الرئيسية/المفاهيم/طعام الخلود

طعام الخلود

ملخص

طعام الخلود قصّة الطعام أو الشراب الذي يُبقي آكله حيّاً لا يموت: من يملكه، ومن يحرسه، ومن يقترب منه من البشر ثم يفقده. وأقدم رواية تامّة له وصلت مكتوبة لوح من تلّ العمارنة في مصر، من القرن الرابع عشر ق.م، فيه قصّة أدابا، حكيم مدينة إريدو الذي كسر جناح ريح الجنوب فدُعي إلى آنو في السماء. وكان إيا قد أوصاه: سيقدّمون لك خبز الموت فلا تأكل، وماء الموت فلا تشرب. فلمّا تشفّع له حارسا باب السماء قال آنو: هاتوا له خبز الحياة فليأكل، فجاؤوه به فلم يأكل، وبماء الحياة فلم يشرب. فضحك آنو وقال: لماذا لم تأكل ولم تشرب؟ لن تحيا، وردّه إلى أرضه.

وفي اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش تسأل امرأةُ أوتنابشتيم زوجها: جاء جلجامش وتعب، فماذا تعطيه وهو راجع إلى أرضه؟ فيكشف له سرّاً من أسرار الآلهة: نبتة تشبه العوسج ولها شوك، من نالها نال حياته. فيربط جلجامش في رجليه حجارة ثقيلة تجرّه إلى الأبسو، فيقتلع النبتة ويقطع الحجارة. ويقول للملّاح أورشنابي: هذه «نبتة نبض القلب» يستردّ بها الإنسان نفَسه، سآخذها إلى أوروك وأطعم منها شيخاً، فإن عاد الشيخ صغيراً أكلت منها ورجعت إلى صباي. وفي الطريق يرى بركة ماؤها بارد فينزل يغتسل، فتشمّ حيّة رائحة النبتة، فتخرج صامتة وتحملها، وتسلخ جلدها وهي راجعة. فيجلس جلجامش ويبكي.

وتتكرّر القصّة في ميثولوجيات كثيرة. في «الرِّگ ڤيدا» يقول المنشدون: «شربنا السوما فصرنا خالدين، وبلغنا النور، ووجدنا الآلهة». وفي «المهابهاراتا» يخضّ الآلهة وخصومهم المحيط بجبل وحيّة حتى يخرج شراب الخلود، الأمريتا، فيأخذه ڤيشنو في صورة امرأة فاتنة ويسقيه الآلهة، كما يُروى في خضّ المحيط، ثم يحمله غارودا من السماء ثمناً لحرّية أمّه ولا يشرب منه. وفي إيران يقول الهوم لزرادشت: أنا الهوم الذي يطرد الموت، وفي قاع البحر ينبت الهوم الأبيض الذي يجعل آكله خالداً، ومنه يُصنع شراب الناس في فرشو كرتي. وعند اليونان لا يأكل الآلهة الخبز ولا يشربون الخمر، فلا دم فيهم، ولذلك يُسمّون الخالدين، وطعامهم الأمبروسيا وشرابهم النكتار، ويسرقهما تانتالوس فيعاقَب. وفي الشمال تحفظ إيذون تفّاحاً يعضّ منه الآلهة إذا شاخوا فيعودون شباباً. وفي الصين تملك الملكة الأمّ للغرب «دواء عدم الموت»، فيطلبه منها الرامي يي، فتسرقه زوجته تشانغ إي وتفرّ به إلى القمر. وفي التوراة يُخرج آدم من الجنّة لئلّا يأكل من شجرة الحياة فيحيا إلى الأبد، وفي القرآن يعده الشيطان «شجرة الخلد».

والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ الخلود يُؤكل ويُشرب، وأنّه في يد غير الإنسان. الآلهة خالدون لأنّهم يأكلون طعاماً لا يأكله الناس، كما تقول «الإلياذة»، فإذا أُخذ منهم الطعام شاخوا: لمّا خُطفت إيذون وتفّاحها شاب الآلهة وهرموا. والإنسان يقترب من هذا الطعام ثم يفقده، وتختلف الطريق إلى الفقد: أدابا يردّه طاعةً لمعلّمه، وجلجامش يناله ثم تأخذه الحيّة وهو يغتسل، وتانتالوس يسرقه فيعاقَب، وتشانغ إي تسرقه فتنجو من الموت وتُنفى إلى القمر، وراهو يشربه حتى يبلغ حلقه فيُقطع رأسه، فيبقى الرأس حيّاً والجسد ميّتاً، وغارودا يحمله ولا يذوقه فيُعطى الخلود بلا شراب. ويتكرّر في القصص أمران: الحيّة التي تفوز بما خسره الإنسان، فحيّة جلجامش تسلخ جلدها وتتجدّد، وحيّات الهند تلحس العشب الذي وُضع عليه الشراب فتنشقّ ألسنتها، والشيخ الذي يعود شابّاً، كما أراد جلجامش أن يجرّب النبتة في شيخ، وكما ردّ الأشونان الحكيمَ تشياڤانا شابّاً. وتسمّي اللغات هذا الطعام بأسماء الدواء: «النبتة» في الأكدية، و«الدواء» في الصينية، و«دواء الشيخوخة» عند شعراء الشمال، ويأتي اسماه في معاجم السنسكريتية واليونانية أيضاً بمعنى الترياق من السمّ.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ليس للقصّة اسم واحد، لكنّ كلماتها في الأكدية تُقرأ بالعربية حرفاً حرفاً. يوصي إيا أدابا بألّا يأكل akal mūti «أَكَل مُوتِي» ولا يشرب mê mūti «مِي مُوتِي»، وهما «أكل الموت» و«ماء الموت». ويريد جلجامش أن يرى هل šību iṣṣaḫir «شِيبُو إِصَّخِر»: šību «شِيبُو» الشيخ، وهو «الأشيب» من شاب يشيب، وṣeḫēru «صِخِيرُو» صغر، وهو «صَغُرَ». فالنبتة على لسان جلجامش ما يجعل الأشيب صغيراً. وأمّا طعام آلهة اليونان ἀμβροσία «أَمْبْرُوسِيا» فتقرؤه المقالة الإغريقية في هذا المشروع من «عَمَرَ»: طال عمره، فهو شراب طول العمر. ويقسمه نحاة اليونان نفياً ثم mbrot- «مْبْرُت»، الفاني، وحروفه بعد النفي ميم وراء وتاء، حروف «المَرْت» التي تقرأ بها صفحة أمشا سبنتا اسم الخلود في الأفستا. والعربية تسمّي الشجرة التي وُعد بها آدم «شجرة الخُلد»، والخُلد في معجم لين البقاء الدائم الذي لا ينقطع.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق اللسان المعنى
akalu، akal mūti، akal balāṭi أَكَلُو، أَكَل مُوتِي، أَكَل بَلَاطِي الأكدية الخبز والطعام؛ خبز الموت؛ خبز الحياة
mû، mê mūti مُو، مِي مُوتِي الأكدية الماء؛ ماء الموت
šammu، šammu nikitti شَمُّو، شَمُّو نِكِتِّي الأكدية النبات والعشب والمنقوع؛ نبتة نبض القلب
šību شِيبُو الأكدية الشيخ
ṣeḫēru صِخِيرُو الأكدية صغر، كان فتياً
napištu نَپِشْتُو الأكدية الحلق، والحياة
quliptu قُلِپْتُو الأكدية جلد الحيّة وقشر الشجر
ἀμβροσία أَمْبْرُوسِيا اليونانية الخلود؛ طعام الآلهة؛ ترياق
νέκταρ نِكْتار اليونانية شراب الآلهة
amṛta أَمْرِتَ السنسكريتية غير الميّت؛ شراب الخلود؛ ترياق؛ دواء
不死之藥 «بُو سِي جِه يَاوْ» الصينية دواء عدم الموت
أَكَلَ، ماء، مَوْت العربية الطعام والماء والموت
شاب، الأشيب العربية ابيضّ شعره؛ الشيخ
صَغُرَ العربية صار صغيراً، كان في الصِّغَر
سَمّ العربية السمّ
عَمِرَ، العُمْر العربية عاش طويلاً؛ مدّة الحياة
قَطَرَ، نُقْطة العربية سال قطرة قطرة؛ القطرة من العسل
الخُلْد العربية البقاء الدائم

كلمات بلاد الرافدين

يقول نصّ أدابا في سطريه 29 و30 a-ka-la ša mu-ti «أَكَلَ شَ مُوتِي» وme-e mu-ú-ti «مِي مُوتِي»، وفي سطوره 60 إلى 62 a-ka-al ba-la-ṭi «أَكَل بَلَاطِي» وme-e ba-la-ṭi «مِي بَلَاطِي». ويقول معجم براون ودرايفر وبرِغز إنّ الفعل العبري ʾākal «آكَل»، أكل، يقابله الفعل الأكدي akālu «أَكَالُو» والعربي «أَكَلَ»، وإنّ العبرية māwet «مَاوِت» الموت، كما أنّ الأكدية mūtu «مُوتُو» الموت في المكتبة البابلية الإلكترونية. فكلمتا الوصيّة «لا تأكل خبز الموت ولا تشرب ماء الموت» في العربية بحروفها. أمّا balāṭu «بَلَاطُو»، الحياة، فلا يقابلها في العربية لفظ بحروفها، وفي المعجم الأكدي أنّ «نبتة الحياة» تُقال بها.

وفي ملحمة جلجامش يقول البطل في السطور 298 إلى 300 lūšakil šībam-ma «لُوشَكِل شِيبَمّ»، أطعم شيخاً، ثم šumma šību iṣṣahir amēlu «شُمَّ شِيبُو إِصَّحِر أَمِيلُو». ويقرأ مترجمون سابقون، منهم كوڤاكس، الكلمات الثلاث الأخيرة اسماً للنبتة: «الشيخ يصير شابّاً»، وتقرؤها طبعة المكتبة البابلية الإلكترونية شرطاً: «إن صغر الشيخ». وفي الحالين الكلمتان هما الشيخ والصِّغَر. يقول المعجم الأكدي إنّ šību «شِيبُو» الكبير السنّ والشيخ والشاهد، ويقول معجم براون ودرايفر وبرِغز إنّ العبري śîb «سِيب» شاب رأسه، ويقابله الأكدي šêbu «شِيبُو» الشيخ والعربي «شاب». وفي معجم لين: «شاب» ابيضّ شعره، و«شاب رأسه» ابيضّ. ويقول المعجم الأكدي إنّ ṣehēru «صِحِيرُو» صغر وكان فتياً، ويقول معجم براون ودرايفر وبرِغز في العبري ṣāʿar «صَاعَر»، صغر وهان، إنّ الأشورية ṣeḫêru «صِخِيرُو» تقابله، والعربية مثله. وفي معجم لين: صغر ضدّ كبر، ويقال للإنسان في الصِّغَر قبل البلوغ. وفي جدول التحوّلات في هذا المشروع أنّ الغين السامية تندمج بالعين في العبرية، وهذا ما في ṣāʿar «صَاعَر»، وأنّها تختفي في الأكدية، والأكدية هنا تكتبها خاءً، فهذا موضع يخالف فيه الشاهدُ الجدول.

وتسمّي الملحمة ما يستردّه الإنسان بالنبتة napištu «نَپِشْتُو»، الحلق والحياة، وهي «النَّفْس» العربية، كما يُقرأ في الطوفان الجزء الثاني من اسم أوتنابشتيم. وتسمّي الجلد الذي تلقيه الحيّة quliptu «قُلِپْتُو»، ويقول المعجم الأكدي إنّه جلد السمك والحيّة ذو القشور، وقشر الشجر والقصب والحبّ، من فعل qalāpu «قَلَاپُو». وفي لسان العرب: «قلف الشجرة نزع لحاءها»، و«القِلْف القشر». فالحيّة في القصّة تلقي قِلفها، كما تُقلف الشجرة.

الأمبروسيا والنكتار

تقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع ἀμβροσία «أَمْبْرُوسِيا» من «عَمَرَ»، وتسمّيها «العُمْريّة»، شراب الإعمار، وتقابلها بنبتة جلجامش وماء الحياة والسوما. وفي معجم لين: «عَمِرَ» عاش أو بقي في الحياة زمناً طويلاً. والحروف تلتقي: العين تسقط في اليونانية فتصير حركة في أوّل الكلمة، كما في جدول قوانين مشروع جذور، والميم ميم، والراء راء، والباء التي بينهما يُدخلها اللسان اليوناني بين الميم والراء، كما يقول سْمِيث في نحوه: تتولّد الباء بين الميم والراء كما في μεσημβρία «مِسِيمْبْرِيا»، الظهيرة. ويقسم معجم ليدل وسكوت الكلمة قسمة أخرى: ἄμβροτος «أَمْبْرُوتُوس»، الخالد، نفي ثم βροτός «بْرُوتُوس»، الفاني، وأصله μροτός «مْرُوتُوس»، ويقابله السنسكريتي mṛtás «مْرِتَس»، الميّت. فالكلمة على قسمة اليونان «ما ليس بميّت»، وعلى قراءة المقالة «ما يطيل العمر». والقراءتان تجتمعان في الميم والراء، وتفترقان في الألف الأولى: هي عين «عمر» عند المقالة، وأداة نفي عند النحاة. وتبقى التاء بعد الراء، وليست في «عمر»، وهي في «المَرْت» الذي تقرأ به صفحة أمشا سبنتا اسم الخلود الأفستي amərətāt «أَمِرِتات»، نفياً ثم ميماً وراءً وتاءً. ويقول ليدل وسكوت إنّ الأمبروسيا الخلود، وطعام الآلهة، وعطر ودهن، وترياق في الطبّ.

أمّا νέκταρ «نِكْتار» فنقرؤه على المنهج، ولا تقرؤه المقالة: حروفه النون والكاف والتاء والراء، والكاف اليونانية تقابل القاف العربية، والتاء تقابل الطاء، كما في جدول قوانين مشروع جذور، فهي حروف «نقط» و«قطر» متداخلين. وفي معجم لين: «قَطَرَ الماء» سال قطرة قطرة، و«قطّر ثوبه» بخّره بالقُطْر، وهو العود، و«أعطاه نقطة من عسل»، أي قطرة منه. والنكتار في «الإلياذة» يُقطَّر: تضع ثيتيس الأمبروسيا والنكتار الأحمر في أنف پاتروكلوس، والفعل في النصّ اليوناني στάξε «سْتَاكْسِه»، قطّرت، لئلّا يبلى جسده، وتقطّرهما أثينا في صدر أخيل. وهي قراءة مقترحة على المنهج، تجمع جذرين في كلمة واحدة، وليس في اليونانية فعل من حروفها بمعنى التقطير.

الدواء والسمّ

يقول مونير وليامز إنّ amṛta «أَمْرِتَ» في السنسكريتية «غير الميّت» والخالد، وشراب الخلود الذي خرج من خضّ المحيط، ثم يذكر من معانيه الترياق من السمّ، والدواء، والدواء عامّة، والسمّ أيضاً عند أصحاب المعاجم. ويقول المعجم الأكدي إنّ šammu «شَمُّو» النبات والعشب والمرعى، والعشب الطبّي، والمنقوع الذي يُشرب. وتقرأ المقالة الهندية في هذا المشروع اسم السوما «سَمّ»، وتقول إنّ السمّ في العربية السمّ والدواء معاً، وإنّ الشراب الفيدي غامض بين الاثنين. وفي معجم لين «السَّمّ» القاتل من السمّ، وسمّ الحيّة. فالمادّة الواحدة في هذه الألسن تسمّي النبتة التي تشفي، والشراب الذي يُحيي، والسمّ الذي يقتل، كما يخرج من المحيط في الهند السمّ والأمريتا من خضّ واحد. وفي الصين يُسمّى طعام الخلود 藥 / yào «يَاوْ»، أي الدواء، وفي الشمال يسمّي الشعراء تفّاح إيذون دواء الآلهة من الشيخوخة.

الشواهد بحسب الحضارة

بلاد الرافدين: الخبز الذي رُدّ والنبتة التي سُرقت

يقول نصّ أدابا إنّ إيا خلقه وجعله سيّداً بين الناس، وأعطاه الحكمة ولم يعطه الحياة الدائمة، وإنّه كان يخبز الخبز مع خبّازي إريدو ويرتّب مائدة المدينة. فالذي يرتّب المائدة كلّ يوم يُدعى إلى مائدة السماء فلا يأكل منها. ولا يقول النصّ لماذا سمّى إيا خبز الحياة خبز الموت. ويقول روجرز إنّ آدم خسر الخلود لأنّه عصى، وأدابا خسره لأنّه أطاع. وفي ملحمة جلجامش تسأل المرأة زوجها ماذا يعطي الضيف المتعب، فالنبتة هديّة الوداع التي كادت تعوّض جلجامش عن الخلود الذي لم يُعطَ. وقبلها أراد أوتنابشتيم أن يمتحنه بالسهر ستّة أيام وسبع ليال فنام، فخسر الامتحان الأوّل بالنوم، ثم خسر النبتة وهو يغتسل.

الهند: السوما والأمريتا

السوما في الأناشيد نبات يُعصر وشراب يُشرب، ويقول المنشد بعد شربه: صرنا خالدين، وبلغنا النور. ثم تجعل «المهابهاراتا» شراب الخلود شيئاً يُستخرج من المحيط بالخضّ، وتروي من خرج منه، ومن أخذه بالحيلة، ومن سرق منه قطرة، في صفحة خضّ المحيط. ويروي «شتاپتها براهمنا» أنّ الآلهة منعوا الأشونين من السوما لأنّهما خالطا الناس يداويانهم، فجاءا إلى الحكيم تشياڤانا وهو شيخ هرم، فأنزلاه في بركة فخرج منها بالعمر الذي يريده، فدلّهما على ما ينقصهما، فطلبا نصيبهما من القربان فأُعطيا كأس السوما.

إيران: الهوم الأبيض

يظهر الهوم لزرادشت في «يسنا» 9 فيقول: أنا الهوم الصادق الذي يطرد الموت، اعصرني للشراب. ويقول «البندهشن» إنّ الهوم الأبيض ينبت في قاع البحر الواسع، وإنّ من أكله صار خالداً، وإنّ أهريمن أرسل سحلية لتفسده فتحرسه عشر سمكات. وفي آخر الزمان يذبح سوشيانت الثور هذيوش، ويصنع من شحمه ومن الهوم الأبيض شراباً يسقيه الناس جميعاً فيصيرون خالدين. فشراب الخلود في إيران يُؤجَّل إلى النهاية، ويُعطى للناس كلّهم.

اليونان: طعام لا يأكله البشر

حين يجرح ديوميديس أفروديت يسيل منها الإيخور، دم الآلهة، «فإنّهم لا يأكلون الخبز ولا يشربون الخمر، ولذلك لا دم فيهم، ويُسمّون الخالدين». وتضع كاليبسو أمام أوديسيوس طعام البشر وأمامها الأمبروسيا والنكتار على مائدة واحدة، ثم تعرض عليه أن يبقى عندها فيكون خالداً، فيختار بيته. ويطعم زيوس العمالقة ذوي الأيدي المئة النكتار والأمبروسيا فترجع إليهم قوّتهم قبل حرب التيتان. ويقول پنداروس إنّ الآلهة جعلوا تانتالوس خالداً بالنكتار والأمبروسيا، فلم يحتمل نعمته، فسرقهما وأعطاهما رفاق شرابه، فعلّق زيوس فوقه صخرة، وردّ الآلهة ابنه إلى جنس البشر القصير العمر. وتطلب إيوس من زيوس أن يكون حبيبها تيثونوس خالداً يحيا أبداً فيعطيها، ولا يخطر لها أن تطلب له الشباب وأن تنزع عنه الشيخوخة، فتطعمه الطعام والأمبروسيا وهو يشيخ، حتى لا يقدر أن يحرّك أعضاءه فتغلق عليه حجرته، وتقول أفروديت لأنخيسيس: لا أريد لك خلوداً كهذا. فالخلود بلا شباب عند الإغريق شيخوخة لا تنتهي.

الشمال: تفّاح إيذون

تحفظ إيذون، زوجة براغي، في صندوق تفّاحاً يعضّ منه الآلهة إذا شاخوا فيعودون شباباً، «وهكذا يكون إلى راغناروك». فلمّا أُجبر لوكي على إخراجها من أسغارد خطفها العملاق ثياتسي في صورة نسر، فشاب الآلهة وهرموا، حتى ردّها لوكي في صورة جوزة يحملها صقر. فشباب الآلهة في الشمال في يد امرأة، وبقاؤه محدود بآخر الزمان.

الصين: دواء عدم الموت

يقول «كتاب الجبال والبحار» إنّ على جبل كونلون شجرة «عدم الموت»، وإنّ ستّة من السحرة يحيطون بجثّة يايو، «وكلّهم يحملون دواء عدم الموت ليدفعوا عنه». ويقول «هواينان تسي»: طلب يي دواء عدم الموت من الملكة الأمّ للغرب، فسرقته هنغ إي وفرّت به إلى القمر، فحزن ولم يجد ما يعوّضه، لأنّه لم يكن يعرف من أين ينبت الدواء، ولذلك فإنّ طلب النار لا يغني عن قدّاحة تملكها، والاستعارة من بئر غيرك لا تغني عن بئر تحفرها.

التوراة والقرآن

يقول سفر التكوين بعد أكل آدم وحوّاء من شجرة المعرفة: «هوذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفاً الخير والشرّ، والآن لعلّه يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد»، فيُخرج من الجنّة. وفي القرآن يوسوس الشيطان لآدم: «هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى»، ويقول لهما: «ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين». فالشجرة في القرآن وعد كاذب بالخلود، وفي التوراة شجرة الحياة شجرة أخرى يُمنع الإنسان منها.

التوازيات عبر الحضارات

يقوم طعام الخلود في أكثر الروايات على شجرة أو نبتة أو ماء في موضع بعيد: نبتة جلجامش في الأبسو تحت الماء، والهوم الأبيض في قاع البحر، وشجرة عدم الموت على كونلون، وشجرة الحياة في الجنّة. وهذه صور من شجرة العالم، ومن الجبل المقدّس الذي يقوم عليه الشجر الذي لا يموت. وفي الهند يُستخرج الشراب من المحيط، وفي إيران تحرسه السمكات في الماء، وفي بلاد الرافدين يُنال من الأبسو، وهو ماء المياه الأولى.

ويقف في القصص سارق ومحتال: لوكي يخرج إيذون من أسغارد ثم يردّها، وڤيشنو يأخذ الشراب في صورة امرأة، وإندرا يأخذه من الحيّات وهي تغتسل، وتشانغ إي تسرقه من زوجها. وهؤلاء من صور المحتال. ويأخذ أودين في الشمال شراب الشعر بالحيلة من الجبل الذي خبّأه فيه سوتونغ، وكان ذلك الشراب قد صُنع من دم كفاسير، الرجل الذي صنعه الآلهة من بصاق الصلح بينهم وبين خصومهم، كما خرج شراب الخلود في الهند من صلح بين الآلهة وخصومهم.

والحيّة في القصص منافس الإنسان على الحياة. تأخذ حيّة جلجامش النبتة فتتجدّد، وتلحس حيّات الهند عشب الشراب، ويتربّص نيدهوغ بجذر شجرة العالم في الشمال، وتحرس السمكات الهوم من سحلية أهريمن. والشيخ الذي يعود شابّاً يجمع جلجامش وإيذون والأشونين: النبتة تُجرّب في شيخ، والتفّاح يردّ الآلهة الشائبين، والبركة تردّ تشياڤانا. وفي آخر الزمان الإيراني يُعطى الشراب للناس جميعاً، في فرشو كرتي، وفي الشمال يكفي التفّاح الآلهة حتى راغناروك ولا يحميهم من الموت فيها.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير البابلية رحلة جلجامش أوّل رحلة استكشاف موثّقة، ونبتة الشباب نباتاً طبّياً، وتقترح أنّه لؤلؤ الخليج أو عشب بحري، وسرقة الحيّة لها نسيان المعرفة، وتقول إنّ الملحمة تنتهي بجلجامش يتأمّل سور أوروك، فالخلود عندها في ما يبنيه الإنسان لا في جسده. وتقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الهندية خضّ المحيط عملية استخلاص كيميائية، والأمريتا المادّة النافعة التي تخرج في آخرها، وتقول إنّها ربّما السوما أو الهوم، شراب مخمّر أو نبات كان يُظنّ أنّه يمنح الخلود. وتضع المقالة البابلية أدابا أمام آدم، الإنسان الأوّل الذي فقد الخلود، وأمام پروميثيوس.

والنصوص نفسها تجمع القراءتين. فالطعام في أكثرها نبات أو عصارة نبات: نبتة يُطعم منها شيخ، وغصن يُعصر، وتفّاح، ودواء. والكلمات التي تسمّيه كلمات الدواء والسمّ في الأكدية والسنسكريتية واليونانية والعربية. غير أنّ القصص تجعل الطعام نفسه في يد الآلهة، وتجعل ما يبقى للإنسان شيئاً آخر: الحكمة لأدابا، والسور لجلجامش، والبيت لأوديسيوس.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. بلاد الرافدين: أدابا وريح الجنوب، لوح العمارنة 356؛ روجرز، «متوازيات مسمارية»؛ ملحمة جلجامش، اللوح الحادي عشر، طبعة المكتبة البابلية الإلكترونية، وترجمة كوڤاكس؛ المعجم الأكدي: أكلو، موتو، بلاطو، شمّو، شيبو، صحيرو، نپشتو، قلپتو.

  2. الهند: «الرگ ڤيدا» 8.48؛ «المهابهاراتا»، آدي پرڤَ 18، ترجمة غانغولي؛ «شتاپتها براهمنا» 4.1.5؛ مونير وليامز، أمريتا.

  3. إيران: «يسنا» 9؛ «البندهشن»، ترجمة وِسْت، وطبعة كتب الشرق المقدّسة 5.

  4. اليونان: «الإلياذة» 5 و19 والنصّ اليوناني 19.37–39؛ «الأوديسة» 5؛ النشيد الهوميري إلى أفروديت؛ هسيود، «أنساب الآلهة»؛ پنداروس، «الأولمبية الأولى»؛ معجم ليدل وسكوت: بروتوس، أمبروتوس، أمبروسيا؛ سميث، نحو اليونانية، 130.

  5. الشمال: «خداع غيلفي»، 26؛ «نثر الشعر» 2 و30.

  6. الصين: «كتاب الجبال والبحار»، الباب 11؛ «هواينان تسي»، الباب 6.

  7. التوراة والقرآن والمعاجم: التكوين 3: 22؛ طه 120، الأعراف 20؛ معجم براون ودرايفر وبرِغز: أكل، الموت، شاب، صغر؛ معجم لين: شيب، صغر، عمر، مرت، سمم، قطر، نقط، خلد؛ قلف في المعاجم العربية.