ملخص
بيكوس Picus «پِيكُس» ملك قديم من ملوك لاتيوم في روايات الرومان، ابن ساتورن وأبو فاونوس وجدّ الملك لاتِينُوس، وكان عرّافاً، ثم صار طائر نقّار الخشب، طائر مارس. ويرى فرجيل تمثاله في قصر لاتينوس بين تماثيل الأجداد: جالساً يمسك بيمينه عصا العرّاف المعقوفة، ويلبس ثوباً قصيراً، ويحمل بيساره ترساً من أتراس الساليّين، وهو مروّض الخيل الذي ضربته كيركي، ويسمّيها فرجيل زوجته، بعصا من ذهب وسقته السمّ فجعلته طائراً ونثرت على جناحيه الألوان.
ويحكي أُوفِيد القصّة في «التحوّلات». كان بيكوس شابّاً جميلاً تحبّه حوريّات الينابيع والأنهار في لاتيوم كلّها، فلم يرد منهنّ أحداً، وتزوّج كانِنْس، ابنة يانوس من الحوريّة فِنِيلْيا، وكان صوتها يحرّك الغابات والصخور ويروّض الوحوش ويوقف الأنهار، ولذلك سُمّيت «المغنّية». وخرج بيكوس يوماً على فرسه يصيد الخنزير البرّي، وكانت كيركي، ابنة الشمس، تجمع الأعشاب في تلك الغابة، فرأته فأحبّته. فصنعت له خنزيراً من خيال جرى أمامه إلى غابة كثيفة لا يدخلها فرس، فترك بيكوس فرسه وتبعه ماشياً، فأظلمت كيركي الجوّ برقاها حتى تفرّق عنه أصحابه. ثم وقفت أمامه وطلبت أن يكون لها، وأن تكون الشمس التي ترى كلّ شيء حماه. فأبى وقال: قلبي لامرأة أخرى، ولن أخون عهد زوجتي ما دامت الأقدار تحفظ لي كانِنْس. فاستدارت كيركي مرّتين نحو الغرب ومرّتين نحو الشرق، ولمسته بعصاها ثلاث مرّات، وأنشدت ثلاث رقى. فهرب بيكوس فوجد نفسه يطير أسرع ممّا عرف، ورأى جناحين في جنبيه، فغضب أن صار طائراً جديداً في غابات اللاتين، فضرب البلّوط البرّي بمنقاره الصلب الجديد وجرح الأغصان. وصار لون ثوبه الأرجواني لون جناحيه، وصارت حلقة الذهب في ثوبه ريشاً ذهبياً حول عنقه، ولم يبقَ له من نفسه الأولى إلّا الاسم. ثم بحثت عنه كانِنْس ستّ ليال وستّة أيّام لا تأكل ولا تنام، حتى انطرحت على ضفّة التيبر تبكي بصوت ضعيف كالبجعة التي تغنّي قبل موتها، فذاب جسمها شيئاً فشيئاً وصار هواءً، وبقي الموضع يُسمّى باسمها.
وبقي بيكوس في روما طائراً يعرف الغيب. يقول بلوتارخ إنّ اللاتين يعظّمون نقّار الخشب ولا يأكلونه، لأنّ بيكوس صار نقّاراً يعطي الوحي لمن يسأله، أو لأنّه حين أُلقي رومولوس وريموس أرضعتهما ذئبة وجاءهما نقّار الخشب بالطعام، أو لأنّه طائر مارس، شجاع جريء، منقاره من القوّة بحيث يُسقط البلّوط ينقره حتى يبلغ جوفه. وفي حلم أمّهما رِيا سِلْفِيا عند أوفيد قام نقّار الخشب، طائر مارس، مع الذئبة يدافعان عن نخلتين توأمين أراد عمّها أن يقطعهما. بلوتارخ، المسائل الرومانية 21، بلوتارخ، رومولوس 4، أوفيد، الأعياد 3.27–54. ثم كان بيكوس مع ابنه فاونوس الإلهين اللذين قيّدهما الملك نوما عند عين الأفنتين حتى علّماه كيف يُنزل جوبيتر من السماء.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ بيكوس ملك عرّاف صار طائر العرافة نفسه. كان في حياته يمسك عصا العرّاف التي يقسم بها السماء ليقرأ الطير، فلمّا رفض كيركي صار هو الطائر الذي يُقرأ. ولأنّه ابن ساتورن وأبو فاونوس فهو حلقة في سلسلة ملوك الغابة الذين يعرفون ما يخفى، ولأنّه طائر مارس فهو الذي يطعم ابنَي مارس، ويحرس شجرتيهما في الحلم. وتقرأ مقالة إعادة القراءة الرومانية في هذا المشروع حيوانات مارس على أنّها حيوانات البرّية اللاتينية: الذئب للقوّة، ونقّار الخشب للتنبّؤ، لأنّه يطرق الخشب فيختبر الأشجار.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي قراءةً مقترحة على المنهج، إذ لا تقرؤه مقالات المشروع: pīcus «پِيكُس» في اللاتينية اسم نقّار الخشب نفسه، والملك يحمل اسم الطائر. ننزع النهاية -us «ـُس» فيبقى «پِيك»، والپاء تقابل الفاء العربية لأنّ العربية لا پاء فيها، والكاف تقابل القاف. وفي العربية مادّتان على هذين الحرفين تدلّان على الثقب والشقّ: «فَقَرَ الخرزَ» ثقبه ليُنظم، و«فَقَرَ الأرض» حفرها، و«فَقَأَ العين» بخصها، وانفقأت البثرة انشقّت. ونقّار الخشب لا يُعرف إلّا بهذا: يثقب الشجر بمنقاره، وأوفيد يجعل أوّل ما فعله بيكوس بعد أن صار طائراً أن ضرب البلّوط بمنقاره.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| pīcus | پِيكُس | نقّار الخشب في اللاتينية، وجمعه picī «پِيكِي» |
| Pīcus | پِيكُس | الملك الذي صار الطائر |
| pīca | پِيكا | العقعق، كلمة من الأصل نفسه |
| peico، peica | پِيكو، پِيكا | نقّار الخشب في الأُمبرية |
| piquier martier | پِيكْوِيِر مارْتِيِر | «لبيكوس المارسي»، اسم معبود في الأمبرية |
| فَقَرَ، فَقَأَ | فَقَرَ، فَقَأَ | العربية التي نقرأ بها الاسم |
يقول دِه ڤان إنّ pīcus من أصل إيطالي قديم *piko- «پِيكو»، وفي الأمبرية peico بالمعنى نفسه، وفيها اسم معبود هو piquier martier «پِيكْوِيِر مارْتِيِر»، ويقابله باللاتينية Picus Martius «پِيكُس مارْتِيُس»، أي بيكوس طائر مارس. ويضع له أصلاً هندياً أوروبياً *(s)piko- «سْپِيكو» بعلامة سؤال، ويقول إنّ الكلمة قد تحاكي صوت الطائر الحادّ الذي يشبه الضحك، وإنّ الياء الطويلة ربّما جاءت إليه من pīca «پِيكا»، أي العقعق. ويقول بلينيوس إنّ نقّارات الخشب طيور صغيرة معقوفة المخالب، تُنسب إلى مارس، ولها شأن عظيم في العرافة. فالنهاية -us علامة الرفع، والقراءة تتناول «پيك» وحده: الپاء فاء، والكاف قاف.
وفي جدول اللاتينية في منهج جذور تصير القاف c أو qu، والفاء تقابل الپاء في القراءات السابقة في هذا المشروع، كما في باندورا. ويقول لين: الفَقْر ثقب الخرز للنظم، وفقّرت الخرز ثقبته، والفقر أيضاً الشقّ والخرق، وفقر الأرض حفرها، وفَقَأَ العين بخصها، وانفقأت البثرة انشقّت، و«المُفَقِّئة» الأودية التي تشقّ الأرض. فالفاء والقاف معاً تدلّان على فتح ثقب في شيء صلب. وحدّ القراءة أنّها تأخذ حرفين تشترك فيهما موادّ عربية كثيرة، فهي تحتاج إلى شاهد ساميّ على اسم لنقّار الخشب أو لثقب الخشب بالفاء والقاف.
السرديات الأسطورية الرئيسة
بيكوس عند بلوتارخ
يجعل بلوتارخ بيكوس وفاونوس نصفَي إلهين يسكنان الأفنتين، يشبهان الساتيرات، ويستعملان الأدوية والرقى، ويطوفان إيطاليا بحيل كحيل الدَّاكْتِيل الإيدِيِّين عند اليونان. فلمّا قيّدهما نوما تقلّبا في صور مخيفة، ثم أخبراه بما سيكون. ويقول في «المسائل الرومانية» إنّ كيركي التي سحرت بيكوس كانت زوجته.
الذئب والنقّار معاً
يذكر بلوتارخ عن نِيگِيدْيُوس أنّ الذئب يوجد حيث يوجد نقّار الخشب، في سفوح الجبال والأماكن الكثيفة الشجر. فالحيوانان اللذان يحفظان التوأمين يعيشان في الموضع نفسه، وهو الغابة التي على أطراف المدينة.
القراءة الرمزية
تجعل مقالة إعادة القراءة الرومانية مارس أقدم من إله الحرب: قوّة الربيع التي تفتح الأرض، وأب المدينة الذي جاء من البرّية الإيطالية. وحيواناته في المقالة حيوانات هذه البرّية: الذئب الذي يرضع، ونقّار الخشب الذي يطعم ويتنبّأ. ويلتقي هذا بما يفعله بيكوس في القصص: ملك بلا مدينة يعيش في الغابة، يعرف الغيب، ثم يحفظ أطفال المدينة الأولى قبل أن تُبنى.
التوازيات عبر الحضارات
لـأودين غرابان، هوگين وموننين، يرسلهما كلّ فجر فيطيران فوق العالم ويعودان فيخبرانه بكلّ ما رأيا وسمعا. فالطائر عند النورديين وعند الرومان يحمل العلم بالغيب إلى من يسأله، إلّا أنّ غرابَي أودين خادمان للإله، وبيكوس نفسه إله صار طائراً.
وفي الشاهنامه ترى السيمرغ طفلاً ألقاه أبوه على جبل البُرز، فتحمله إلى عشّها وتطعمه مع فراخها حتى يكبر، وهو زال. وهذا ما يفعله نقّار الخشب بالتوأمين اللذين أُلقيا عند التيبر: طائر يطعم طفلاً متروكاً سيصير بعد ذلك رأس قومه. ويشترك الخبران في التوأمين الإلهيين وفي الطفل الملقى الذي تحفظه الحيوانات.
وكيركي التي سحرت بيكوس هي كيركي الأوديسة، ابنة هيليوس، التي حوّلت أصحاب أوديسيوس خنازير بعصاها وأعشابها. فهي في الحكايتين تحوّل الرجال بالعصا، لكنّ أوديسيوس يغلبها بعشبة من هرمس ويردّ أصحابه، وبيكوس يبقى طائراً.