الرئيسية/المفاهيم/الزواج المقدّس

الزواج المقدّس

ملخص

الزواج المقدّس قصّة اقتران معبودة بمعبود، أو بملك يقوم مقامه، يتوقّف عليه أن تُخرج الأرض زرعها، أو أن يثبت العرش، أو أن يولد من يحفظ النظام. وأقدم رواية تامّة له في نشيد سومري للملك إِدِّين دَاغَان، من ملوك إيسن، يصف عرس إنانا في رأس السنة.

يجتمع الناس في القصر، «البيت الذي يُشير على البلاد»، ويُقام فيه لإنانا مجلس يقيم معها فيه الملك. وفي رأس السنة، يوم الشعائر، لتقضي في مصير البلاد كلّها، ويوم يغيب القمر لتكتمل السنن، يُنصب لها سرير، ويُطهَّر عليه الحلفاء بعطر الأرز، ويُبسط فوقه غطاء. فتغتسل إنانا لأجل الملك، وتدلك جسدها بالصابون، وترشّ الزيت وعطر الأرز على الأرض. ويمضي الملك إليها مرفوع الرأس، ويضطجع إلى جانبها باسم أَمَا أُوشُومْغَال أَنَّا، فإذا أفرحته على السرير قالت: «يا إدّين داغان، أنت حبيبي حقّاً». ثم يدخل معبدها بالقرابين والبخور، فتعانق زوجها، وتشرق على منصّة العرش كضوء النهار، وتُقيم الملك إلى جانبها كالشمس. ويُعدّ الطعام والشراب، ويقف الناس صفوفاً أمامها، ويعزف المغنّون، ويقضي الناس يومهم في الوفرة، ويُدعى للملك: لتطل أيّامه على العرش البهيّ.

والاسم الذي يضطجع به الملك هو اسم الزوج في أغاني إنانا. يقول لها أخوها أوتو في إحدى الأغاني إنّه سيأتيها بالكتّان منقوعاً مغزولاً منسوجاً مبيّضاً، فتسأله: ومن يضطجع معي عليه؟ فيقول: عريسك، أما أوشومغال أنّا يضطجع معك. فتقول: هو رجل قلبي، لا يعزق الأرض ويكوّم الحَبّ أكداساً، راعٍ غنمه ثقيلة بالصوف. وفي أغنية أخرى تقول إنانا إنّها نظرت في الناس كلّهم فاختارت دموزي معبوداً للبلاد وقضت مصيره، ثم تغنّي بفرجها وتصفه حقلاً عالياً مرويّاً وأرضاً رطبة، وتسأل: من يحرثه؟ فيُجاب: الملك يحرثه لكِ، دموزي الملك يحرثه لكِ.

وتتكرّر الصورة في ميثولوجيات كثيرة. أورانوس السماء يغطّي غايا الأرض، وزيوس يضمّ هيرا على قمّة جبل إيدا فتُنبت الأرض تحتهما العشب والزهر، وإيزيس تحمل من أوزيريس بعد موته بالوارث حورس، وشيفا يتزوّج بارفاتي ليولد الابن الذي يقود الآلهة إلى النصر، وإيزاناغي وإيزانامي يدوران حول العمود قبل أن تولد الجزر، وفرير يشتاق إلى غِيرْذ ابنة العمالقة، ومن نسلهما ملوك السويد. وتتّفق الروايات في أنّ الاقتران يُعدّ له: تغتسل العروس وتتزيّن، ويُنصب السرير في موضع عالٍ أو منفرد، على قمّة جبل أو في بستان أو في قصر. وتتّفق في أنّ شيئاً يتوقّف عليه: زرع الأرض، أو بقاء الملك، أو ولادة من يحفظ النظام. وأكثرها يسبقه عائق يُذلَّل: عروس تفضّل غير من اختير لها، وفتاة تردّ العطايا، وعروس تتقشّف حتى يقبلها الزاهد، وزوجان يخطئان ترتيب الكلام فيعيدان الدوران. والفكرة التي يدور عليها الزواج المقدّس أنّ الخصب والملك يأتيان من اجتماع اثنين على شرط ورضا: إذا تمّ الاجتماع أخرجت الأرض ما فيها، وثبت الجالس على العرش، ووُلد الوارث.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يسمّيه اليونان ἱερὸς γάμος «هِيِيرُوسْ غَامُوس»، ويشرحه المعجم اليوناني «الزواج الطقسي»، وγάμος «غَامُوس» وحدها العرس والزواج. فإذا نزعنا لاحقة الإعراب -ος «-وس» بقي γαμ- «غَام»: غين صلبة ثم ميم. ونقرؤه «الجِماع»، وهي قراءة مقترحة على المنهج: الجيم العربية تظهر غيناً صلبة في قوانين جذور، والميم ميم، والعين تسقط لأنّ اليونانية لا عين فيها. وفي معجم لين: جامع امرأته، والجِماع اقتران الزوجين، ومن المادّة الجمع والاجتماع. ونقرأ ἱερός «هِيِيرُوس»، أي المقدّس، من «الحُرّ»، على المنهج نفسه: النَّفَس الذي يبدأ به في اليونانية يقابل الحاء، كما يقرأ المشروع اسم هيرا «الحُرّة»، والراء راء. وفي معجم لين: حرّر الولد جعله خالصاً لعبادة الله وخدمة المعبد، والمُحرَّر الولد الذي يهبه أبوه لخدمة المعبد. فالعبارة اليونانية في اللسان العربي «جِماعٌ مُحرَّر»، اقتران خالص للمعبود. وفي العربية للزواج كلمتان أخريان تشرحان هذه القصص. الأولى «العُرس»، وهو في معجم لين الزفاف وطعامه، والعِرس كلّ واحد من الزوجين، وبه تقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع اسم إيروس، القوّة التي تأتي في أوّل الخلق فيقترن بعدها كلّ شيء بقرينه. والثانية «البَعْل»: الزوج، وأصل معناه عند لين النكاح، وتبعّلت المرأة تزيّنت لزوجها، والبَعْل أيضاً النخل والزرع الذي يشرب بعروقه أو بماء المطر ولا يُسقى. وهو اسم بعل صاحب المطر، وتقول المقالة الكنعانية إنّ المطر «يُبعّل» الأرض، أي يُخصبها، فبعل يزوّج السماء بالأرض بكلّ دفقة مطر.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق اللسان المعنى
ἱερὸς γάμος هِيِيرُوسْ غَامُوس اليونانية الزواج الطقسي
γάμος غَامُوس اليونانية العرس، والزواج
γαμβρός غَامْبْرُوس اليونانية قريب بالمصاهرة: الصهر، وزوج الأخت
ἱερός، وفي الأيونية ἱρός هِيِيرُوس، هِيرُوس اليونانية المقدّس، المكرّس للمعبود
جِماع، جامع العربية اقتران الزوجين؛ الجمع والاجتماع
حُرّ، حرّر، مُحرَّر العربية الخالص؛ جعل الولد خالصاً لخدمة المعبد
عُرس، عِرس العربية الزفاف وطعامه؛ كلّ واحد من الزوجين
بَعْل، تبعّلت العربية الزوج والنكاح؛ تزيّنت لزوجها؛ زرع يشرب المطر

تقابل الغين اليونانية في γάμος «غَامُوس» الجيم العربية على قانون الاندماج في مشروع جذور، الذي يجمع القاف والكاف والجيم في صوت واحد يظهر k «ك» أو g «غ» في اللغات الأوروبية، وتسقط العين كما تسقط حروف الحلق في اليونانية، فيبقى من «جِماع» الجيم والميم، وهما حرفا الكلمة اليونانية. ويلتقي المعنيان: γάμος «غَامُوس» العرس والزواج، والجِماع اقتران الزوجين، والجمع ضمّ الشيء إلى الشيء. ولليونانية مع ذلك أسرة من هذه الكلمة، منها γαμβρός «غَامْبْرُوس»، أي القريب بالمصاهرة، فالقراءة تحتاج إلى أن تفسّر هذه الأسرة كلّها بالجيم والميم، وهذا ما تفعله إذا جُعل المعنى الجامع ضمّ أهل إلى أهل. وأمّا ἱερός «هِيِيرُوس» فيذكر المعجم اليوناني صيغته الأيونية ἱρός «هِيرُوس»، بالنَّفَس ثم الراء بلا حركة بينهما، وهي حرفا «حُرّ» بترتيبهما، والتضعيف لا يظهر في اليونانية. ومن معانيها في المعجم ما هو للمعبود، والمكرّس له كالمذبح والهيكل، والمعبد نفسه، وبها يوصف سرير زيوس في «الثيوغونيا». وفي معجم لين حرّر الولد جعله لعبادة الله وخدمة المعبد ما عاش، والمحرَّر الولد الموهوب لخدمة المعبد، وفي القرآن قول امرأة عمران «إنّي نذرتُ لك ما في بطني محرَّراً». فيلتقي المعنيان في ما يُخلَص للمعبود فلا يُردّ إلى الاستعمال العامّ. ويبقى أنّ الصيغة الأتّيكية ἱερός «هِيِيرُوس» فيها حركة بين النَّفَس والراء لا مقابل لها في «حُرّ».

الشواهد بحسب الحضارة

إنانا ودموزي في سومر

قبل العرس خلاف على الزوج. يقول أوتو لأخته: ليتزوّجكِ الراعي، زبدته طيّبة ولبنه طيّب، فتأبى وتقول: لن يتزوّجني الراعي، ليتزوّجني الفلّاح الذي يزرع الكتّان والحبّ. فيقابل دموزي ما عند الفلّاح بما عنده: ثوباً أسود بنعجة سوداء، وجعة بلبن، وخبزاً بجبن. ثم يلتقي الراعي والفلّاح على ضفّة النهر، فيعرض الفلّاح على الراعي أن ترعى غنمه في حقوله، ويقول الراعي: إذا تزوّجتُ فأنت صديقي. فالخطبة هنا موازنة بين معيشتين، وتنتهي بأن يجتمع الحبّ واللبن على مائدة واحدة.

ويُروى في الملخّص ما في الأغاني ونشيد إدّين داغان. وفي «نزول إنانا» تسلّم إنانا الزوج نفسه إلى شياطين العالم السفلي بديلاً عنها، فتصل صفحة النزول إلى العالم السفلي العرس بالغياب.

سرير في رأس البرج، ونرغال على عرش الموتى

يصف هيرودوت في بابل برجاً من ثمانية أبراج، في أعلاه هيكل كبير فيه سرير عظيم مفروش ومائدة من ذهب، ولا تمثال فيه، ولا يبيت فيه أحد إلّا امرأة من أهل البلد يختارها المعبود، كما يقول الكلدانيون. ويقولون إنّ المعبود يأتي الهيكل بنفسه ويستريح على السرير، ويقول هيرودوت إنّه لا يصدّقهم.

وفي قصّة نرغال وإريشكيغال يصير الزواج طريقاً إلى المُلك: تقول الملكة لمن أمسك شعرها: كن زوجي وأكون امرأتك، أُملّكك العالم السفلي الواسع وأضع لوح الحكمة في يدك، فيقبّلها ويمسح دموعها.

إيزيس وأوزيريس

يقول النشيد الكبير لأوزيريس إنّ أخته إيزيس طلبته بلا تعب، وطافت البلاد نائحة حتى وجدته، فظلّلته بريشها، وصنعت له النَّفَس بجناحيها، واجتمعت بأخيها، وأقامت جسده الهامد، وأخذت البذرة، وولدت الوارث، وربّته وحدها في موضع لا يُعرف. فلمّا اشتدّ ساعده أدخلته قاعة غِب، فقضى مجلس الآلهة له بالمُلك، وقال النشيد: ثبتت الوفرة بشرائعه، وانفتحت الطرق، وأمنت الأرض تحت ربّها. وموت أوزيريس وعودته في صفحة الموت والعودة؛ والذي يخصّ هذه الصفحة أنّ عرش الأحياء انتقل إلى ولد جاء من اقتران الحيّة بالميّت.

بعل وعنات في ألواح أوغاريت

لا تقول الدورة الكبرى لبعل إنّ بعلاً تزوّج عنات. وقبل أن ينزل بعل إلى موت يضاجع عجلة في البرّية، ولا يسمّيها النصّ عنات.

وفي لوح منفرد عن الدورة، KTU 1.10 «كا تي يو 1.10»، تسأل عنات عن بعل فيقال لها إنّه خرج بقوسه وسهامه يصيد في قصب شَمَك، الملآن بالثيران البرّية، فتطير إليه. فيراها بعل، «الفتاة عنات، أحبّ أخوات بعل»، فيقوم ويخرّ عند قدميها ويقول: لتطل حياتكِ يا أختي، قرناكِ القويّان يمسحهما بعل بالزيت. ثم ترى عنات بقرة فتطاردها غاضبة. وفي العمود الثالث تلد البقر عجلاً وعجلة، ثم تلد بقرة لبعل ثوراً برّياً، فتصعد عنات إلى جبل صافون وتبشّره: وُلد ثور لبعل. واللوح مكسور في أعلاه، ويُكمَّل بعض أوّل عموده الثالث من لوح آخر، KTU 1.11 «كا تي يو 1.11». وفي أوّل هذا اللوح الثاني سطران تالفان فيهما فعل يختلف الباحثون في معناه، ثم يمسك أحد الاثنين بطن الآخر ويمسك الآخر خصيتيه. ويقرأ ويكاندر السطرين وصفاً للقاء عنات وبعل، ويرى فيهما باربوسا مثل ذلك، ويرى بعدهما أنّ الولد عجل لا يرضى به بعل، لكنّه لم يترجم اللوح لسوء حاله.

فما في الألواح: عنات تُسمّى أخت بعل و«الفتاة»، ويُبشَّر بعل بثور وُلد له من بقرة، ويصف لوح تالف لقاء جسدين يقرؤهما باحثان عنات وبعلاً. وما ليس فيها نصّاً: أنّ عنات هي البقرة الوالدة، أو أنّها زوجة بعل. ويقول إزاك كورنيليوس إنّ عنات رفيقة بعل في القتال وشريكته، ولم تكن زوجته قطّ، وإنّ النصوص التي فُهم منها اقترانهما تُقرأ اليوم قراءة أخرى عند بِغي داي ونيل والس، وإنّها في هذين اللوحين «سيّدة الحيوان»، ويخالفهم غيرهم، منهم ويكاندر وباربوسا في قراءة السطرين. والزواج الذي تصرّح به ألواح أوغاريت لوح آخر، KTU 1.24 «كا تي يو 1.24»، فيه يعانق القمر يَرِخ نِكَّل لتحمل له ولداً.

أورانوس وغايا، وزيوس وهيرا

تلد غايا وحدها أورانوس مساوياً لها ليغطّيها من كلّ جهة، ثم تضطجع معه فتلد التيتان. ويأتي أورانوس في الليل مشتاقاً فيمتدّ عليها كلّها، ولا يدع أبناءه يخرجون إلى النور، حتى يقطعه كرونوس بالمنجل. فالاقتران الأوّل في «الثيوغونيا» اقتران لا ينفصل، ولا يتّسع العالم إلّا حين يُفصل. وفي آخر القصيدة يتّخذ زيوس هيرا زوجة، فتلد له هيبي وآريس وإيليثيا.

وفي النشيد الرابع عشر من «الإلياذة» تغتسل هيرا بالأمبروسيا، وتدّهن، وتلبس ثوباً نسجته أثينا، وتستعير من أفروديت حزام الرغبة، ثم تصعد إلى قمّة غارغاروس من جبل إيدا. فيراها زيوس فيحبّها كما أحبّها أوّل مرّة حين اجتمعا خفيةً عن أبويهما. فيضمّها، فتُنبت الأرض تحتهما عشباً غضّاً ولوتساً ندياً وزعفراناً وزهر الياقوتية، كثيفاً ليّناً يرفعهما عن الأرض، وتغطّيهما سحابة ذهبية يقطر منها الندى.

ويحكي أهل بلاتايا أنّ هيرا غضبت من زيوس واعتزلت في يوبويا، فأشار عليه كيثايرون أن يصنع تمثالاً من خشب ويحمله ملفوفاً على عربة ثيران ويقول إنّه يتزوّج بلاتايا ابنة أسوبوس. فجاءت هيرا مسرعة ومزّقت الثوب عن العروس، فلمّا وجدتها خشبة رضيت وصالحت زوجها، ومن ذلك عيد «ديدالا» الذي يحتفلون به كلّ بضع سنين.

شيفا وبارفاتي، وسوما وسوريا

في «مولد إله الحرب» لكاليداسا يشكو الآلهة إلى براهما من الشيطان تاراكا، فيقول لهم إنّ ابناً يولد لشيفا وبارفاتي سيقودهم إلى النصر. فيرسل إندرا كاما، إله الحبّ، ومعه الربيع، فيذوب الثلج ويزهر الشجر وتستيقظ الطير والظباء، ولا يتحرّك شيفا في تأمّله. فإذا همّ كاما أن يرميه بسهمه رآه شيفا فأحرقه بنار من عينه. فتتقشّف بارفاتي حتى يرضى بها، ويرسل الحكماء السبعة يخطبونها من أبيها جبل الهيمالايا، ويُقام العرس، ويردّ شيفا على كاما جسده. ثم يولد كومارا ويقود الآلهة فيقتل تاراكا. كاليداسا، «مولد إله الحرب»، الأناشيد 2–3 و6–8 و10–17، في عرض رايدر. وفي «شيفا بورانا» يوقد شيفا النار ويقرّب القربان وبارفاتي في حجره، ويعطي أخوها ميناكا حفنة الحبّ المحمّص، ثم يطوفان حول النار كما يجري عرف الناس.

وفي «ريغفيدا» نشيد عرس آخر: سوما يخطب سُورْيَا، وهي الشمس في صيغة المؤنّث، والأشوِنان رفيقا العريس، وسافِتْر يعطيها لزوجها، وكانت «خزانتها الأرض والسماء». ثم يتحوّل النشيد إلى عرس بشري، فيقول الزوج: آخذ يدكِ لتكوني ذات حظّ وتشيخي معي، ويقول: نالكِ سوما أوّلاً، ثم الغندهرفا، ثم أجني، وزوجكِ الرابع إنسان، وأعطاني أجني المال والأبناء وهذه الزوجة. فالعرس الإلهي أوّل الأعراس، وكلّ عروس تمرّ بأزواجه قبل زوجها.

إيزاناغي وإيزانامي

ينزل إيزاناغي وإيزانامي إلى جزيرة أونوغورو، فيريان عموداً سماوياً وقاعة واسعة. فيسأل أخته وزوجته: كيف صُنع جسدكِ؟ فتقول: صُنع، وفيه موضع لم يتمّ. فيقول: وفي جسدي موضع زاد، فأضع ما زاد فيّ في ما لم يتمّ فيكِ فنلد الأرض. فيتّفقان أن يدورا حول العمود، هي من اليمين وهو من الشمال، فإذا التقيا قالت هي أوّلاً: ما أجمله من رجل، ثم قال: ما أجملها من امرأة. فيولد لهما ولد كالعَلَقة فيضعانه في قارب من قصب، ثم جزيرة أواشيما فلا تُعدّ في ولدهما. فيصعدان إلى آلهة السماء، فيُكشف بالعرافة أنّ العلّة في أنّ المرأة تكلّمت أوّلاً، فينزلان ويدوران من جديد، ويتكلّم هو أوّلاً، فتلد الجزر واحدة بعد واحدة.

ويجمع شرح جامعة كوكوغاكوين لهذا الفصل أعرافاً قريبة: ينصب أهل قرى في الصين شجرة في الحقل في الربيع ويدور حولها الرجال والنساء ليختاروا أزواجهم، ويقارن تسودا العمود بعمود الربيع في أوروبا، ويذكر ياسودا طقساً في رأس السنة كان باقياً في سبعينيات القرن العشرين في نواحي غونما، يدور فيه رجل وامرأة عاريان حول الموقد ليُبارَك زرع الدخن.

نوا وأخوها

في خبر متأخّر من «دو يي جي» 獨異志 / Dúyì zhì «دُو يِي جْه»، لمّا انفتح الكون أوّل مرّة لم يكن في الدنيا إلّا نوا وأخوها على جبل كونلون، ولا ناس تحت السماء. فتشاورا أن يصيرا زوجين، واستحيا. فصعد الأخ بأخته إلى الجبل ودعا: إن كانت السماء تريدنا زوجين فليجتمع الدخان، وإن لم تُرد فليتفرّق. فاجتمع الدخان، فأتت الأخت أخاها، وصنعت من العشب مروحة تستر بها وجهها، ومنها مروحة العروس. ولا يسمّي النصّ المنقول الأخ.

فرير وغيرذ

يجلس فرير على كرسيّ أودين فيرى في أرض العمالقة غِيرْذ ابنة غِيمِير، فيمرض شوقاً. ويعطي خادمه سْكِيرْنِير حصانه وسيفه الذي يقاتل وحده، فيمضي إليها. فتردّ غيرذ إحدى عشرة تفّاحة من ذهب، وتردّ الخاتم الذي أُحرق مع بالدر، ولا يخيفها السيف، حتى يلعنها سكيرنير بالعصا والرونات بلعنة الوحدة والجوع والذلّ، فتقبل وتقول: بستان بَارِّي نعرفه نحن الاثنين، ساكن الريح، وبعد تسع ليال تهب غيرذ فيه لابن نيورذ متعة الحبّ. فيقول فرير: طويلةٌ ليلة، وطويلتان ليلتان، فكيف أصبر ثلاثاً؟ ويقول شرح «حكايات الشمال» إنّ اسم البستان قد يكون من barr «بَارّ»، أي الشعير، ويتساءل: أهو رضا أم إكراه؟ ويقول سنوري إنّ فرير أعطى سيفه ثمناً لها، فلقي بيلي بقرن أيّل، ويلقى سُرْتْر في راغناروك بلا سيف.

وفي «ملحمة الإنغلنغيين» يحكم فرير السويد ويبني معبد أوبسالا، وفي أيّامه عمّ السلام والخصب الأرض كلّها، فنسب السويديون ذلك إليه. وزوجته غيرذ ابنة غيمير، وابنهما فيولنير، ومن اسمه الثاني إنغفي سُمّي ملوك أوبسالا الإنغلنغيين. ولمّا مات أخفوه في رابية ثلاث سنين وقالوا إنّه حيّ، فبقي الخصب والسلام.

التوازيات عبر الحضارات

الزوجان ما يتوقّف على الاقتران العائق موضع الاقتران
إنانا والملك مصير البلاد، وطول ملك الملك سرير في القصر في رأس السنة
إنانا ودموزي الحقل المحروث، والحبّ والصوف تفضّل إنانا الفلّاح أوّلاً الكتّان المبيّض
نرغال وإريشكيغال ملك العالم السفلي العداوة والتهديد بالقتل قصر الموتى
إيزيس وأوزيريس الوارث والعرش والوفرة موت الزوج
أورانوس وغايا الجيل الأوّل من الآلهة أب يحبس أبناءه السماء ممدودة على الأرض
زيوس وهيرا إنبات الأرض تحتهما، والصلح في عيد ديدالا حيلة هيرا، وغضبها قمّة إيدا في سحابة ذهبية
شيفا وبارفاتي ولادة كومارا الذي يقتل تاراكا زهد شيفا واحتراق كاما جبل الهيمالايا، والطواف بالنار
سوما وسوريا العرس الأوّل الذي تمرّ به كلّ عروس مركبة العروس
إيزاناغي وإيزانامي ولادة الجزر والكامي خطأ ترتيب الكلام العمود السماوي
نوا وأخوها ولادة الناس حياء الأخوين جبل كونلون
فرير وغيرذ ملوك السويد، والسلام والخصب رفض غيرذ، والسيف المفقود بستان بارّي

أوّل ما يتشابه الحرث والمطر. تصف إنانا نفسها حقلاً مرويّاً يُحرث، والعريس في الأغنية يكوّم الحَبّ ولا يعزق، وتُنبت الأرض الزهر تحت زيوس وهيرا، وقد يكون بستان غيرذ «الشعير». ويقرأ المشروع اسم أورانوس من «عَرَن»، وعرانين السحاب في معجم لين أوائل مطره، ويقرأ اسم غايا «الحيّة»، والحَيا المطر الذي تحيا به الأرض. فاقتران السماء بالأرض في «الثيوغونيا» اقتران المطر الأوّل بالأرض التي تلد، ولكنّه في القصيدة اقتران خانق لا يدع الأبناء يخرجون، فيُقطع. وفي العربية يجمع «البَعْل» الزوج والزرع الذي يشرب المطر.

ثم الملك. يقيم إدّين داغان على العرش لأنّ إنانا قالت إنّه حبيبها، ويصير نرغال ملك الموتى بزواجه، ويرث حورس عرش أبيه بولادة من اقتران إيزيس بأوزيريس، ويُنسب ملوك أوبسالا إلى فرير وغيرذ، وتصير هيرا ملكة إلى جانب زيوس. ويقرأ المشروع اسم هيرا «الحُرّة»، أي الزوجة الحرّة الشرعية، وهو بالضبط ما يجعلها الزواج المقدّس: الزوجة التي يقوم بها البيت الحاكم.

ثم الدوران والترتيب. يدور إيزاناغي وإيزانامي حول العمود من جهتين متقابلتين، ويطوف شيفا وبارفاتي حول النار، ويطلب أخو نوا علامة من الدخان. وفي القصّة اليابانية لا يصحّ الولد إلّا إذا صحّ ترتيب الكلام. وتقرأ المقالة السامية اليابانية في هذا المشروع الزوجين كفّتي ميزان، ويقرؤهما المشروع من «وِزان»، فالدوران من جهتين حتى يلتقيا موازنة بين كفّتين.

وتفترق الروايات في الرضا. تختار إنانا عريسها وتقضي مصيره، وتتعبّد بارفاتي حتى تُقبل، أمّا غيرذ فتقبل بعد اللعنة، وإريشكيغال في نصّ العمارنة تحت السيف، وهيرا تخدع زيوس لتصرفه عن الحرب. وتفترق في الزمن: بعض هذه الأعراس يُعاد، كعرس إنانا في رأس كلّ سنة، وعيد ديدالا، ونشيد سوما وسوريا في كلّ عرس بشري؛ وبعضها يقع مرّة في أوّل الخلق، كأورانوس وغايا، وإيزاناغي وإيزانامي، ونوا وأخيها. وفي كثير منها الزوجان أخوان: إيزاناغي وأخته الزوجة، ونوا وأخوها، وزيوس وهيرا ابنا كرونوس، وإيزيس وأوزيريس؛ ويسمّي بعل عنات أخته ولا يصرّح النصّ بزواجهما.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالات المشروع هذه القصص من الطبيعة. تقول المقالة الكنعانية إنّ بعلاً هو الزوج الذي يملك أرضه، وإنّ المطر «يُبعّل» الأرض فيخصبها، فإله المطر هو البعل الذي يزوّج السماء بالأرض بكلّ دفقة مطر. وتقرأ المقالة الإغريقية أورانوس يغطّي غايا غلافاً جوّياً كثيفاً يطبق على الأرض، ومنجل كرونوس الزمن الذي يفصل السماء عن الأرض. وتقرأ المقالة السامية الإغريقية إيروس من «العِرس»، فهو قوّة الاقتران الكونية التي تجعل العناصر تنجذب وتتزاوج، وتقابله بكاما الهندي وبدموزي في قوّة الاقتران. وتقرأ المقالة الصينية اتّحاد الين واليانغ أقدم وصف رمزي لتكاثر الأحياء. وتقرأ المقالة اليابانية إيزاناغي وإيزانامي صفيحتين من صفائح الأرض يُخرج اصطدامهما البراكين، فتولد الجزر. وتقرأ المقالة السامية السومرية اسم «جيجونو» من «جُنّ» إذا استتر، وتجعله الحجرة المحجوبة في أعلى المعبد حيث يقع الزواج المقدّس. والجيجونو في «نزول إنانا» معبد لإنانا في زبالام تتركه حين تنزل، ونشيد إدّين داغان يضع السرير في القصر، وهيرودوت يضع سرير المعبود في أعلى برج بابل.

والنصوص تسند أكثر هذه القراءات بصورها هي. إنانا حقل يُحرث والعريس حارث، والأرض تُخرج الزهر تحت زيوس وهيرا، والحبّ المحمّص يُلقى في نار عرس شيفا، والبستان الذي تعد فيه غيرذ قد يكون الشعير، وطقس الدخن في اليابان يدور فيه رجل وامرأة حول الموقد. وفي هذه الصور كلّها الزرع يحتاج إلى اثنين: أرض تقبل، وماء أو محراث يأتيها. ونشيد إدّين داغان يضع العرس في رأس السنة ويوم يغيب القمر، فالعرس هنا يفتح السنة الزراعية ويقضي مصير البلاد فيها.

وفي القصص صورة دقيقة لأعراس الناس أيضاً. تغتسل العروس وتتطيّب وتتزيّن، كما تفعل إنانا وهيرا وبارفاتي، وفي العربية تبعّلت المرأة إذا تزيّنت لزوجها. ويُطاف بالنار ويُلقى فيها الحبّ كما تقضي عادة الناس في «شيفا بورانا»، وتُتلى أبيات سوما وسوريا في الأعراس، وتستر العروس وجهها بمروحة كما فعلت نوا، ويحتفل أهل بلاتايا بعرس خشبي يذكّرهم بصلح زيوس وهيرا. ويُطلب رضا الأهل: يخطب الحكماء بارفاتي من أبيها، ويقول أوتو لأخته من تتزوّج، ويخاف إيزاناغي وأخته ممّا تقضي به آلهة السماء. فالزواج المقدّس صورة العرس البشري مرفوعة إلى السماء، ثم هو المثال الذي يُعاد عليه كلّ عرس بعده.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. نشيد إنانا وإدّين داغان، مدوّنة الأدب السومري، أغنية لإنانا ودموزي «أ»، «پ»، دموزي وإنكيمدو.

  2. هيرودوت 1.181–182، ترجمة غودلي.

  3. نيل والس، الرغبة والخلاف والموت، 2001.

  4. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 2، 1976.

  5. أولا ويكاندر، الجفاف والموت والشمس في أوغاريت وإسرائيل القديمة، 2014، باربوسا، نسل لبعل، إزاك كورنيليوس، «عنات»، 2008.

  6. الثيوغونيا، «الإلياذة» 14، باوسانياس، الكتاب 9.

  7. كاليداسا، «مولد إله الحرب»، في ترجمة رايدر وعرضه، «شيفا بورانا»، بارفاتي خاندا، «ريغفيدا» 10.85.

  8. «كوجيكي»، الفصلان 4–5، ترجمة جامعة كوكوغاكوين وشرحها.

  9. «دو يي جي» في «الموسوعة الجامعة».

  10. «أقوال سكيرنير»، «خداع غيلفي»، 37، «ملحمة الإنغلنغيين».

  11. معجم لين، جمع وعرس وبعل؛ المعجم اليوناني، γάμος «غَامُوس» وγαμβρός «غَامْبْرُوس».

  12. معجم لين، حرر
  13. ἱερός «هِيِيرُوس»
  14. آل عمران 35
  15. «كوجيكي»، الفصل 4
  16. الفصل 5