أناهيتا

ملخص

أَناهِيتا ربّة الماء في دين الإيرانيين القدماء، واسمها الكامل في الأفستا Arədvī Sūrā Anāhitā «أَرِدْوِي سُورا أَناهِيتا»، وقصّتها في نشيدها «آبان يَشْت»، أي نشيد المياه. وهي في النشيد امرأة ونهر معاً. فهي النهر العظيم الذي ينحدر من جبل هُوكَرْيا إلى بحر ڤوروكَشا «وُورُوكَشا»، فيغلي البحر كلّه حين تنصبّ فيه، ولها ألف قناة، طول كلّ قناة مسيرة أربعين يوماً لراكب على فرس جيّد، ومنها تجري مياه الأقاليم السبعة كلّها. وهي تطهّر نطفة الرجال وأرحام النساء، وتيسّر الولادة، وتُدرّ اللبن في الصدور. وتجرّ عربتها أربعة خيول هي الريح والمطر والسحاب والبَرَد.

ويأمر أهورا مزدا زرادشت أن يقدّم لها القربان، بل يقدّم لها أهورا مزدا نفسه القربان ويسألها أن يتبعه زرادشت في دينه. ثم يأتي إليها الملوك والأبطال واحداً بعد واحد، كلّ منهم يذبح لها مئة حصان وألف ثور وعشرة آلاف حمل ويطلب حاجته. فيأتي أژي دهاكا «أَژي دَهاكا»، التنّين ذو الأفواه الثلاثة، ويطلب أن يُخلي الأقاليم السبعة من البشر، فلا تعطيه. ثم يأتي ثرايتاونا «ثْرَيْتَوْنا»، فريدون اللاحق، ويطلب أن يغلب أژي دهاكا، فتعطيه.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الماء يعطي الحياة لكلّ شيء، لكنّه لا يعطي كلّ من طلب. فالقربان واحد، مئة حصان وألف ثور، والجواب مختلف: من طلب إفناء البشر رُدّ، ومن طلب حمايتهم أُجيب. فأناهيتا هي الماء الذي يُخصب الأجساد والأرض، وهي في الوقت نفسه الماء المحروس الذي لا يُدنَّس ولا يُستعمل في الهلاك. ومن هذه القصّة يخرج من يتّصل بها: ييما وثرايتاونا ممّن أُجيبوا، وأژي دهاكا ممّن رُدّ، وزرادشت الذي تحفظ له، في البندهشن، بذرته لأبنائه الذين يأتون في آخر الزمان.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: الألف في آخر Anāhitā «أَناهِيتا» علامة التأنيث في الأفستية، فإذا حذفناها بقي «أَناهِيت». ويقسمه المقال الفارسي في هذا المشروع إلى أداة نفي في أوّله، ثم «ناهِيت»، ويقرؤه بالعربية «نَهَى»: نهاه عن الشيء أي منعه، والمنهيّ عنه هو المحظور المصون. فأناهيتا على هذه القراءة هي المياه المنهيّ عن تلويثها، المحروسة لقداستها. وهذا ما تجعله القصّة: ماء لا يناله التدنيس، وربّة تنهى من أراد بالماء إهلاك الناس فتردّ طلبه.

الجذر اللغوي

الصيغ المشهودة

المرحلة الصيغة وقراءتها ما تثبته
الأفستية Arədvī Sūrā Anāhitā «أَرِدْوِي سُورا أَناهِيتا» نحو «الرطبة، القوية، غير المدنّسة»؛ أصل اللفظة الأولى غير محسوم
الفارسية القديمة Anahata «أَناهَتا» الصيغة في نقش A2Ha «إيه تو إتش إيه»
الفارسية الوسطى Ardwīsūr Anāhīd «أَرْدْوِيسُور أَناهِيد» صورة الاسم المركّب في التقليد الأوسط
اليونانية Anaitis «أَنايْتِس» نقل للاسم في التقليد اليوناني
المقترح العروبي نَهَى، منهيّ عنه صون الماء بمنع تلويثه والاعتداء عليه

نَهَى

«نَهَاه» في العربية منعه وكفّه، و«النُّهَى» العقل لأنّه ينهى صاحبه عن القبيح، و«النِّهْي» الغدير الذي يحبس الماء فلا يجري، و«المنهيّ عنه» المحظور. وفي تقسيم المقال تكون «ناهِيت» صيغة مفعول، والتاء في آخرها لاحقة اسم المفعول في الأفستية كما في الصيغ المنتهية بـ-ta «تَ». فإذا حذفناها بقي «ناهِي»: النون والهاء والياء، وهي حروف «نهي» نفسها. أمّا التقسيم المألوف عند علماء الإيرانيات فيجعل النون من أداة النفي an- «أَنْ» والباقي āhita «آهِيتا»، أي «المدنّسة». فيلتقي التقسيمان في المعنى، المصونة من الدنس، ويختلفان في موضع النون.

سُورا و«السَّوْرة»

ولا يتناول المقال الكلمة الثانية Sūrā «سُورا»، ومعناها في الأفستية «القويّة». وعلى المنهج نفسه نقرؤها «سَوْرة»: سَوْرة السلطان سطوته، وسَوْرة الغضب وثوبه، وسَوْرة الشراب صعوده في الرأس. والسين والواو والراء محفوظة كلّها بعد حذف ألف التأنيث. وهذه قراءة مقترحة على المنهج، تصف النهر الذي يغلي البحر حين يصبّ فيه.

واقترحت ماري بُويْس أنّ ربّة النهر الأقدم وAnāhiti «أَناهِيتي» الإيرانية الغربية اجتمعتا في العصر الأخميني، وأنّ المرأة المزيّنة في الأبيات 123–128 تحمل أثر ذلك الجمع. هذه إعادة بناء لتاريخ النصّ والعبادة؛ النشيد نفسه لا يروي اجتماع شخصيّتين.

السياق التاريخي

في القرن الرابع قبل الميلاد يكتب نقش أرتحشستا الثاني A2Ha «إيه تو إتش إيه» اسم Anahata «أَناهَتا» مع أهورا مزدا وميثرا، ويطلب حمايتهم للملك وقاعته. واجتماع الأسماء في دعاء ملكي يثبت عملهم في الحماية، ولا يجعلهم أسرة واحدة.

وفي الاستعمال الزرادشتي اللاحق يُتلى «آبان نِيايِش» و«آبان يَشْت» على مرأى من الماء، فيؤدَّى الدعاء والسكب عند الماء نفسه. واتّصل اسمها في طبقات لاحقة بكوكب الزهرة، وظهرت لها صور قرابة في التقليد الأرمني. وهذه أخبار من انتقال العبادة وتغيّرها، لا نسب يذكره النشيد الأفستي.

السرديات الأسطورية الرئيسة

طالبون آخرون

ويقدّم لها هوشَنْگ «هُوشَنْگ» وييما القرابين ويسألان السيادة، ويطلب ييما معها سعة الرزق وكثرة القطعان. ويطلب كِرِساسْپا «كِرِساسْپا» أن يغلب الوحش گَنْدَرِوا «گَنْدَرِوا» عند بحر ڤوروكَشا، ويطلب هُسْرَوَه، الذي جمع الآريين في مملكة واحدة، أن يكون سيّد البلاد كلّها، فتعطيهما.

كيف تُعبد

ويسأل زرادشت كيف يعبدها، فيذكر النشيد الهَوْم واللحم والبَرِسْم والسكب المصفّى والكلمات والأفعال، ويجعل وقت العبادة من طلوع الشمس إلى غروبها.

صورتها

وفي آخر النشيد تظهر امرأة شابّة قويّة في ثوب مطرّز بالذهب، تمسك حزمة البَرِسْم، وفي أذنيها أقراط ذهبية مربّعة، وعلى رأسها تاج من ذهب فيه مئة نجمة، وثيابها من جلود ثلاثين قندساً، لأنّ جلد القندس الذي يعيش في الماء يلمع كالفضّة والذهب.

القراءة الرمزية

يربط النشيد الماء بسلسلة أعمال ونتائج: تطهير النطفة والرحم، وتيسير الولادة، وإدرار اللبن، وزيادة القطيع والزرع والبلد. ويقابل ذلك عمل العابد بإعداد الهَوْم واللحم والبَرِسْم، وتصفية السكب، والنطق بالكلمات في وقت معلوم وعلى مرأى من الماء. وصون الماء في القراءة العربية يتّصل بهذه الموارد والأعمال والطلبات المحدّدة.

وتفيد سرسوتي في مقارنة النهر والغذاء وطلب العلم، بينما يختلف أنزار في أنّ جماعته تطلب نزول المطر. أمّا نون فهو ماء أوّل قبل مسار الولادة والقطيع والسكب الذي يفصّله النشيد الأفستي.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. آبان يَشْت 5.

  2. البندهشن 32: حفظ بذرة زرادشت.

  3. الموسوعة الإيرانية، «أردويسور أناهيد» و«آبان يَشْت».

  4. نقش A2Ha «إيه تو إتش إيه».

  5. المعجم العربي، نهي وسور، لين، نهي.