الرئيسية/الكيانات/الميسوغي والهاراي

الميسوغي والهاراي

ملخص

الميسوغي misogi «ميسوغي» والهاراي harae «هاراي» شعيرتا التطهير في اليابان القديمة. الميسوغي غسل الجسد بالماء ليزول عنه الدنس، والهاراي إزالة الذنب بما يُدفع عنه وبما يُقال عليه. وأصل الميسوغي في «الكوجيكي» خبر إيزاناغي بعد رجوعه من يومي، أرض الموتى، حيث رأى زوجته إيزانامي وقد تعفّن جسدها. قال: «لقد جئتُ أرضاً كريهة دنسة، فلأطهّرنّ جسدي»، فذهب إلى سهل أواكيهارا عند مصبّ نهر صغير قرب تاتشيبانا في هيموكا من جزيرة تسوكوشي. فألقى عصاه وحزامه وثيابه وأساوره واحداً بعد واحد، فوُلد من كلّ منها معبود. ثم قال: «الماء في أعلى النهر سريع، وفي أسفله بطيء»، فنزل في وسطه واغتسل.

فوُلد من الدنس الذي علق به في أرض الموتى معبودان للمصائب، ياسوماغاتسوهي وأوماغاتسوهي، ثم وُلد بعدهما معبودان يقوّمان ما أفسدا، كامونأوبي وأونأوبي، ومعهما إيزونومي. ثم اغتسل في قاع الماء ووسطه وسطحه فوُلد ثلاثة من معبودات البحر وثلاثة من معبودات سوميوشي. ثم غسل عينه اليسرى فوُلدت أماتيراسو، وعينه اليمنى فوُلد تسوكويومي، وأنفه فوُلد سوسانوو. دراسات في الكوجيكي، الفصل 13.

وأمّا الهاراي فأوّل ما يُروى منه في الكوجيكي خبر سوسانوو نفسه: لمّا هدم حدود حقول الأرز وردم قنواتها ودنّس قاعة الطعام، فاختبأت أماتيراسو في الكهف، فرضت عليه المعبودات «ألف حامل من أشياء الكفّارة»، وقصّت لحيته وأظافر يديه ورجليه، وطردته من السماء. فالهاراي في الكوجيكي ونيهون شوكي أشياء تُعطى عوضاً عن الذنب. وفي سنة 676 أمر الإمبراطور تمّو بتطهير أكبر في أطراف البلاد كلّها، على كلّ ولاية فرس وثوب من القنّب، وعلى كلّ موظّف سيف وجلد غزال ومعول ومنجل وسهام وحزمة أرز، وعلى كلّ بيت حزمة قنّب.

ثم صار التطهير الأكبر، الأوهاراي Ōharae «أوهاراي»، شعيرة يقيمها البلاط مرّتين في السنة، في آخر يوم من الشهر السادس وآخر يوم من الشهر الثاني عشر، يحضرها الإمبراطور وموظّفوه وأهلوهم، لتُغسل الذنوب والأدناس التي اجتمعت على الناس وهم لا يعلمون. ويتلو آل ناكاتومي فيها كلمات حفظها «الإنغيشيكي» في القرن العاشر. تعدّ الكلمات ذنوب السماء، كهدم حدود الحقول وردم القنوات وسلخ الحيوان حيّاً، وذنوب الأرض، كجرح الأحياء والأموات وزنا المحارم وأذى الهوامّ والسحر. ثم تقول إنّ الذنوب تُكنس كما تبدّد الريح السحاب، وكما تُفكّ سفينة عظيمة من مرساها فتخرج إلى البحر الواسع: فتحملها سيوريتسوهيمي التي تسكن مساقط الأنهار من الجبال إلى البحر، فتبتلعها هاياأكيتسوهيمي التي تسكن ملتقى المدّ في البحر، فينفخها إيبوكيدونوشي إلى العالم السفلي، فتمحقها هاياساسوراهيمي التي تسكن هناك. وفي آخرها يُؤمر العرّافون أن يحملوا عصيّ القنّب التي طُهّر بها الناس إلى الأنهار الكبيرة.

والفكرة التي تدور عليها الشعيرتان أنّ ما يعلق بالإنسان يمكن أن يُفصل عنه ويُحمل بعيداً. الدنس الذي يأتي من الموت يُغسل بالماء، والذنب الذي يأتي من الفعل يُدفع عنه عوض أو يُلقى على شيء يحمله، ثم يأخذه النهر إلى البحر. وما يخرج من الماء بعد الغسل خلق جديد: من غسل إيزاناغي وُلدت الشمس والقمر والعاصفة. ولذلك تجمع شروح كوكوغاكوين أنّ الكوجيكي يذكر الهاراي والميسوغي غالباً عند ظهور من سيحكم. والعادة أقدم من الكوجيكي: يقول كتاب «وي» الصيني في القرن الثالث إنّ أهل وا، أي اليابان، كانوا بعد الدفن ينزلون أهل البيت كلّهم في الماء فيغتسلون.

أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا، قراءةً مقترحة على المنهج. الهاراي في اليابانية القديمة parape «پَراپِي»، والفعل parap- «پَراپ» «كنس، أزال، تاب»، وفي اليابانية القديمة لاحقة -ap- «ـاپ» تدلّ على الاستمرار، وكلمة par- «پَر» «انقشع، صحا». فإذا رُفعت اللاحقة بقي الجذر پ-ر، وهو «برأ» العربية: يقول لين إنّ «برئ من الشيء» خلص منه وخلا، و«برئ من الدين» صار لا يُطالب به، و«بارأ شريكه» فارقه على عوض، و«استبرأ» انتظر حتى تطهر. وهذا هو الهاراي القديم: أشياء تُدفع ليبرأ صاحبها من ذنبه. والميسوغي في اليابانية القديمة misog- «ميسوغ»، غسل الجسد بالماء، وفيه sog- «سوغ»، وهو sosok- «سوسوك» «صبّ، غسل»، ونقرؤه «سقى»: يقول لين إنّ «سقاه» أعطاه الماء ليشرب، و«سقى أرضه» أعطاها الماء.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
祓، parape پَراپِي الهاراي: طهّر نفسه
parap- پَراپ كنس، أزال، تاب
par-، -ap- پَر، ـاپ انقشع، ولاحقة الاستمرار
禊، misog- ميسوغ الميسوغي: غسل الجسد بالماء
sosok- سوسوك صبّ، غسل
برأ، سقى بَرَأ، سَقى العربية التي نقرأ بها الكلمتين

تقول مدوّنة أكسفورد ونينجال لليابانية القديمة إنّ parap- «پَراپ» «كنس، أخمد، تاب»، وإنّ parape «پَراپِي» «طهّر نفسه»، وإنّ misog- «ميسوغ» «غسل الجسد أو طهّره في الماء أو بالماء»، وتنبّه إلى أنّ الكلمة لم تُكتب بالحروف الصوتية، فلا يُعرف أكان مقطعها الأوّل mi «مي» أم mwi «موي»، وأنّ الباحثين أرجعوه إلى midu «ميدو» «الماء» أو إلى mwi «موي» «الجسد»، ولم يتبيّن أيّهما أصحّ. وتذكر شروح كوكوغاكوين أنّ الميسوغي فُسّر «صبّ الماء على الجسد» من sosogu «سوسوغو»، وأنّ الهاراي كان في الأصل دفع الذنب بأشياء الكفّارة، ثم اختلطت الكلمتان حتى قيل «ميسوغي هاراي».

فقراءة الهاراي تتناول par- «پَر»، وتقسيمها إلى par- و-ap- تقسيمنا نحن، وإن كانت المدوّنة تذكر الجزأين كلّاً على حدة. والپاء اليابانية القديمة، التي صارت هاء بعد ذلك، تقابل الباء العربية لأنّ العربية لا پاء فيها، والراء راء، والهمزة في آخر «برأ» لا تبقى. وقراءة الميسوغي تتناول sog- «سوغ»: السين سين، والگاف أصلها كاف في sosok- «سوسوك»، صارت گافاً في وسط الكلمة المركّبة كما يحدث في اليابانية، وتقابل القاف. ويبقى مقطع mi «مي» يابانياً، ماءً أو جسداً. وحدّ القراءتين أنّهما تحتاجان إلى أزواج أخرى بين اليابانية والعربية على هذا النحو.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالة إعادة القراءة اليابانية خبر إيزاناغي وإيزانامي جيولوجياً، تكوّن الجزر من البراكين. والتطهير عند مصبّ النهر يكمل هذه القراءة من جهة الماء: النهر يأخذ ما على الجسد إلى البحر، والبحر يبتلعه، فالماء الجاري هو الذي يفصل الحيّ عن الدنس. ولهذا تُحمل عصيّ التطهير في التطهير الأكبر إلى الأنهار الكبيرة.

التوازيات عبر الحضارات

تقارن المقالة السامية اليابانية الميسوغي بالوضوء والمعمودية، وتجعل التطهّر بالماء «التشابه الوحيد المهمّ» بين الشنتو والأديان السامية، وتقول إنّه نمط بشري عامّ. والأقرب إلى التطهير الأكبر في نصوص الشرق القديم ما يجمع الماء إلى حامل يأخذ الذنب بعيداً. ففي سفر اللاويين 16 يضع هارون يديه على رأس التيس الحيّ، ويعترف عليه بذنوب بني إسرائيل كلّها، ثم يرسله إلى البرّية مع رجل معيّن، «فيحمل التيس عليه ذنوبهم كلّها إلى أرض منقطعة»، ولا يرجع الرجل إلى المحلّة حتى يغسل ثيابه ويستحمّ بالماء. وفي الأكيتو البابلي يُمسح بيت نبو بجسد خروف يُلقى بعد ذلك في النهر، ويخرج اللذان حملاه إلى البرّية ولا يدخلان بابل حتى ينتهي العيد.

والفرق أنّ الذنب في التطهير الياباني لا يُحمل على حيوان بل على عصيّ القنّب والأشياء المدفوعة، ثم تتولّاه معبودات الماء والريح واحدة بعد واحدة حتى يُمحق في العالم السفلي. وغسل إيزاناغي بعد النزول إلى العالم السفلي يجعل الطهارة شرطاً للرجوع إلى الأحياء. وانظر الكامي والماتسوري.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. الكوجيكي، القسم 10، ترجمة تشامبرلين.

  2. جامعة كوكوغاكوين، دراسات في الكوجيكي: الفصل 12، الفصل 13.

  3. الموسوعة الشنتوية، جامعة كوكوغاكوين: «ميسوغي»، «هاراي»، «أوهاراي»، «ناكاتومي نو هاراي».

  4. أستون، تاريخ الأدب الياباني، 1899، الكتاب الأوّل.

  5. مدوّنة أكسفورد ونينجال لليابانية القديمة؛ معجم لين، برأ، وسقى؛ اللاويين 16.