الرئيسية/الكيانات/إيفاندر وكاكوس

إيفاندر وكاكوس

قصص تشترك فيهاالمحتال

ملخص

إيفاندر رجل من أركاديا في بلاد اليونان نُفي منها، فجاء إلى إيطاليا قبل حرب طروادة بستّين سنة ونزل على تلّ البالاتين حيث ستقوم روما، وكاكوس وحش نصفه إنسان كان يسكن كهفاً في الأفنتين، فقتله هرقل حين سرق بقره. وأمّ إيفاندر هي كارمنتا العرّافة، ويجعل ديونيسيوس أباه هرمس. خرج من وطنه بعد فتنة غُلب فيها حزبه، فقالت له أمّه: لا تبكِ، ليس هذا عقاباً على ذنب، وكلّ أرض وطن للشجاع. فلمّا دخلت سفينته نهر التيبر رأت كارمنتا الشاطئ فحيّته، وتنبّأت بأنّ هذه التلال ستصير سيّدة الأرض. فاستقبلهم فاونوس ملك البلاد وأعطاهم من الأرض ما أرادوا، فبنوا قرية سمّوها بالَّنْتِيُوم باسم مدينتهم في أركاديا، ومنها جاء اسم البالاتين.

ثم جاء هرقل يسوق بقر غيريون الذي أخذه من جزيرة إريثيا في أقصى الغرب. عبر التيبر بالقطيع، فوجد مرعى أخضر، فأراح البقر ونام وقد أثقله الطعام والخمر. وكان في الأفنتين كهف بعيد الغور لا تدخله الشمس، يسكنه كاكوس، ابن فولكان، يخرج من فمه نار سوداء، والأرض أمام كهفه ندية بدم القتلى، ورؤوس الرجال معلّقة على بابه. فأعجبه البقر، فأخذ منه أربعة ثيران وأربع عجلات، وجرّها من أذنابها إلى كهفه حتى تكون آثار حوافرها متّجهة إلى خارج الكهف، فلا يجد من يتبع الأثر شيئاً. فلمّا أراد هرقل الرحيل خار البقر السائر، فأجابته عجلة محبوسة من داخل الكهف. فغضب هرقل وأخذ هراوته وصعد الجبل، فرآه كاكوس فخاف لأوّل مرّة وفرّ إلى كهفه كأنّ الخوف أعطى قدميه أجنحة، وكسر السلاسل فأسقط على الباب صخرة كان أبوه قد علّقها هناك. فطاف هرقل بالجبل ثلاث مرّات يطلب مدخلاً، ثم دفع الصخرة القائمة فوق الكهف حتى اقتلعها من أصولها وألقاها نحو النهر، فانكشف الكهف وانفتح كأنّ الأرض انشقّت عن العالم السفلي. فرماه هرقل بالسهام والحجارة، فنفث كاكوس دخاناً كثيفاً ملأ الكهف ظلاماً، فقفز هرقل في وسط الدخان والنار، وأمسكه وعصره حتى خرجت عيناه وجفّ حلقه، ثم أخرج البقر وجرّ الجثّة من رجليها.

وكان إيفاندر يحكم تلك الناحية بمكانته لا بسلطانه، يعظّمه الناس لأنّه جاءهم بعجيبة الكتابة وهم لا يعرفون الصنائع، ولأنّهم عدّوا أمّه كارمنتا ربّةً تتنبّأ. فلمّا اجتمع الرعاة حول الغريب يتّهمونه بالقتل، سأله إيفاندر عن اسمه وأبيه وبلده، فلمّا عرفه قال: السلام عليك يا هرقل ابن جوبيتر، أخبرتني أمّي أنّك ستكون من الآلهة، وأنّ مذبحاً سيُقام لك هنا تسمّيه أعظم أمم الأرض «المذبح الأعظم» وتخدمه على طريقتك. فقبل هرقل الفأل، وبنى المذبح، وذُبحت له أوّل ذبيحة، وتولّت خدمته أسرتان من أهل المكان، بُوتِيتْيُوس وبِينارْيُوس.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ روما قبل روما كانت قرية لغرباء: منفيّ يوناني يحمل الكتابة، وأمّ تتنبّأ، وبطل عابر يسوق بقراً من آخر الأرض، ولصّ يعيش في كهف ويقلب الأثر. فاللصّ يقلب الطريق ليُخفي البقر، والبقر نفسه يكشفه بخواره، والبطل يكشف الكهف للنور. وما يبقى من القصّة مذبح في سوق البقر، وأسرتان تخدمانه، وعيد يُذكر فيه هرقل كلّ سنة.

أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي قراءة مقترحة على المنهج، إذ لا تقرؤهما مقالات المشروع. Εὔανδρος / Euandros «إيوانْدْرُوس» اسم يوناني مركّب معناه في اليونانية «الرجل الصالح»: εὐ «إِيو» أي حسناً، وἀνήρ «أَنِير» أي الرجل، و-ος «ـوس» علامة الرفع. والدال في ἀνδρ- «أَنْدْر» صوت نشأ بين النون والراء، ففي هوميروس ἀνέρα «أَنِيرا» بلا دال، فيبقى من الكلمة الهمزة والنون والراء، وهي حروف «أَنار»: أنار الشيء أضاءه، ويقول المحكم: أنرتُ الثوب وهنرته جعلت له عَلَماً، أي خطّاً يُعرف به، ونِيرُ الطريق ما يتّضح منه. وإيفاندر في قصّة ليفيوس هو الذي جاء الناس بعجيبة الكتابة، أي بعلامات تُوضّح الكلام. وكاكوس Cācus «كاكُس» بلا -us «ـُس» يبقى «كاك»، بألف طويلة بعد الكاف الأولى، ونقرؤه «كَعْكَعَ»: يقول ابن الأثير إنّ «تكعكع» أحجم وتأخّر إلى وراء. والعين تسقط في اللاتينية أو تصير حركة، فطالت الألف حيث سقطت العين الأولى. وكاكوس في القصّة يسوق البقر إلى الوراء، ثم يفرّ خائفاً إلى كهفه ويسدّ بابه.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
Εὔανδρος إيوانْدْرُوس الاسم اليوناني المركّب
Euander، Evandrus إيوانْدِر، إيوانْدْرُس الاسم عند الرومان؛ لويس وشورت: «Evander أقلّ صحّة»
ἀνήρ، ἀνέρα، ἀνδρός أَنِير، أَنِيرا، أَنْدْرُوس الرجل: الرفع، النصب القديم عند هوميروس، الإضافة
Cācus كاكُس الاسم اللاتيني بألف طويلة
Κᾶκος كاكُوس الصيغة اليونانية عند لويس وشورت، بألف طويلة
κακός كَكُوس «السيّئ» في اليونانية، بفتحة قصيرة

يقول بيكس إنّ εὐ «إِيو» أصله الهندي الأوروبي *h₁su- أو *uesu-، أي «الحسن»، والسين فيه سقطت في اليونانية فلم يبق منه صامت، وإنّ ἀνήρ أصله *h₂ner- «الرجل»، وصيغة النصب القديمة عند هوميروس ἀνέρα بلا دال، فالدال في ἀνδρός «أَنْدْرُوس» دخلت بين النون والراء. فالقراءة تتناول الجزء الثاني وحده، وحروفه في الأصل: علامة الحنجرة التي يضعها بيكس في أوّله، ثم النون، ثم الراء. وفي العربية «أنار» و«هنر» بمعنى واحد عند الجوهري واللحياني، فالهمزة والهاء تتعاقبان في أوّل الكلمة كما تتعاقب علامة الحنجرة والفتحة في أوّل ἀνήρ. يقول ابن سيده: نير الثوب عَلَمه، ونرت الثوب وأنرته جعلت له علماً، ونير الطريق ما يتّضح منه. ويقول لين: أنار الشيء أضاءه، وأناره أوضحه وأظهره. وتجمع هذه المعاني العلامة التي تُبين الشيء وتظهره، وهي تلتقي بما يرويه ليفيوس عن إيفاندر: رجل يعظّمه قوم لا يعرفون الصنائع لأنّه جاءهم بالكتابة، وبما يرويه هيجينوس أنّ أمّه كارمنتا جعلت حروف اليونان لاتينية. أمّا حدّ القراءة فإنّ ἀνήρ في اليونانية تعني «الرجل» لا «النور»، والمعنى العربي هنا مختار من القصّة. وفي صفحة كاسندرا قراءة لـ-ανδρ- «-انْدْر-» من «نذير» تجعل الدال أصلاً، والدال كما يبيّن بيكس ليست من أصل الكلمة.

ويكتب معجم لويس وشورت Cācus بألف طويلة ويقابله باليونانية Κᾶκος «كاكُوس»، والكلمة اليونانية κακός «كَكُوس»، أي السيّئ، بفتحة قصيرة، فلا تكون هي الاسم إلّا بتغيير الحركة. ويذكر المعجم كلمة لاتينية أخرى căcus «كَكُس» بمعنى الخادم، بفتحة قصيرة، ويقول لعلّها من κακός. والقراءة العربية تأخذ الألف الطويلة دليلاً: في «كعكع» عينان، والعين في جدول اللاتينية في منهج جذور تسقط أو تصير حركة، فسقطت الأولى وطالت الحركة قبلها، وسقطت الثانية قبل علامة الرفع -us «ـُس». يقول ابن الأثير في النهاية: تكعكعتَ، أي أحجمت وتأخّرت إلى وراء، ويقول سالمون: كعكع حبس وأفزع، والكُعكُع الجبان. وكاكوس في الإنيادة يسوق البقر من أذنابها «فتنقلب علامات الطريق»، ثم «رأيناه خائفاً لأوّل مرّة» فيفرّ إلى كهفه ويسدّ بابه بالصخرة، أي يتأخّر ويحبس.

السرديات الأسطورية الرئيسة

رواية ديونيسيوس

يجعل ديونيسيوس كاكوس لصّاً من أهل المكان لا وحشاً. وجد البقر بلا راعٍ وهرقل نائم، فخبّأ بعضه في كهفه يجرّه من ذيله إلى الوراء. فلمّا جاء هرقل أنكر أنّه رآه، ومنعه من تفتيش الكهف، ونادى جيرانه يشكو عنف الغريب. فساق هرقل بقيّة القطيع إلى باب الكهف، فشمّت البقر المحبوسة رفاقها فخارت، فقتله هرقل بهراوته وهدم الكهف عليه، ثم تطهّر في النهر وأقام مذبحاً لجوبيتر «الكاشف» عند الباب التوأم الثلاثي، شكراً على وجود بقره.

رواية أوفيد

عند أوفيد سُرق ثوران فقط، وكان هرقل ضيفاً في بيت إيفاندر. فلمّا خار المسروقان قال هرقل: قبلت الدعوة. وسدّ كاكوس الباب بصخرة لا تحرّكها عشرة أزواج من الثيران، فدفعها هرقل بالكتفين اللذين حملا السماء يوماً. وقاتل كاكوس بالحجارة والجذوع، ثم لجأ إلى حيلة أبيه فنفث اللهب حتى ظُنّ أنّ تيفون يتنفّس، فضربه هرقل بالهراوة على وجهه ثلاث مرّات وأربعاً، فسقط يقيء دخاناً ودماً. فذبح هرقل ثوراً لجوبيتر ودعا إيفاندر والرعاة، وأقام لنفسه المذبح الأعظم في الموضع الذي يُسمّى فيه جزء من المدينة باسم الثور.

إيفاندر وإينياس

يروي فرجيل قصّة كاكوس على لسان إيفاندر حين يستقبل إينياس وهو يقدّم القرابين لهرقل في يوم عيده، ثم يطوف به في البالاتين، ويحكي له أنّ ساتورن نزل هذه الأرض هارباً من جوبيتر، ويريه مذبح كارمنتا وبابها، والملجأ الذي فتحه رومولوس بعد ذلك، وكهف اللوبركال تحت الصخرة. وتنبّأت كارمنتا بموت حفيدها بالاس، ابن إيفاندر، في حرب الطرواديين.

إيفاندر واللوبركاليا

ويقول ليفيوس إنّ إيفاندر هو الذي أقام على البالاتين عيد اللوبركاليا الذي جاء به من أركاديا، يجري فيه الشبّان عراةً تعظيماً لپان الليكي الذي سمّاه الرومان إينُوُوس.

القراءة الرمزية

تجعل المقالة السامية الرومانية هرقل وجه ملقرت الصوري، وتقول إنّ الرومان عرفوه في الغرب باسم «هرقل القادسي». وفي قصّة كاكوس ما يوافق هذا: البقر الذي يسوقه هرقل إلى روما جاء من إريثيا، والجزيرة يقول عنها أبولودوروس إنّها «تُسمّى اليوم قادس»، وهي موضع أشهر معابد ملقرت في الغرب. فالطريق الذي يمرّ بروما في القصّة طريق تجارة البحر من صور إلى قادس. والمذبح الأعظم يقوم في سوق البقر على التيبر، حيث يلتقي النهر بالطريق.

التوازيات عبر الحضارات

في النشيد الهوميري إلى هرمس يسرق الطفل هرمس خمسين بقرة من قطيع أخيه أپولو ويسوقها إلى الوراء حتى تنقلب آثار حوافرها، ثم يحبسها في حظيرة عالية السقف. فحيلة كاكوس هي حيلة هرمس، وإيفاندر الذي يروي قصّة كاكوس هو ابن هرمس عند ديونيسيوس. والفرق أنّ سرقة هرمس تنتهي بصلح بين أخوين يأخذ فيه أپولو القيثارة، وسرقة كاكوس تنتهي بموته. وهي من قصص المحتال الذي يقلب الأثر.

وفي الرِّغْڤيدا 10.108 تذهب سَرَما، رسولة إندرا، إلى الپَنِيِّين الذين خبّأوا البقر في خزانة «أرضها صخر»، فيقولون لها: من يطلق لك هذه البقر بغير قتال؟ فتقول لهم: ابعدوا، ولتخرج البقر الخائرة كما يأمر الحقّ. فالبقر المحبوس في الصخر، والخوار الذي يخرج به، ورسول البطل الذي يطلبه، تجتمع في قصّة إندرا وفي قصّة كاكوس.

وتبدأ القصّة عند هرقل نفسه في عمله العاشر: يأخذ بقر غيريون، صاحب الأجساد الثلاثة، من إريثيا، ويقتل كلبه وراعيه، ثم يسوقه عبر إيطاليا، فيقول أبولودوروس إنّ إيطاليا سُمّيت باسم ثور فرّ منه، لأنّ الطيرانيين يسمّون الثور «إيتالوس».

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. فرجيل، الإنيادة 8، النصّ اللاتيني.

  2. ليفيوس، تاريخ روما 1.5–7، ترجمة إنجليزية.

  3. أوفيد، الأعياد 1.

  4. ديونيسيوس الهاليكارناسي، الآثار الرومانية 1.31–40.

  5. أبولودوروس، المكتبة 2.5.10؛ النشيد الهوميري إلى هرمس؛ الرغڤيدا 10.108.

  6. هيجينوس، الحكايات 277.

  7. لويس وشورت، كاكوس، وكَكُس؛ بيكس، المعجم الاشتقاقي لليونانية.

  8. المحكم واللسان، نير؛ معجم لين، نور؛ النهاية وسالمون، كعكع.