غانغا

ملخص

غانغا نهر الهند الأكبر، وهو في أساطيرها امرأة ومعبودة معاً: الابنة الكبرى لجبل الهيمالايا، أخت بارفاتي، التي نزلت من السماء إلى الأرض بدعاء ملك، فتلقّاها شيفا في شعره. واسمها في السنسكريتية गङ्गा / Gaṅgā «گَنْگا».

وقصّة نزولها في الكتاب الأوّل من «الرامايانا»، يرويها الحكيم ڤيشڤاميترا لـراما وهما على شاطئ النهر. كان لجبل هيمافَت من زوجته مينا ابنتان، غانغا الكبرى وأوما الصغرى، فطلب الآلهة غانغا فأعطاهم إيّاها، فصارت في السماء. ثم أراد الملك ساغارا، جدّ راما الأعلى، أن يقدّم قربان الفرس، فسُرق الفرس، فحفر أبناؤه الستّون ألفاً الأرض يطلبونه حتى وجدوه عند الحكيم كَپِيلا، فأحرقهم رماداً. فبحث حفيده أمشومان عن ماء يصبّه لأرواحهم فلم يجد، فأخبره غارودا، أخو سُمَتي زوجة ساغارا وخال الستّين ألفاً، أنّ رمادهم لا يطهر إلّا بماء غانغا النازل من السماء. فتعبّد أمشومان ومات ولم ينزلها، وتعبّد ابنه ديليبا ومات ولم ينزلها، ثم تعبّد حفيده بهاغيراتا سنين طويلة، فرضي براهما بنزولها، وقال له إنّ الأرض لا تحتمل وقعها، ولا يحمله إلّا شيفا. فوقف بهاغيراتا على طرف إبهام قدمه سنة كاملة حتى رضي شيفا أن يتلقّاها على رأسه.

فنزلت غانغا من السماء بقوّة لا تُحتمل، وفكّرت أن تجرف شيفا معها إلى العالم السفلي. فعرف كبرها فغضب، فحبسها في خصل شعره المعقود، فبقيت تدور فيها سنين لا تجد منفذاً. فتعبّد بهاغيراتا مرّة أخرى، فأطلقها شيفا إلى بحيرة بِنْدو في الهيمالايا، فخرجت منها سبعة أنهار، ثلاثة إلى الشرق وثلاثة إلى الغرب، وسار السابع خلف عربة بهاغيراتا. ومرّت على موضع قربان الحكيم جَهْنو فأغرقته، فشربها كلّها، ثم أخرجها من أذنيه حين رجاه الآلهة، فصارت تُسمّى ابنة جهنو. ثم بلغت البحر، ودخلت معه العالم السفلي حتى غمرت رماد أبناء ساغارا، فصعدوا إلى السماء. وقال براهما: تُسمّى من اليوم بهاغيراثي، ابنة بهاغيراتا، وتُسمّى ذات الطرق الثلاثة، لأنّها تجري في السماء والأرض والعالم السفلي.

وفي «المهابهاراتا» تتّخذ غانغا صورة امرأة وتتزوّج الملك شانتانو، وتلد له ثمانية أبناء، تلقي سبعة منهم في النهر، ويبقى الثامن، فيصير بْهِيشْما، أكبر شيوخ الملحمة. وخبرها مع شانتانو في السرديات أدناه.

والفكرة التي تدور عليها القصّة ماء لا ينفع حتى يُحمل. نزول غانغا كان سيحطّم الأرض، ولولا رأس شيفا ما وصل إلى الناس. والماء الذي ينزل من السماء لا يقف عند الأرض: يمضي إلى العالم السفلي ليحمل الموتى إلى السماء. فالنهر طريق بين العوالم الثلاثة، يغسل الرماد فيصعد أصحابه. وحفظ الملوك هذا الطريق جيلاً بعد جيل: الجدّ مات ولم يبلغه، والابن مات ولم يبلغه، والحفيد بلغه بصبره.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءة مقترحة على المنهج: Gaṅgā «گَنْگا» بلا ألفها الأخيرة، وهي علامة التأنيث في السنسكريتية، «گَنْگ»، أي الجيم والنون ثم حرف من أقصى الحلق، فهو «جَنَح». وفي معجم لين: جنح إليه مال إليه، و«جنح الطائر» ضمّ جناحيه لينزل ودنا كأنّه يسقط، و«جنحت الإبل» أسرعت. ويردّ المعجم السنسكريتي الاسم إلى فعل الذهاب، ويفسّره بـ«السريعة الجري». فغانغا على هذه القراءة الجانحة، التي تميل من السماء إلى الأرض كما ينزل الطائر، وتسرع في جريها، وهو ما تجعلها القصّة: نهر ينحدر من السماء بقوّة لا تُحتمل.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق معناها
गङ्गा Gaṅgā گَنْگا النهر، «السريعة الجري»، من فعل الذهاب
भागीरथी Bhāgīrathī بْهاگِيرَثِي ابنة بهاغيراتا
जाह्नवी Jāhnavī جاهْنَڤِي ابنة جهنو
त्रिपथगा Tripathagā تْرِپَثَگا ذات الطرق الثلاثة
جَنَحَ جَنَحَ مال؛ ضمّ الطائر جناحيه لينزل؛ أسرعت الإبل

يردّ مونير وليامز gaṅgā «گَنْگا» إلى الفعل gam «گَم»، أي ذهب، ويفسّره بـ«السريعة الجري»، ويذكر أنّ غانغا في «الرامايانا» الابنة الكبرى لهيمافت ومينا، وفي «المهابهاراتا» زوجة شانتانو وأمّ بهيشما، وأنّ لها نظيراً في السماء وآخر تحت الأرض، وأنّ «الريغفيدا» يذكرها مرّة في النشيد 10.75.

وفي معجم لين تحت «جنح»: «جنح إليه» مال، و«جنحت الشمس للغروب» مالت، و«جنح الطائر» ضمّ جناحيه لينزل ودنا كأنّه يسقط، و«جنحت الإبل» خفضت أعناقها في السير أو أسرعت، و«جنحت السفينة» بلغت الماء القليل فلصقت بالأرض. ففي المادّة الميل إلى أسفل والسرعة معاً، وهما ما يجتمع في نهر ينحدر من الجبل.

والمقابلة في الصوت: الجيم العربية تقابلها g، والنون نون، أمّا الحاء فحرف حلقي، وحروف الحلق في قوانين المشروع تسقط أو تصير هاءً أو gاً. وهنا موضع التردّد: نحاة الهند يجعلون الاسم الفعل gam «گَم» مكرّراً، فتكون الگافان حرفاً واحداً تكرّر، لا حرفين مختلفين. ولا يقرأ المقالان الهنديان اسم غانغا، فالقراءة هنا على المنهج.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الماء الذي غسل قدم فيشنو

في «بهاغافاتا بورانا» تبدأ غانغا من قدم فيشنو: حين نزل في صورة القزم ڤامَنا ومدّ قدمه اليسرى إلى آخر الكون، ثقب ظفر إبهامه غلاف العالم، فدخل منه ماء المحيط الأوّل نهراً، فهو الماء الذي غسل قدميه. ثم ينقسم على قمّة جبل ميرو أربعة أنهار. ولهذا يقول بهاغيراتا لغانغا، حين تخشى أن تجتمع فيها خطايا الذين يغتسلون، إنّ شيفا يحتمل وقعها، ويحملها شيفا على رأسه لأنّها خرجت من أصابع قدم فيشنو.

زوجة شانتانو وأمّ بهيشما

تروي «المهابهاراتا» أنّ الآلهة الثمانية المسمّين الڤاسو لعنهم الحكيم ڤاسيشتا أن يولدوا بشراً، فسألوا غانغا أن تكون أمّهم وأن تلقي كلّ واحد منهم في الماء ساعة يولد، ليعودوا إلى السماء سريعاً. فتزوّجت الملك شانتانو على شرط ألّا يسألها عمّا تفعل، فإن سأل تركته. فولدت سبعة أبناء، وكلّما وُلد ابن ألقته في النهر وهي تبتسم وتقول: هذا لخيرك، وهو ساكت يخاف أن تتركه. فلمّا وُلد الثامن قال لها: لا تقتليه، من أنت؟ فقالت: أنا غانغا ابنة جهنو، وأخبرته بأمر الڤاسو، وتركته وأخذت الطفل. ثم رآه شانتانو بعد سنين شابّاً يحبس جريان النهر بسهامه، فجاءت غانغا وأعطته ابنه وقالت إنّها ربّته وعلّمته. وهو ديفافراتا الذي نذر ألّا يتزوّج ولا يملك ليتزوّج أبوه ابنة صيّاد، فسُمّي بهيشما، أي الرهيب.

في الغانج

وفي الغانج نفسه أنزل مانو السمكة ماتسيا حين ضاقت عليها البركة، ويسمّي النصّ النهر «زوجة البحر الحبيبة». وعند منبع الغانج جذبت أُلوپي، ابنة ملك الناغا، أرجونا إلى قاع الماء وهو يغتسل.

القراءة الرمزية

يقرأ المقال الهندي في إعادة القراءة نزول غانغا قراءة في جغرافيا الماء: نزولها «من السماء» نزولها من الهيمالايا، أعلى مكان على الأرض، وشعر شيفا الأنهار الجليدية المتشعّبة على قمم الجبال التي تغذّي النهر، وحبس شيفا لها أنّ الجبال تبطئ جريان الماء فتمنع الفيضان المدمّر. ويرى في قول الناس إنّ الاغتسال في الغانج يطهّر شيئاً من الحقّ، لأنّ ماءه كان نظيفاً وفيه ما يقتل بعض الجراثيم.

وفي النصّ نفسه يقوم الطهر على أمرين يعرفهما كلّ من عاش على نهر: الماء يُصبّ للموتى قرباناً، ولا يجد أمشومان ماءً يصبّه لأعمامه حتى ينزل النهر، والماء يغسل، فيصعد أصحاب الرماد حين يغمرهم. وتخاف غانغا في «بهاغافاتا بورانا» أن تجتمع فيها خطايا المغتسلين، فالنهر الذي يطهّر الناس يحتاج هو أيضاً إلى من يطهّره.

التوازيات عبر الحضارات

ثيتيس إلهة من البحر زُوّجت رجلاً فانياً، الملك پيليوس، فلمّا ولدت أخيل صارت تضعه في النار ليلاً لتحرق ما فيه من الموت، فرآها پيليوس فصاح، فتركته ورجعت إلى البحر. وغانغا إلهة من النهر زُوّجت ملكاً فانياً على شرط، تلقي أبناءها في الماء ليعودوا إلى السماء، فيصيح الزوج عند الثامن، فتتركه وترجع إلى النهر. والابن الباقي في الحكايتين أعظم محاربي ملحمته.

وتنزل أناهيتا الإيرانية نهراً من جبل هوكاريا إلى بحر ڤوروكاشا، فيغلي البحر كلّه حين تصبّ فيه، وتطهّر بذر الرجال وأرحام النساء. ويشترك معها في الماء المسمّى والطهر نهر هنديّ آخر هو سرسوتي. «آبان يشت» 5.1–5.

ودخول غانغا العالم السفلي لتغسل رماد أبناء ساغارا وتصعد بهم إلى السماء نزول إلى عالم الموتى يرجع منه النازل بستّين ألفاً دفعة واحدة، وهو من شواهد النزول إلى العالم السفلي.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «رامايانا»، بالا كاندا، ترجمة ديسيراجو هانومانتا راو: 35، 38، 41، 42، 43، 44.

  2. «المهابهاراتا»، ترجمة غانغولي: آدي پرڤَ 96، 97، 98، 100، 216؛ ڤنَ پرڤَ 186.

  3. «بهاغافاتا بورانا» 5.17 و9.9؛ «الريغفيدا» 10.75.

  4. أبولودوروس، «المكتبة» 3.13، «آبان يشت» 5.

  5. مونير وليامز، gaṅgā «گَنْگا»، معجم لين، جنح.