأيتُ الشمس في منتصف الليل تسطع بنور أبيض، ودنوتُ من معبودات تحت الأرض ومعبودات فوقها». فالأسرار في الموضعين نزول إلى الموت ورجوع منه يعيشه الملقَّن بنفسه، والفرق أنّ ديميتر في إليوسيس تنتظر عودة ابنتها، وإيزيس تجمع زوجها الميت.

والشراب الذي يكسر صوم الحزين في إليوسيس يقف بجانب طعام الخلود، غير أنّ الكيكيون لا يعطي الخلود في الدنيا: ديموفون نفسه خسر الخلود حين صرخت أمّه، وصار جزاء الملقَّنين نصيباً بعد الموت. وعودة البنت وعودة الزرع معاً من صور المعبود الذي يموت ويعود والتقويم الزراعي.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. النشيد الهوميري إلى ديميتر، ترجمة إيفلين وايت؛ النصّ اليوناني، 192–211، و470–482.

  2. هيرودوت 8.65، و2.59، و2.171.

  3. باوسانياس 1.38؛ كليمنت الإسكندري، الحثّ، الفصل 2.

  4. شيشرون، القوانين 2.36؛ أبوليوس، التحوّلات 11.23.

  5. ليدل وسكوت، ἔλευσις، وμύω، وκυκεών؛ معجم لين، لوذ.