ملخص
پان معبود الرعاة والقطعان عند الإغريق، وموطنه أَرْكادْيا، بلاد الجبال في وسط الپيلوپونيز. هو ابن هرمس، له قدما تيس وقرنان ولحية، يسكن قمم الجبال والغابات، ويعزف على مزمار من القصب.
وأتمّ خبر لمولده في النشيد الهوميري التاسع عشر. جاء هرمس إلى أركاديا، أرض الينابيع وأمّ القطعان، فرعى الغنم أجيراً عند رجل من البشر، لأنّه أحبّ ابنة دْرِيُوپْس وأراد أن يتزوّجها. فولدت له ابناً عجيب المنظر، بقدمي تيس وقرنين، كثير الضجيج والضحك، فلمّا رأت المرضع وجهه ولحيته خافت وقفزت هاربة وتركته. فأخذه هرمس فلفّه في جلود أرانب الجبل، وصعد به إلى الآلهة، ووضعه بجانب زيوس، ففرحوا به كلّهم، وفرح به ديونيسوس أكثر منهم، فسمّوه پان «لأنّه أفرح قلوبهم جميعاً». ويصف النشيد حياته: يطوف القمم المكسوّة بالثلج والصخور، ويصعد إلى أعلى ذروة يشرف منها على القطعان، ويصيد الوحش، فإذا رجع من الصيد في المساء عزف على مزماره لحناً لا يفوقه طائر الربيع، وترقص معه حوريات الجبل عند نبع ماؤه داكن، وتنوح إِيكُو، أي الصدى، على رأس الجبل.
ويروي أوفيد كيف صار له المزمار. كانت سِيرِنْكْس حورية من جبل نُونَاكْرِيس في أركاديا، تتبع أرتميس وتلبس لباسها وتنذر نفسها للعذرية، فرآها پان راجعة من جبل ليكايون فلحقها، فهربت حتى بلغت نهر لادُون فمنعها ماؤه، فدعت أخواتها الحوريات أن يغيّرن صورتها، فلمّا أمسكها پان وجد في يديه قصب المستنقع بدل جسدها، فتنهّد، فجرت الريح في القصب بصوت كالأنين، فقال: هذا ما يبقى بيني وبينك. فوصل قصبات مختلفة الطول بالشمع، وسمّى المزمار باسمها. والقصّة يحكيها هرمس نفسه لأَرْگُوس الحارس ذي العيون الكثيرة، يريد أن ينيمه ليقتله.
والفكرة التي يدور عليها خبره حياة القطيع في الجبل. فالمعبود يمشي مع الغنم، ويشرف عليها من الذروة، ويصيد، ويعزف حين ينتهي العمل، وهو كائن بين الإنسان والتيس، تهرب منه المرضع وتفرح به الآلهة. ويظهر للناس فجأة في المواضع الخالية: يسمع العدّاء صوته في الجبل، ويسمع البحّارة خبر موته من جزيرة، كما في السرديات أدناه.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Πάν / Pan «پَان»، وجمعه Πᾶνες «پانِس»، إذا رفعنا علامة الإعراب بقي «پَن». ويضع المقال الروماني في هذا المشروع پان الإغريقي مقابل فاونوس الروماني، ويقرأ الاثنين من «فنّ». والپاء اليونانية تقابل الفاء العربية، كما في قراءة پاندورا في هذه الموسوعة. وفي معجم لين للمادّة معنى يوافق راعي القطعان مباشرة: «فَنَّ الإبلَ» طردها وساقها، و«افتنّ الحمارُ بأُتُنه» أخذ يسوق إناثه يميناً وشمالاً، مستقيماً ومنحرفاً. ومنها «الفَنَن» الغصن، والشجرة «الفنّاء» الكثيرة الأغصان. فپان على هذه القراءة سائق القطيع الذي يطرده في الجبل يميناً وشمالاً، وساكن الأغصان. وحدّ القراءة في الجذر اللغوي.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
| Πάν، Πανός | پَان، پانُوس | اليونانية | پان، وصيغة الإضافة |
| Πάονι | پَاوُنِي | الأركادية | «لپان»، صيغة غير مدغمة في نقش من القرن السادس قبل الميلاد |
| πᾶν، πάντες | پان، پانْتِس | اليونانية | الكلّ، الجميع |
| σῦριγξ | سِيرِنْكْس | اليونانية | المزمار، واسم الحورية |
| Faunus | فاوْنُوس | اللاتينية | فاونوس |
| فَنَّ، افتنّ | العربية | ساق الإبل وطردها؛ ساق الحمار أُتُنه يميناً وشمالاً | |
| فَنَن، أفنان | العربية | الغصن، والأغصان |
يذكر معجم ليدل وسكوت أنّ إعراب الاسم Πανός «پانُوس» في الإضافة وΠανί «پانِي» في الجرّ، ويذكر صيغة غير مدغمة هي Πάονι «پَاوُنِي» في نقش من مِلْپِيَا في أركاديا من القرن السادس قبل الميلاد، ويذكر بيت النشيد الذي يشتقّ الاسم من πᾶσιν «پاسِين»، أي «الجميع»، لأنّ الطفل أفرح قلوب الآلهة جميعاً.
ونقرأ «پان» من «فنّ»: الپاء فاء، والنون نون، والنون في العربية مضعّفة. وفي معجم لين: فنّ الإبلَ يفنّها فنّاً، أي طردها، وافتنّ الحمار بأُتُنه، أي أخذ يطرد إناثه يميناً وشمالاً، مستقيماً ومنحرفاً. والنشيد يجعل پان صاحب القطعان الذي يصعد ليشرف عليها ويطوف الجبال «هنا وهناك» بين الأدغال. ومن المادّة نفسها الفَنَن، غصن الشجرة، وجمعه أفنان، والشجرة الفنّاء الكثيرة الأغصان، وأوفيد يصف پان «ورأسه مكلّل بالصنوبر». ومن المادّة أيضاً الفنّ، الضرب والنوع، وهو ما قرأ به المقال الروماني اسم فاونوس، والقراءة هنا تجمع الثلاثة كما جمعتها صفحة فاونوس.
وحدّ القراءة أنّ أقدم صيغة مكتوبة للاسم، Πάονι «پَاوُنِي»، تجعله Πάων «پَاوُون»، وفي اليونانية أسماء كثيرة تنتهي بـ-ων «ـوُن»، فقد تكون النون من اللاحقة لا من الاسم، فلا يبقى منه إلّا «پا»، والفنّ يحتاج النون أصلاً. ويبقى اشتقاق النشيد من πᾶν «پان»، الكلّ، وهو لعب بالكلمة كما يلعب نشيد أبولو باسم پيثو، والصفحة تقرأ πᾶν نفسها «فنّ» في اسم پاندورا.
السرديات الأسطورية الرئيسة
پان في ماراثون
حين نزل الفرس في ماراثون أرسل قادة أثينا العدّاء فِيلِيپِّيدِس إلى إسبرطة يطلب العون، فقال بعد رجوعه إنّه لقي پان في جبل پارثينيون فوق تيغيا، فناداه باسمه وقال له: قل للأثينيين لماذا لا يلتفتون إليّ، وأنا أريد لهم الخير، ونفعتهم مراراً، وسأنفعهم بعد. فصدّقه الأثينيون، فلمّا استقام أمرهم بنوا لپان مقاماً تحت الأكروپوليس، وصاروا يقدّمون له القرابين كلّ عام ويقيمون له سباقاً بالمشاعل. ويذكر پاوسانياس قرب سهل ماراثون تلّ پان وكهفه، وفي داخله حجارة تشبه التيوس يسمّيها الناس «قطيع پان».
موت پان العظيم
يروي پلوتارخ عن معلّمه إِپِيثِرْسِيس أنّه ركب سفينة إلى إيطاليا، فسكنت الريح مساءً قرب جزر الإيخيناديس، وانجرفت السفينة قرب جزيرة پاكْسِي، فسمع الركّاب صوتاً من الجزيرة ينادي «ثاموس»، وكان ثاموس ربّاناً مصرياً لا يعرف أكثرهم اسمه. فلم يجب مرّتين، وأجاب في الثالثة، فقال الصوت: إذا بلغت پالُودِيس فأعلن أنّ پان العظيم قد مات. فتشاور الركّاب، وعزم ثاموس أن يسكت إن هبّت ريح، وأن يقول ما سمع إن سكنت. فلمّا بلغ الموضع لم تكن ريح ولا موج، فنادى من مؤخّر السفينة نحو البرّ: «پان العظيم قد مات». فما أتمّ كلامه حتى ارتفع نواح عظيم، لا من واحد بل من كثيرين، مختلطاً بصيحات العجب. وبلغ الخبر روما، فاستدعى تِيبِيرْيُوس ثاموس، وأمر بالسؤال عن پان، فقال العلماء في بلاطه إنّه ابن هرمس وپينيلوپي.
پان في مصر
يقول هيرودوت إنّ أهل مِنْدِيس في الدلتا لا يذبحون الماعز، لأنّهم يعدّون پان من الآلهة الثمانية الذين كانوا قبل الاثني عشر، ويصوّرونه برأس تيس ورجليه كما يصوّره الإغريق، ويقدّسون التيوس، فإذا مات التيس الأقدس أقاموا عليه حداداً عظيماً، و«منديس» في لسانهم اسم التيس واسم پان معاً. ويقول إنّ پان عند الإغريق من أصغر الآلهة، وعند المصريين من أقدمهم. وقد قرن اليونان مين معبود أخميم بپان، فسمّوا مدينته پانوپوليس.
القراءة الرمزية
تضع المقالة الإغريقية في هذا المشروع پان بين الأسماء التي تحمل ظواهر الطبيعة، فتقرؤه «الرعي الجبلي»، وتقرأ ما يُنسب إليه من ذعر مفاجئ، الذي سُمّي باسمه في اللغات الأوروپية «پانِيك»، صدى الأصوات في الجبال، حين يُسمع الصوت ولا يُرى صاحبه. والنشيد نفسه يجعل الصدى معه: إذا عزف في المساء ناحت إيكو على رأس الجبل.
التوازيات عبر الحضارات
قرن الرومان فاونوس، معبود الغابة والقطعان الذي يتكلّم من الأشجار، بپان الإغريقي. ويقول ليفيوس إنّ إيفاندر الأركادي أقام في روما عيداً يجري فيه الشبّان عراة تعظيماً لپان الليكي الذي سمّاه الرومان إينُوُوس، وهو عيد اللوبركاليا في كهف اللوپركال، وخبر إيفاندر في إيفاندر وكاكوس.
وفي مصر قرن اليونان پان بـمين، معبود الخصب والصحراء الشرقية في قفط وأخميم، وجعل أهل منديس پان من أقدم الآلهة كما تقدّم.
وفي خبر موت پان نواح كثيرين على معبود ميت، كما يُبكى دموزي وأدونيس في الإله الذي يموت ويقوم. ويفترق عنهما في أنّ النصّ لا يذكر لپان رجوعاً.