الرئيسية/الكيانات/اللوبركاليا

اللوبركاليا

قصص تشترك فيهاالتوائم الإلهية

ملخص

اللوبركاليا عيد روماني يقع في الخامس عشر من فبراير، بعد منتصف الشهر بيومين، يبدأ عند كهف اللوبركال في سفح تلّ البالاتين، حيث أرضعت الذئبة رومولوس وريموس. يذبح الكهنة، ويسمّون اللوبركي، معزاً وكلباً، ثم يُؤتى بشابّين من الأشراف، فيمسّ بعضهم جبهتيهما بسكّين ملطّخة بالدم، ويمسحها آخرون في الحال بصوف مبلول باللبن، ويجب على الشابّين أن يضحكا. ثم يقطعون جلود المعز سيوراً ويجرون في المدينة عراةً إلّا من حزام، يضربون بالسيور كلّ من يلقونه، والنساء لا يتجنّبن الضرب لأنّهنّ يرين أنّه يعين على الحمل وييسّر الولادة.

ويرجع الرومان العيد إلى زمن قبل روما. يقول لِيفِيُوس إنّ إيفاندر الأركادي أقامه على البالاتين، عيداً يجري فيه الشبّان عراةً لاعبين تعظيماً لـپان الليكي الذي سمّاه الرومان إينُوُوس، وإنّ اللصوص كمنوا للشبّان وهم في العيد، فدافع رومولوس عن نفسه وأُسر ريموس. ويقول ديونيسيوس إنّ الأركاديين بنوا هيكل پان بأمر أمّ إيفاندر كارمنتا في كهف كبير تحت التلّ، تغطّيه غابة كثيفة، وتخرج من تحت صخوره عيون عميقة، وإنّ الرومان سمّوه اللوبركال.

ويجمع أُوفِيد في «الأعياد» أسباب العيد كلّها. فالكهنة يجرون عراة لأنّ پان إله القطعان في أركاديا يحبّ الجري في الجبال عارياً، ولأنّ الأركاديين الأوّلين كانوا يعيشون في العراء بلا ثياب. ويجرون عراة أيضاً لأنّ فاونوس خدعته الثياب حين أراد أُومْفالي ليلاً فوجد هرقل في ثوبها، فصار يكره الثياب التي تخدع العين. ويجرون لأنّ رومولوس وريموس كانا يتمرّنان عاريين في يوم ذُبحت فيه عنزة لفاونوس، فصاح راعٍ إنّ اللصوص يسوقون البقر، فخرج الأخوان عاريين في طريقين، فلحق ريموس ومعه آل فابيوس باللصوص وردّ الغنيمة، وأكل الأحشاء قبل أن يرجع رومولوس ومعه آل كوينتيليوس. ثم يحكي أوفيد الذئبة: أُلقي التوأمان في التيبر وقد فاض، فاستقرّت السلّة عند شجرة التين، فجاءت ذئبة وضعت جراءها حديثاً فأرضعتهما ولحستهما بلسانها، «فأعطت الذئبة اسمها للموضع، وأعطى الموضع اسمه للّوبركي». وآخر الأسباب قصّة النساء اللاتي لم يكنّ يلدن في عهد رومولوس، فذهبن إلى غابة جونو تحت الإسكيلين، فاهتزّت رؤوس الشجر، وقالت الربّة: «ليدخل التيس المقدّس على نساء إيطاليا»، فذبح عرّاف من إتروريا تيساً، وأمر النساء أن يعرضن ظهورهنّ للضرب بسيور من جلده، فولدن بعد عشرة أشهر.

وبقي العيد إلى زمن قيصر. يقول بلوتارخ إنّ الشبّان الأشراف والقضاة كانوا يجرون فيه في المدينة، وكانت نساء من علية القوم يقفن في طريقهم ويمددن أيديهنّ للضرب كما يمدّ الصبيّ يده في المدرسة، يرجون للحامل ولادة سهلة وللعاقر الحمل. وفي إحدى السنين كان أنطونيوس القنصل بين الجارين، فدخل الساحة يحمل تاجاً ملكيّاً ملفوفاً بإكليل من الغار، ومدّه إلى قيصر الجالس على عرش من ذهب، فدفعه قيصر فصفّق الناس، ثم مدّه ثانيةً فدفعه ثانيةً فصفّق الناس كلّهم.

والفكرة التي يدور عليها العيد أنّه يرجع كلّ سنة إلى أوّل حياة المدينة: الكهف الذي فيه الماء، والذئبة التي أعطت الطفلين لبنها الأوّل، والدم الذي كاد يُراق. ولهذا يقول بُوتاس، فيما ينقل بلوتارخ، إنّ السكّين الملطّخة على جبهتي الشابّين ذكرى الخطر الذي نجا منه الطفلان، وإنّ اللبن ذكرى الرضاع. ثم يخرج الجارون من الكهف ويطوفون بالقرية يضربون بجلد الذبيحة، فيكون الطواف تطهيراً لأهلها كما يقول ديونيسيوس، ويكون الضرب طلباً للولد. فالعيد يجمع ما يفعله الحيوان بالأطفال، الإرضاع والحفظ، إلى ما يرجوه الناس لأنفسهم: أن يطهروا وأن يلدوا.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يقول أوفيد إنّ اسم الموضع من lupa «لُوپا»، أي الذئبة، وإنّ اسم الكهنة من الموضع. وتقرأ المقالة الرومانية في هذا المشروع lupa «لُوپا» «لَبُؤة»، من مادّة ل-ب-أ، وتضع إلى جانبها العبرية لابيء والأكدية لَبُّو، وكلاهما الأسد. وفي المادّة العربية نفسها ما يجمع الأسد إلى قصّة العيد: يقول لين إنّ اللِّبَأ أوّل اللبن عند الولادة، و«لبأت الشاة ولدها» أرضعته لبأها، و«ألبأ الجديَ» شدّه إلى طرف ضرع أمّه ليمصّ اللبأ. فالمادّة تسمّي الأنثى المفترسة، وتسمّي اللبن الأوّل الذي تعطيه الأمّ وليدها، وهذا ما فعلته الذئبة عند اللوبركال. واللام لام، والپاء اللاتينية تقابل الباء العربية لأنّ العربية لا پاء فيها، والهمزة في آخر الكلمة لا تبقى في اللاتينية.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
lupus، lupa لُوپُس، لُوپا الذئب والذئبة، ولُوپا أيضاً المرأة الفاجرة
Lupercal لُوپِرْكال الكهف تحت البالاتين، بلاحقة المكان -al «ـال»
Lupercus، Luperca لُوپِرْكُس، لُوپِرْكا معبود القطيع والكاهن، وزوجته الذئبة المؤلّهة
Lupercālia لُوپِرْكالْيا العيد، بلاحقة الأعياد -ālia «ـالْيا»
لَبُؤة، لِبَأ لَبُؤة، لِبَأ العربية التي نقرأ بها الاسم
לָבִיא لابيء الأسد في العبرية
labbu لَبُّو الأسد في الأكدية

يجعل معجم لويس وشورت Lupercus «لُوپِرْكُس» من lupus «لُوپُس» ومن arceo «أرْكِيو»، أي ردّ ومنع، ويقول «ربّما» في الثاني، فالكهنة عندهم من يردّ الذئاب عن القطيع. ويقول دِه ڤان إنّ أصل lupus نفسه غير واضح: إرجاعه إلى الكلمة الهندية الأوروبية للذئب *wĺkʷo- «وُلْكْوو» يحتاج إلى افتراضين لا شاهد لهما، قلب الحروف في الإيطالية ثم أخذ اللاتينية الكلمة من لغة سابيلية مجاورة، ويقترح بدلاً منه أصلاً آخر معناه ابن عرس. فالقراءة تتناول lup- «لُوپ» وحده، واللاحقتان -al و-ālia لاحقتا المكان والعيد، و-erc- «ـِرْك» لا تفسير قاطعاً له.

وتعطي المقالة القراءة درجة «راجح»، وتجعل الجذر للأنثى المفترسة المرضعة. وفي العبرية لابيء الأسد واللبؤة، وفي حزقيال 19:2 «لِبِيّا» للّبؤة الأمّ، وفي الأكدية يقول إرّا في ملحمته «في الأرض أنا لَبُّو»، أي أسد. والذي يضيفه المعجم العربي أنّ الجذر نفسه يسمّي أوّل اللبن الذي تعطيه الأمّ وليدها: «اللِّبَأ أوّل اللبن عند الولادة قبل أن يرقّ»، و«لبأت الشاة ولدها» أرضعته اللبأ، و«التبأ» الصغير مصّ أمّه، وفي خبر ولادة الحسن بن عليّ «ألبأه بريقه» أي صبّ ريقه في فمه كما يُصبّ اللبأ في فم الوليد. فالذئبة عند اللوبركال لم تكن مفترسة فقط، وإنّما أنثى وضعت جراءها حديثاً كما يقول أوفيد، فكان لبنها اللبأ، فأعطته الطفلين. وحدّ القراءة أنّ لبؤة العربية أنثى الأسد ولوپا اللاتينية أنثى الذئب، فالجنس واحد والنوع مختلف، كما يتبدّل النوع بين فروع اللسان في أسماء أخرى.

السرديات الأسطورية الرئيسة

العيد والتطهير

يقول بلوتارخ إنّ العيد يبدو عيد تطهير، لأنّه يقع في أيّام فبراير المشؤومة، واسم الشهر يُفسَّر بالتطهير، وكان يوم العيد يُسمّى قديماً «فِبْراتا». ويقول إنّ اسمه يقابل في اليونانية «الليكايا»، عيد الذئاب، فيكون قديماً جاء مع الأركاديين. ويذكر سبب ذبح الكلب: إمّا لأنّ الكلب ذبيحة تصلح للتطهير، كما يحمل اليونان الجراء في طقوس التطهير، وإمّا لأنّه عدوّ الذئاب.

فئتا الجارين

كان اللوبركي فئتين، الفابيّين والكوينتيليّين، ثم أُضيفت إليهما فئة ثالثة باسم يوليوس قيصر، وكانوا أوّل الأمر من الرعاة، ثم دخل فيهم شبّان من أعلى الطبقات. وفي قصّة أوفيد يفوز ريموس ومعه آل فابيوس، ويرجع رومولوس ومعه آل كوينتيليوس فيجد العظام.

ريموس في يوم العيد

يروي ديونيسيوس عن إيليوس توبيرو أنّ رعاة نوميتور عرفوا أنّ الشبّان سيحتفلون بعيد پان، فكمنوا لهم في الطريق الضيّق حين خرجوا من اللوبركال بعد الذبح يطوفون بالقرية عراةً، وقد شدّوا على أوساطهم جلود الذبائح، وكانوا ثلاث فرق، فهجموا على الفرقة الأولى التي فيها ريموس وأسروه.

القراءة الرمزية

تذكر مقالة إعادة القراءة الرومانية للذئبة المرضعة ثلاثة تفسيرات: أنّ لُوپا كانت كلمة رومانية للمرأة الفاجرة أيضاً، فتكون امرأة من هامش المجتمع ربّت أطفالاً متروكين، وهو ما يذكره بلوتارخ عن آكّا لارنتيا امرأة الراعي؛ أو أنّ الذئب رمز القبيلة المؤسّسة؛ أو أنّ الذئبة هي البرّية التي احتضنت المؤسّسين قبل أن تصير مدينة. والعيد يقوّي التفسير الثالث: الكهنة يخرجون من كهف في البرّية تحت التلّ، ويلبسون الجلود، ويطوفون بالقرية مرّة في السنة، فتدخل البرّية المدينة يوماً ثم تخرج.

التوازيات عبر الحضارات

الكهف الذي فيه ماء وأمّ مرضعة موضع مقدّس في أكثر من بلد. في الأمازيغية إيفري هو الكهف، وتجعله المقالة الأمازيغية في هذا المشروع مسكن الأرواح والأسلاف. واللوبركال كهف من هذا النوع: فيه نشأ مؤسّسا روما، ومنه يخرج الكهنة كلّ سنة. والفرق أنّ إيفري موضع يُقصد في الأمازيغية، أمّا اللوبركال فموضع حدث واحد يعيده العيد.

وفاونوس الروماني هو پان الأركادي عند الرومان أنفسهم: يقول أوفيد إنّ إيفاندر حمل معه آلهة الغابة من أركاديا، وإنّ الرومان يعبدون الإله على هذا الأصل، ويقول ليفيوس إنّ الرومان سمّوا پان الليكي إينُوُوس. ويجمع العيد التوأمين الإلهيين إلى الطفل الملقى الذي يرضعه حيوان، كما يُغذّى زيوس بلبن أمالثيا في كهف دِكْتي في كريت.

وفي الشمال يُرشّ دم الذبائح على الناس أنفسهم في قربان البلوت بعصيّ كالمرشّات، بعد أن تُلطّخ به المذابح وجدران المعبد من الداخل والخارج، فيصير الدم علامة على أجساد الحاضرين كما يصير على جبهتي الشابّين في اللوبركاليا؛ انظر البلوت.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. أوفيد، الأعياد 2.267–452.

  2. بلوتارخ، رومولوس 21، وقيصر 61.

  3. ليفيوس، تاريخ روما 1.5؛ ديونيسيوس الهاليكارناسي 1.32، و1.80.

  4. لويس وشورت، لوبركوس، ولوبركال؛ دِه ڤان، المعجم الاشتقاقي للّاتينية.

  5. معجم لين، لبأ؛ براون ودرايفر وبريغز، لابيء؛ إرّا وإيشوم، اللوح الأوّل.

  6. أبولودوروس، المكتبة 1.1.6–7