دياوس

ملخص

دْيَاوْس السماء في «الريغفيدا» «رِگْ ڤيدا»، واسمه هو لفظ السماء نفسه. وتدعوه الأناشيد «دياوس الأب»، وتقرنه بپْرِثِڤِي، الأرض الأمّ، فيُدعيان معاً باسم مثنّى واحد، dyāvāpṛthivī «دْياڤا پْرِثِڤِي»، أي السماء والأرض. والسماء عند الفيديين أب، والأرض أمّ، والفجر ابنتهما.

ولا تروي الأناشيد لدياوس حرباً ولا ملكاً. تخاطبه هو والأرض زوجاً واحداً، أبوين. يقول النشيد 1.160 إنّ السماء والأرض تعطيان الخير للجميع وتحملان العالم، وإنّهما إناءان كريمان تسير بينهما الشمس على قانون ثابت، وإنّ «الأب والأمّ يحفظان كلّ مخلوق»، وإنّ صانعاً ماهراً قاس العالَمين وثبّتهما على أعمدة لا تبلى. ويسأل النشيد 1.185: أيّهما أقدم وأيّهما بعده؟ كيف وُلدا؟ من يعلم؟ ثم يقول إنّهما يحملان كلّ موجود كما تجري العربة بالنهار والليل، وإنّهما ساكنان بلا أقدام يحملان نسلاً واسعاً له أقدام ويمشي، ويطلب المنشد أن يحفظاه من الخطر «كما يُحفظ الابن في حجر أبويه». ويقول منشد النشيد 1.164: «دياوس أبي، والدي، وهنا نسبي، وهذه الأرض العظيمة أمّي». وفي النشيد 6.51 يدعو: «يا دياوس الأب، ويا أرض، يا أمّاً لا غشّ فيها، ويا أخي أجني».

وعمل دياوس في الأناشيد أن يلد، والعمل بعد ذلك لأبنائه. أوشا، الفجر، «ابنة السماء»، توقظ الناس إلى أعمالهم. والأشونان، التوأمان الفارسان، «ابنا السماء»، ينقذان الغريق والأعمى. وإندرا ابنه أيضاً، يقول له النشيد 4.17: «أبوك دياوس كان يعدّ نفسه بطلاً، وأكرم عمل عمله صانعُ إندرا، الذي ولد صاحب الصاعقة الهادر»، وإندرا هو الذي يقتل فريترا ويطلق الماء.

والفكرة التي تدور عليها أناشيده أنّ السماء أب يغطّي ويلد، وأنّ الأرض أمّ تحمل وتطعم، وأنّ كلّ ما يمشي على الأرض يولد بينهما ويُحفظ في حجرهما. والأب نفسه ساكن قديم، لا يسأل المنشد عنه إلّا سؤال البداية: أيّهما أقدم؟ ثم ينتقل الفعل إلى أبنائه. ويعود الزوج الأوّل في كلّ زوجين: في «برهدآرنيكا أوبنشاد» يقول الرجل لامرأته في طقس طلب الولد: «أنا السماء وأنتِ الأرض، تعالي نجتمع ونضع البذرة معاً»، وهو من شواهد الزواج المقدّس. ولأنّهما زوج متلاصق احتاج العالم إلى من يباعد بينهما: يمدح النشيد 7.86 فارونا الذي «باعد بين العالَمين الواسعين وأسندهما»، وهو فصل السماء عن الأرض. «برهدآرنيكا أوبنشاد» 6.4.20.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يأتي في الرفع dyauḥ «دْيَوْه»، وقبل كلمة «الأب» dyauṣ «دْيَوْش»، وفي الإضافة divaḥ «دِڤَه»، فالحرف الأخير علامة إعراب، كما أنّ السين في آخر Ζεύς «زِوْس» علامة إعراب يونانية. ويضع معجم مونير وليامز الاسم الهندي مع Ζεύς «زِوْس» وΔιϝός «دِيڤُوس» اليونانيين، ومع Ju-piter «يُو-پِيتِر» اللاتيني، فهو اسم واحد. وصفحة زيوس تقرأ هذا الجذع «ذو»، صاحب الشيء ومالكه، وصفحة جوبيتر تقرأ Diespiter «دِيسْپِيتِر» القديم «ذو» و«أب». ودياوس الأب يأتي بالتركيب نفسه: dyauṣ pitar «دْيَوْش پِتَر»، أي «ذو» و«أب»، الأب صاحب الأمر. وهذا ما تجعله الأناشيد: أب يعلو كلّ شيء ويملكه، ولا يكاد يعمل بيده. وتقرأ المقالة الهندية كلمة deva «دِيڤَ»، أي المعبود، وهي من الأصل نفسه div «دِڤ» بمعنى أضاء، بـ«ضياء» و«ذو» معاً، فيجتمع في الاسم ضوء السماء وسيادتها.

الجذر اللغوي

الصيغ المشهودة

الصيغة موضعها
द्यौः dyauḥ «دْيَوْه» الرفع
dyauṣ pitaḥ «دْيَوْش پِتَه» النداء: «يا دياوس الأب»، «الريغفيدا» 6.51.5
dyaur me pitā «دْيَوْرْ مي پِتا» «دياوس أبي»، «الريغفيدا» 1.164.33
dyām «دْيام» النصب
divaḥ «دِڤَه» الإضافة، كما في «ابنة السماء» و«ابنا السماء»
dyāvāpṛthivī «دْياڤا پْرِثِڤِي» المثنّى: السماء والأرض

ويقول مونير وليامز إنّ نحاة الهند يجعلون للكلمة جذعين، div «دِڤ» وdyo «دْيو»، وإنّ معناها السماء، والنهار، والضوء، وإنّها «تُعدّ في الفيدا أباً، والأرض أمّاً، والفجر ابنة».

«ذو» و«أب»

يجعل مونير وليامز الاسم الهندي هو الاسم اليوناني Ζεύς «زِوْس» وΔιϝός «دِيڤُوس»، واللاتيني Jovis «يُوِس» وJu-piter «يُو-پِيتِر»، والنوردي Týr «تِير». والصفحات الثلاث، زيوس وجوبيتر وتير، تقرأ هذا الجذع «ذو»: الذال العربية تقابلها الدال في Διός «دِيُوس» اليونانية وفي Diovis «دِيُوِس» اللاتينية القديمة، وهي الدال نفسها في div «دِڤ» الهندية. و«ذو» في معجم لين صاحب الشيء ومالكه وسيّده، يُضاف دائماً إلى ما يملكه.

وpitar «پِتَر» هو pater «پاتِر» اللاتيني، الأب. ويعدّ ملفّ القوانين الصوتية في هذا المشروع «أب» وpater «پاتِر» من الأصول المشتركة المحتملة بين الساميّة والهندية الأوروبية. وهذا ما حسمت به صفحة جوبيتر صلة اسمه باسم زيوس: الحروف «ذو» و«أب». ودياوس الأب يحمل التركيب نفسه في الصيغة الهندية، فيصدق عليه ما صدق على جوبيتر. وتبقى التاء والراء في pitar «پِتَر» بلا مقابل في «أب»، كما بقيت تاء pater «پاتِر».

«ضياء»

وتجعل المقالة الهندية كلمة deva «دِيڤَ» من div «دِڤ» بمعنى تألّق، وتقابلها بـ«ضياء»، وتقول إنّ deva «دِيڤَ» وdeus «دِيُوس» اللاتينية وضياء العربية «شبكة واحدة للنور». وتذكر في موضع آخر للكلمة نفسها «ضوّ» و«ذوّ» معاً. ومعجم مونير وليامز يعطي الجذع نفسه معنى النهار والضوء والبريق. فالمعنى الذي يحمله الأصل هو ضوء النهار، والحروف تقرأ «ذو». أمّا مقابلة الضاد بالدال فتحتاج، كما تقول صفحة زيوس، إلى تاريخ صوتي لم يُكتب بعد.

پرثڤي و«البَرْث»

پْرِثِڤِي في السنسكريتية مؤنّث pṛthu «پْرِثُ»، أي العريض الواسع، ويقول مونير وليامز إنّ معناها «العريضة الممتدّة». ونقرؤها على المنهج «البَرْث»: يقول «لسان العرب» إنّ البرث الأرض السهلة الليّنة، وأسهل الأرض وأحسنها، وأرض ليّنة مستوية تُنبت الشعير، ويقول «تاج العروس» إنّها الأرض البيضاء الرقيقة السريعة النبات. والمقابلة في الصوت: العربية لا پاء فيها، فتقابل الپاءَ الباءُ، والراء الصائتة ṛ «رِ» تقابل الراء، والثاء تقابل th «ثْ» السنسكريتية، وهي تاء تُنطق بنفَس، وتسقط ivī «ِڤِي» لأنّها علامة التأنيث. فالبرث هي الأرض المستوية التي تُنبت، وپرثڤي هي الأرض العريضة الممتدّة، والقراءتان تلتقيان في الأرض المنبسطة، وإن كان أصل الكلمة السنسكريتية العرض لا اللين.

السرديات الأسطورية الرئيسة

دْيُو في «المهابهاراتا»

في «المهابهاراتا» يظهر الاسم نفسه في أحد الڤَسُو، جماعة من المعبودات، واسمه دْيُو. جاء الڤسو مع زوجاتهم إلى غابة الحكيم ڤَسِشْطَ، فرأت زوجة دْيُو بقرة الحكيم نَنْدِنِي، بقرة الوفرة التي يشرب لبنها فلا يمرض ولا يشيخ، فطلبتها لصديقة لها من البشر. فسرق دْيُو البقرة بمعونة إخوته. فلعنهم الحكيم أن يولدوا بين الناس، ثم خفّف اللعنة عن الإخوة فجعلهم يتحرّرون في سنة مولدهم، وأبقاها على دْيُو وحده لأنّه هو الذي فعل: يعيش على الأرض زمناً طويلاً، ولا يلد، ويعرض عن النساء. فطلب الڤسو من غانغا أن تلقيهم في الماء ساعة يولدون، فولدتهم للملك شانتانو وأغرقت سبعة منهم، وبقي الثامن، وهو دْيُو، فسمّي ديڤاڤراتا، وهو الذي يُعرف بعد ذلك ببهيشما. فالسماء في الملحمة سارق بقرة، يعاقَب بعمر طويل بلا ولد.

البيت الذي يولد بين الأبوين

يسمّي النشيد 1.159 السماء والأرض «الأبوين المثمرين» اللذين صنعا عالم الأحياء، ويقول إنّ أبناءهما المهرة أخرجوا «الأمّين العظيمتين» إلى الحياة أوّلاً. ويقول النشيد 1.164 إنّ موضع الولادة بين الإناءين المبسوطين، «وهناك وضع الأب جنين ابنته».

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الهندية كلمة السماء وكلمة المعبود من أصل واحد معناه الضوء، وتجعل deva «دِيڤَ» الهندية وdeus «دِيُوس» اللاتينية وضياء العربية شبكة واحدة للنور، أقدم من انفصال اللغات. فالسماء على هذه القراءة سمّيت بضوء النهار، ومنه سُمّي كلّ معبود.

وفي الأناشيد نفسها صورة بيت: أب ساكن فوق، وأمّ ساكنة تحت، وبينهما نسل يمشي ويعمل، ومنشد يكلّمهما كما يكلّم الابن أبويه، يطلب أن يحفظاه من الخطر، ويعتذر عمّا أذنب في حقّ «صاحب البيت». ويقول النشيد إنّهما ساكنان بلا أقدام، ونسلهما هو الذي يمشي: الناس والبهائم. وفي طقس طلب الولد يعيد الزوجان هذا الزوج الأوّل بأسمائه.

التوازيات عبر الحضارات

دياوس هو زيوس باسمه، لكنّ زيوس عند هسيود ملك يقاتل أباه ويقسم المناصب، ودياوس أب لا عرش له، والقتال لابنه إندرا. ودياوس الأب هو جوبيتر حرفاً بحرف: dyauṣ pitar «دْيَوْش پِتَر» في الهند، وDiespiter «دِيسْپِيتِر» عند الرومان، أي «أبو النهار». ويضع مونير وليامز معهما تير النوردي، وفيه بقي الاسم وحده بلا لفظ الأب.

وفي اليونان السماء أورانوس ممتدّ على الأرض غايا يحبس أبناءه في جوفها حتى يقطعه ابنه كرونوس، وفي الهند يباعد فارونا وإندرا بين السماء والأرض بالإسناد من غير جرح. وفي مصر الأمر مقلوب: السماء أمّ هي نوت، والأرض أب هو جب. وفي سومر يأخذ آن السماء ويأخذ إنليل الأرض بعد أن تُبعد السماء عن الأرض، وتقرأ صفحة كي الأرض «القِيّ» و«القاع»، الأرض المنبسطة، كما نقرأ پرثڤي «البرث».

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «الريغفيدا»، النصّ السنسكريتي وترجمة غريفيث: 1.46، 1.159، 1.160، 1.164، 1.182، 1.185، 4.17، 6.51.

  2. «برهدآرنيكا أوبنشاد» 6.4.20، مكتبة غوتنغن.

  3. «المهابهاراتا»، آدي پرڤ، الفصلان 98 و99، ترجمة غانغولي.

  4. مونير وليامز، div «دِڤ» وpṛthivī «پْرِثِڤِي».

  5. فارو، في اللغة اللاتينية 5.66.

  6. معجم لين، ذو وأب وضوأ؛ المعجم العربي، برث.

  7. الفصل 98