ملخص
كارمِنْتا عرّافة من أركاديا وأمّ إيفاندر، صارت عند الرومان ربّةً تُدعى للولادة، ولها عيد في يناير وباب في سور روما يحمل اسمها. وهي في «الأعياد» لأُوفِيد امرأة إذا دخلت روحَها نارُ الإله أنشدت شعراً تتنبّأ فيه، فتنبّأت لابنها بما سيصيبهما من البلاء، فلمّا نُفي معها من أركاديا وبكى قالت له: كفكف دمعك واحتمل حظّك كالرجال، ما نُفيت لذنب، وإنّما غضب عليك إله، وقد صبر قبلك قدموس الذي طُرد من صور فنزل منفيّاً في بلاد اليونان، وكلّ أرض وطن للشجاع كما البحر وطن للسمك.
فلمّا دخلت سفينتهما نهر التيبر رأت كارمنتا الضفّة والأكواخ المتفرّقة، فوقفت عند مؤخّر السفينة بشعر مرسل، وأمسكت يد المجدّف، ومدّت ذراعيها نحو الضفّة اليمنى، وضربت سطح السفينة بقدمها ثلاث مرّات، وكاد إيفاندر لا يمنعها من القفز إلى الأرض. ثم قالت: السلام عليكم يا آلهة الأرض الموعودة، وعليكِ يا أرضاً ستعطي السماء آلهة جديدة. أتُخفي هذه التلالَ أسوارٌ عظيمة، ومن هذا الموضع تأخذ الأرض كلّها شريعتها؟ ستأتي سفن الطرواديين، وستكون امرأةٌ سبب حرب جديدة. ثم نادت حفيدها: يا بالاس، لماذا تلبس هذا السلاح المشؤوم؟ ثم تنبّأت بـإينياس يحمل مقدّسات طروادة وأباه، وبأسرة أغسطس، وبأنّها هي نفسها ستُعبد على مذابح دائمة. الأعياد 1.497–542. وتنبّأت لابنها بأنّ هرقل سيصير من الآلهة وبأنّ مذبحاً عظيماً سيُقام له في هذا الموضع، فلمّا قتل هرقل كاكوس عرفه إيفاندر بنبوءة أمّه. ويقول لِيفِيُوس إنّ أهل تلك الناحية عظّموا إيفاندر لأنّه جاءهم بعجيبة الكتابة، وعظّموه أكثر لأنّهم عدّوا أمّه ربّة تتنبّأ قبل أن تأتي العرّافة سِيبِل إلى إيطاليا.
ويقول هِيجِينُوس في باب «أوّل المخترعين» إنّ الحروف اليونانية حملها هرمس إلى مصر، وحملها قدموس من مصر إلى بلاد اليونان، ثم حملها إيفاندر منفيّاً من أركاديا إلى إيطاليا، فغيّرتها أمّه كارمنتا إلى حروف لاتينية عددها خمسة عشر.
ولها عيد اسمه الكارمِنْتاليا في الحادي عشر والخامس عشر من يناير. ويروي أوفيد أنّ نساء روما كنّ يركبن عربات تُسمّى كارْپِنْتا، فلمّا مُنعن منها امتنعن عن الحمل، فردّ إليهنّ مجلس الشيوخ حقّهنّ، وجعل لكارمنتا عيدين ليولد البنون والبنات. ولا يدخل الجلد معبدها حتى لا تتنجّس نارها بجلود الحيوان المذبوح. ويُدعى معها اسمان: پُورِّيما التي تغنّي ما مضى، وپُوسْتْڤِيرْتا التي تغنّي ما سيأتي. الأعياد 1.617–636. ويقول بلوتارخ إنّ بعضهم يرى كارمنتا إحدى ربّات القدر التي تتولّى ولادة الناس، ولذلك تعظّمها الأمّهات، وإنّ آخرين يرون أنّها عرّافة إيفاندر الأركادية التي كانت تتنبّأ شعراً فسُمّيت كارمنتا، لأنّ الشعر عند الرومان carmina «كارْمِينا»، وإنّ اسمها الأصلي نِيكُوسْتْراتي.
والفكرة التي تدور عليها أخبارها أنّ كارمنتا هي التي تقول ما سيخرج قبل أن يخرج: تقول لابنها ما سيلقاه في المنفى، وتقول للأرض ما ستصير إليه، وتقول لهرقل إنّه سيصير من الآلهة، وتقف عند الأمّ يوم الولادة. والكلام عندها منظوم، ولهذا يرجع الرومان اسمها إلى carmen «كارْمِن»، أي الشعر المنشد والصيغة المقدّسة. ثم تحوّل الكلام المنطوق إلى حروف مكتوبة، فتصير هي التي تعطي اللاتين حروفهم.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي قراءةً مقترحة على المنهج، إذ لا تقرؤه مقالات المشروع: Carmenta «كارْمِنْتا» من carmen «كارْمِن»، أي النشيد، كما يقول أوفيد نفسه. ويقول دِه ڤان إنّ carmen أصله *canmen «كَنْمِن»، تغيّرت فيه النون الأولى راءً حتى لا تتكرّر النون، و-men «ـمِن» لاحقة، والجذر can- «كَن»، وهو فعل canō «كانو»، أي غنّى وأنشد. فيبقى من الاسم الكاف والنون، ونقرؤهما «كَهَنَ»: الكاهن في المعاجم العربية من يقضي بالغيب ويخبر عمّا يكون في المستقبل، وكان الكهّان يقولون كلامهم سجعاً. وكارمنتا عند فرجيل «العرّافة المتنبّئة التي أنشدت أوّلاً» مستقبل روما، وعند بلوتارخ عرّافة تتنبّأ شعراً. والهاء العربية تقع في الموضع الذي يضع فيه دِه ڤان حرفاً حلقياً في أصل الفعل الهندي الأوروبي *kh₂n- «كْحْن»، أي أنشد.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| Carmentis، Carmenta | كارْمِنْتِس، كارْمِنْتا | اسمها، بصيغتين عند لويس وشورت |
| Carmentālia | كارْمِنْتالْيا | عيدها في الحادي عشر والخامس عشر من يناير |
| carmen | كارْمِن | النشيد والصيغة المنظومة، ومنه اسمها عند أوفيد وبلوتارخ |
| *canmen | كَنْمِن | الصيغة الأقدم التي يقدّرها دِه ڤان |
| canō | كانو | أنشد وغنّى، وأقدم شاهد له في نشيد الساليّين |
| Θεσπιῳδός | ثِسْپِيُودُوس | «المنشدة بالنبوءة»، ترجمة ديونيسيوس لاسمها |
| كاهن، كَهانة | كاهِن، كَهانة | العربية التي نقرأ بها الاسم |
يجعل دِه ڤان carmen من *canmen، ويقول إنّ أقدم شاهد للفعل canō في «نشيد الساليّين»، النشيد الذي كان كهنة مارس يغنّونه وهم يحملون التروس التي نزلت في عهد نوما. وفي الأصل الهندي الأوروبي يتردّد بين kh₂n- بحرف حلقيّ بين الكاف والنون، وkan- بلا حرف حلقيّ، ويقول إنّ الصيغة الثانية لا تكون هندية أوروبية. فإن صحّت الأولى كان في أصل الكلمة ثلاثة حروف: كاف، ثم حرف حلقيّ، ثم نون، وهي حروف «كَهَنَ» على ترتيبها. والحروف الحلقية لا تبقى في اللاتينية، كما تقول جداول منهج جذور في العين والحاء والخاء. والكاف اللاتينية c تقابل الكاف العربية.
وفي تاج العروس: كَهَنَ له، أي قضى له بالغيب. ويقول ابن الأثير إنّ الكاهن يتعاطى الخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ويدّعي معرفة الأسرار، ويقول الفتّني إنّ الكهّان كانوا يروّجون أقوالهم بأسجاع تروق السامعين. وفي العبرية كُوهِين، أي الكاهن الذي يخدم المذبح. فالكلمة في العربية علم بالغيب يُقال بكلام موزون، وفي العبرية خدمة في المعبد، وكارمنتا تجمع الأمرين: تتنبّأ شعراً، ولها كاهن خاصّ بها في روما. أمّا حدّ القراءة فإنّ الفعل اللاتيني معناه الإنشاد، والعربي معناه الإخبار بالغيب، ويلتقيان في الكلام المنظوم الذي يقال فيه الغيب. ويذكر بلوتارخ تفسيراً لاتينياً آخر يجعل الاسم من carens mente «كارِنْس مِنْتِه»، أي الفاقدة عقلها، لما كان يصيبها من الوجد عند النبوءة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الباب والمذبح
يمشي إيفاندر بإينياس في البالاتين فيريه مذبح كارمنتا والباب الذي يسمّيه الرومان «باب كارمنتا»، ويقول فرجيل إنّه تكريم قديم للحوريّة العرّافة التي أنشدت أوّلاً مستقبل أبناء إينياس ومجد بالَّنْتِيُوم. ومن هذا الباب خرج آل فابيوس إلى حربهم التي هلكوا فيها، فصار الرومان يسمّونه «الباب المشؤوم».
ثيميس عند ديونيسيوس
يقول ديونيسيوس إنّ إيفاندر ابن هرمس وحوريّة من أركاديا يسمّيها اليونان ثيميس ويقولون إنّها كانت ملهمة، ويسمّيها مؤرّخو روما بلغتهم كارمنتا، وإنّ الأركاديين اختاروا تلّ البالاتين بمشورتها، وبنوا معبد پان الليكي في كهف اللوبركال بأمرها.
كارمنتان
ويذكر معجم لويس وشورت عن فارُّو أنّ الرومان عبدوا كارمنتين اثنتين باسمين خاصّين، پُوسْتْڤِيرْتا وپْرُورْسا، أي الناظرة إلى الخلف والناظرة إلى الأمام، وهما عند أوفيد پُوسْتْڤِيرْتا وپُورِّيما، التي تغنّي ما سيأتي والتي تغنّي ما مضى.
القراءة الرمزية
لا تقرأ مقالة إعادة القراءة الرومانية كارمنتا، لكنّها تقرأ أساطير التأسيس على أنّها تاريخ مرمَّز للمدينة: رومولوس القوّة العسكرية، وفيستا الأرض المقدّسة. وعلى هذا الوجه تكون كارمنتا ذاكرة المدينة قبل أن تكون مدينة: امرأة غريبة تقف على ضفّة التيبر وتقول ما سيقوم عليها، وتعطي أهلها حروفاً يكتبون بها. ويأخذ عيدها النساء والولادة، فتجتمع عندها ولادة الطفل وولادة المدينة.
التوازيات عبر الحضارات
ربّة الكتابة في سومر هي نيسابا، ربّة الحبوب والكتابة، «كبيرة كتبة آن»، وكان الكتّاب يختمون ألواحهم بقولهم «الحمد لنيسابا». وكارمنتا مثلها امرأة تجمع الكتابة إلى الخصب، إلّا أنّ نيسابا تحفظ الحساب والسجلّات، وكارمنتا تنقل الحروف وتتنبّأ.
وسلسلة هيجينوس تبدأ بهرمس، وهو عند المصريين تحوت كاتب الآلهة، وتمرّ بـقدموس الذي يقول هيرودوت إنّ الفينيقيين الذين جاؤوا معه علّموا اليونان الحروف، وتنتهي بكارمنتا. وأوفيد نفسه يقرن منفى إيفاندر بمنفى قدموس من صور، فالحروف في القصّتين تسافر مع المنفيّين.
ويشبه دور كارمنتا عند الولادة دور تاورت المصرية التي تحرس الأمّ والطفل، وإن كانت تاورت تُرسم فرس نهر حاملاً وتطرد الشرّ عن الولادة، وكارمنتا لا صورة لها في النصوص إلّا صوتها وهي تتنبّأ. ويجعلها بلوتارخ إحدى ربّات القدر عند الولادة، كما تقسم المويرات للإنسان نصيبه يوم يولد. وهي من أبطال الحضارة الذين يعطون الناس الكتابة.