ملخص
إِيذُون ربّة من الآسير في أساطير الشمال الإسكندنافي، زوجة براغي ربّ الشعر. تحفظ في صندوق لها التفاح الذي يعضّ منه الآلهة إذا شاخوا فيعودون كلّهم شباباً، «وهكذا يبقى الأمر إلى راغناروك». ولمّا قال السائل في «خداع غيلفي» «غِيلْفَاغِينِينْغ» إنّ الآلهة يعلّقون أمراً عظيماً على حفظ إيذون وأمانتها، ضحك المجيب وقال: كاد ذلك يقع في الهلاك مرّة.
والخبر يحكيه براغي نفسه لضيف الآلهة إيغير. خرج أودين ولوكي وهُونِير في سفر بين الجبال والقفار، وقلّ عليهم الطعام، فأخذوا ثوراً من قطيع في وادٍ وجعلوه في حفرة الشواء، فلم ينضج مرّتين. فسمعوا صوتاً من شجرة بلّوط فوقهم، فإذا نسر كبير يقول إنّه هو الذي يمنع اللحم أن ينضج، وإنّه يتركه إن أعطوه شبعه منه. فلمّا رضوا نزل فأخذ الفخذين والكتفين. فغضب لوكي وضربه بعصا طويلة، فعلقت العصا بظهر النسر، وعلقت يدا لوكي بطرفها الآخر، فطار به النسر فوق الحجارة والأشجار حتى كادت ذراعاه تنخلعان، ولم يطلقه حتى حلف أن يُخرج إيذون من أسغارد ومعها تفاحها. فاستدرجها لوكي إلى غابة، وقال لها إنّه وجد تفاحاً سيعجبها، وطلب أن تحمل تفاحها لتقارن بينهما. فجاء العملاق ثْيَاتْسِي في صورة النسر، فخطفها وطار بها إلى داره ثْرِيمْهَايْم.
فلمّا غابت إيذون شاب الآلهة وشاخوا سريعاً. فاجتمعوا يسأل بعضهم بعضاً عمّن رآها آخر مرّة، فعرفوا أنّها خرجت من أسغارد مع لوكي. فأُخذ لوكي وهُدّد بالقتل والعذاب، فقال إنّه يأتي بها إن أعارته فريا ريش الصقر الذي تملكه. فطار إلى بلاد العمالقة، فوجد ثياتسي قد خرج في قاربه إلى البحر، وإيذون وحدها في البيت، فجعلها جوزة وحملها في مخالبه وطار. ورجع العملاق فلم يجدها، فلبس ريش النسر وطار خلفه حتى صار لطيرانه صوت الريح. ورأى الآلهة الصقر يحمل الجوزة والنسر خلفه، فخرجوا إلى سور أسغارد بأحمال من نشارة الخشب، فلمّا دخل الصقر وسقط عند السور أشعلوها، ولم يقدر النسر أن يقف، فاحترق ريشه وسقط، فقتلوا ثياتسي داخل الأبواب. ثم جاءت ابنته سكاذي بسلاحها تطلب ثأر أبيها.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ شباب الآلهة ليس في أجسادهم، وإنّما في يد امرأة وفي ثمر تحفظه. فإذا خرجت من بيتهم شاخوا في أيّام كما يشيخ الناس. والذي فرّط فيها هو لوكي، والذي أُجبر على ردّها هو لوكي، فالحيلة التي أخرجتها هي التي أعادتها. ولهذا الشباب أجل: يحفظ التفاح الآلهة إلى راغناروك، ولا يمنعهم من الموت في المعركة الأخيرة. ومن هنا يسمّي الشعراء التفاح «دواء الآسير من الشيخوخة»، ويسمّون إيذون «حافظة التفاح» و«غنيمة ثياتسي».
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، لأنّ المقال لا يقرأ اسمها: يقسم الشاعر اسمها في قصيدته نصفين، Ið- «إِيذ» ثم -unnr «أُونّْر»، فأوّل الاسم عنده جزء قائم بنفسه. وIð- «إِيذ» في المعجم النوردي سابقة معناها الرجوع والإعادة، ومنها الكلمة التي تعني الجزاء المردود. فإذا سقطت العين، كما تسقط في أكثر المقابلات، وقابلت الذال النوردية الدال العربية، كان «إيذُن» هو «عَدْن». وعَدَن بالمكان في معجم لين أقام فيه ولزمه، ومنه «جنّات عدن»، أي جنّات الإقامة الدائمة. ويلتقي بها في معنى السابقة النوردية «عاد يعود»، أي رجع إلى الحال مرّة ثانية. فإيذون على هذه القراءة صاحبة الإقامة والعَوْد: بتفاحها يقيم الآلهة على شبابهم، وإليه يعودون كلّما شاخوا.
الجذر اللغوي
إيذون و«عَدْن»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| Iðunn | إِيذُونّ | الرفع |
| Iðunni | إِيذُونِّي | النصب، «لغة الشعر» 2 |
| Iðunnar | إِيذُونَّار | الإضافة، «لغة الشعر» 3 |
| Ið- … -unnr | إِيذ… أُونّْر | الاسم مقسوماً في «هاوستلونغ» 10 |
| ið- | إِيذ | سابقة: الرجوع والإعادة |
يذكر معجم كليسبي وفيغفوسون اسم إيذون ولا يعطيه أصلاً. ويضع قبله مباشرة السابقة ið- «إِيذ»، ويقول إنّها لا تأتي إلّا في المركّبات، وتقابل الإنجليزية القديمة ed- «إِد» واللاتينية re- «رِي»، أي الرجوع والإعادة. ومنها iðgjöld «إِيذْغْيُولْد»، الجزاء المردود، وبها يصف أودين في «أقوال العالي» «هَاوَامَال» جزاءه السيّئ لغونّلوذ. ومنها الصفة التي تصف بها «نبوءة العرّافة» «فُولُوسْبَا» الأرض حين تطلع من البحر مرّة ثانية بعد راغناروك: iðjagrœna «إِيذْيَاغْرُونَا»، أي «خضراء من جديد». ويضع المعجم بعدها السابقة iður- «إِيذُر»، أي مراراً، ويقارنها باللاتينية iterum «إِيتِيرُوم»، أي مرّة أخرى، وكذلك يفعل أورِل.
وفي معجم لين، مادّة «عدن»: «عَدَنَ به: أقام فيه، ولزمه»، يقال للمكان وللبلد، ومنه «جنّات عدن»، أي جنّات الإقامة، أو جنّات الإقامة الدائمة، و«عدنت الإبل بمكان كذا» لزمته ولم تبرحه. ومنها «العَيْدان»، النخل الطوال، وقيل سُمّيت بذلك لطول بقائها، ويذكرها المعجم أيضاً في مادّة «عود». وفي مادّة «عود»: «عاد إليه: رجع إليه»، و«عاد إلى كذا: صار إليه، أوّلاً، أو مرّة ثانية».
والمقابلة تُسقط العين، وهي في قوانين مشروع جذور أكثر الحروف سقوطاً في اللغات الأوروبية. والذال النوردية بين حركتين تقابل الدال في أخواتها، كما تقابل هذه السابقة نفسها ed- «إِد» في الإنجليزية القديمة، فالدال العربية تقابلها كما تقابلها الدال الإنجليزية. والنون نون. ويبقى أمر واحد: لا تقول مصادرنا هل -unn «أُونّ» من أصل الاسم أم لاحقة، فإن كانت لاحقة لم يبقَ للنون مقابل، ولم يبقَ من «عدن» إلّا العين والدال، وهما حرفا «عاد» كذلك.
وفي العبرية، وهي فرع من فروع اللسان، עֵדֶן «عِيدِن» بمعنى النعيم والترف، وهو أيضاً اسم الأرض التي غُرست فيها جنّة الربّ، ويرى معجم براون ودرايفر وبريغز أنّ العبرانيين ربطوا اسم الموضع بكلمة النعيم. وفي تلك الجنّة شجرة الحياة، التي من أكل منها عاش إلى الأبد. فالحروف نفسها تسمّي في الفرع العبري الجنّة التي في ثمرها بقاء الحياة.
قراءات أخرى
لا يقرأ المقال اسم إيذون. لكنّه يذكر «عَدَن» بمعنى أقام في قراءات اسم أودين، ويرى فيها أودين الجالس على عرشه، وهي هنا أقرب صوتاً، لأنّ الذال في اسم أودين ذال عربية خالصة لا دال. ويمكن أن يُقرأ أوّل الاسم وحده «عِيد»، من «عاد» نفسها، أي ما يعود كلّ عام، ويبقى معنى السابقة النوردية، الرجوع، هو الجامع بين القراءات الثلاث.
السرديات الأسطورية الرئيسة
«هاوستلونغ»: الخبر على درع
أقدم ما وصلنا من خبر إيذون قصيدة «هَاوْسْتْلُونْغ»، أي «طويلة الخريف»، نظمها ثْيُوذُولْف من هْفِين، شاعر بلاط الملك هارالد ذي الشعر الجميل، يصف فيها الصور المرسومة على درع أهداه إيّاه رجل اسمه ثُورْلِيف، ويقول سنوري إنّه نظمها على هذا الخبر. وفيها يُؤمر لوكي أن يأتي بالفتاة «التي تعرف دواء الآسير من الشيخوخة»، ثم يقول الشاعر إنّ إيذون لمّا صارت عند العمالقة شاب أهل يِنْغْفِي فْرَيْر كلّهم في مجلسهم وشاخوا، ثم يطير لوكي في ريش الصقر، ويرفع الآلهة النشارة ويشعلونها فيحترق العملاق.
إيذون في «خصومة لوكي»
في وليمة إيغير تطلب إيذون من زوجها براغي ألّا يقابل لوكي بالشتم في قاعة إيغير، من أجل القرابة. فيقول لها لوكي: اسكتي، فأنت أشدّ النساء طلباً للرجال، فقد طوّقت بذراعيك المغسولتين قاتل أخيك. فتقول: لا أشتم لوكي في قاعة إيغير، وإنّما أهدّئ براغي الذي أخذ منه الشراب، ولا أريد أن يقتتل الغاضبان. ولا يذكر نصّ آخر أخاً لإيذون ولا قاتله. وفي أوّل «لغة الشعر» تجلس إيذون بين الربّات حين يزور إيغير الآلهة، وتحضر وليمته حين يزورونه.
تفاح آخر
يعرض سكيرنير على غيرذ إحدى عشرة تفّاحة كلّها من ذهب، ثمناً لحبّ فرير، فتردّها. ولا يقول النصّ إنّها من تفاح إيذون، ولا يقول سنوري إنّ تفاح إيذون من ذهب.
القراءة الرمزية
لا يقرأ المقالان إيذون. لكنّ المقال النوردي يجعل أعداء الآلهة أخطار البيئة، الجوع والبرد والبحر والظلام، ويجعل بلاد العمالقة الأرض غير المأهولة خلف الجبال. وعلى هذه القراءة، وهي تطبيق لقراءة المقال على هذه القصّة لا قراءة منه لإيذون، يُحمل الشباب إلى دار العملاق في الجبال، فيشيخ أهل البيت، ثم تُشعل النار عند السور فيسقط العملاق ويرجع الشباب. والذي في النصّ نفسه ثمر محفوظ في صندوق يُؤكل منه عند الحاجة، وطعام يُمنع عن الآلهة في سفرهم حتى يأخذ النسر نصيبه، ونار تُشعل من نشارة الخشب عند الباب.
التوازيات عبر الحضارات
في الملحمة البابلية يدلّ أوتنابشتيم جلجامش على نبتة تحت الماء تعيد الشباب، فيأخذها ثم تأكلها حيّة وهو يغتسل، فيرجع بلا نبتة. والقصّتان تجعلان الشباب في نبات يؤخذ ويُفقد، وتفترقان في أنّ نبتة جلجامش ضاعت إلى الأبد، وتفاح إيذون ردّته الحيلة. وفي الخبر الإغريقي تفّاحات ذهبية أهدتها الأرض لـزيوس يوم زواجه بـهيرا، يحرسها تنّين وبنات الغروب، فيأخذها هرقل إلى يوريسثيوس، ثم تردّها أثينا لأنّه لا يحلّ أن توضع في غير موضعها. فهي كذلك ثمر للآلهة يُخرج من بستانه ثم يُعاد. وفي سفر التكوين شجرة الحياة في جنّة عدن، يُمنع الإنسان من ثمرها كي لا يعيش إلى الأبد.
وحيلة لوكي التي تُخرج إيذون ثم تردّها من شواهد المحتال، وعودة الآلهة إلى الشباب بتفاحها إلى أن تأتي النهاية مرتبطة بـراغناروك.