فولوند

ملخص

فُولُونْد حدّاد في أساطير الشمال، يعرفه الإنجليز القدماء باسم ويلاند والألمان باسم فيلاند، وقصّته في «أنشودة فولوند» «ڤُولُونْدَارْكْفِيذا» من «إدّا الشعرية». تسمّيه القصيدة ثلاث مرّات «سيّد الألفار»، ويقول النثر الذي يسبقها إنّه «أحذق رجل عُرف في القصص القديمة».

يروي النثر أنّ لملك الفنّ ثلاثة أبناء، سْلَاغْفِيذ وإيغيل وفولوند، يتزلّجون ويصيدون، فبنوا بيتاً في وادي الذئاب عند بحيرة. وفي صباح وجدوا على شاطئ البحيرة ثلاث نساء يغزلن الكتّان، وبجانبهنّ ثيابهنّ من ريش البجع، وكنّ من الفالكيريات. فتزوّجهنّ الإخوة، وأخذ فولوند ألْفِيت. وبقين سبع سنين، واشتقن في الثامنة، وفي التاسعة طرن ليشهدن الحروب ولم يرجعن. فخرج أخواه يطلبان زوجتيهما، وبقي فولوند وحده في الوادي يطرق الذهب الأحمر حول الحجر الكريم، ويعلّق الخواتم في حبل من اللحاء، ينتظر أن ترجع إليه زوجته.

وسمع نِيذُوذ، ملك في السويد، أنّ فولوند وحده، فجاءه رجاله ليلاً، فرأوا سبعمئة خاتم معلّقة، فأخذوا واحداً. ورجع فولوند من الصيد، فشوى لحم دبّ، وجلس على جلد الدبّ يعدّ خواتمه، فوجد واحداً ناقصاً، فظنّ أنّ زوجته رجعت وأخذته، وجلس حتى نام، فاستيقظ مقيّد اليدين والرجلين. فأعطى الملك الخاتم لابنته بُوذْفِيلْد، وعلّق سيف فولوند في حزامه. وقالت الملكة: عيناه كعيني الحيّة اللامعة، وأسنانه تكشّر حين يرى السيف وخاتم بوذفيلد، فاقطعوا عصب ساقيه وضعوه في سِيفَارْسْتاذ. ويقول النثر: فقُطع عصب ركبتيه، ووُضع في جزيرة قريبة من البرّ، فصنع للملك هناك كلّ نوع من التحف، ولم يكن أحد يجرؤ أن يأتيه إلّا الملك.

فجلس فولوند لا ينام، يضرب بالمطرقة، ويصنع حيلة لنيذوذ. فجاءه ابنا الملك يطلبان رؤية الكنوز، ففتح لهما الصندوق، فرأيا فيه ذهباً كثيراً، فقال: تعاليا غداً وحدكما، ولا تخبرا أحداً. فلمّا جاءا قطع رأسيهما وأخفى أرجلهما في الوحل، وأخذ جمجمتيهما فغشّاهما بالفضّة وأرسلهما إلى نيذوذ كأسين، وصنع من عيونهما جواهر أرسلها إلى الملكة، ومن أسنانهما حُليّاً للصدر أرسلها إلى بوذفيلد. ثم جاءت بوذفيلد بالخاتم وقد انكسر، لا تجرؤ أن تخبر أحداً غيره، فقال: أصلحه حتى يبدو لأبيك أجمل ولأمّك أحسن، وسقاها الجعة حتى نامت على مقعدها، فنال منها.

ثم ارتفع فولوند في الهواء ضاحكاً، وخرجت بوذفيلد من الجزيرة باكية. وجلس على سور القاعة، فنادى الملكَ، واستحلفه بحافّة السفينة وحافّة الترس وكتف الفرس وحدّ السيف ألّا يؤذي زوجة فولوند ولا ولده، ثم قال: اذهب إلى الكير الذي بنيته تجد المنافيخ ملطّخة بالدم، وقصّ عليه ما صنع بابنيه، وقال: بوذفيلد الآن حامل. فقال الملك: لا رجل أطول من أن ينزلك عن فرسك، ولا أقوى من أن يرميك من تحت وأنت معلّق في السحاب. وطار فولوند ضاحكاً، وبقي نيذوذ جالساً حزيناً. ثم دعا ابنته فسألها: أصحيح أنّك جلست مع فولوند في الجزيرة؟ فقالت: صحيح، ساعة ما كان ينبغي أن تكون، ولم أقدر أن أدفعه عنّي. ولا تقول القصيدة كيف طار؛ تقول إنّه ارتفع «على أقدام ذات غشاء» كأقدام طير الماء، ويرى القرّاء في الحيلة التي صنعها عند الكير جناحيه.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الصانع الذي يُستعبد لصنعته يصنع منها انتقامه وخروجه. أخذ الملك منه خاتماً وسيفاً، وقطع عصبه ليبقى في الجزيرة يصنع له، فصنع فولوند من ابني الملك كؤوساً وجواهر أهداها إلى البيت نفسه، ومن ابنة الملك ولداً يرث ذلك البيت، ثم صنع لنفسه ما يطير به. القيد الذي وُضع على رجليه لم يقيّد يديه.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ فولوند. Völundr «ڤُولُونْدْر» ينتهي بـ-undr «ـونْدْر»، وهي عند معجم كليسبي وفيغفوسون نهاية اسم الفاعل، كما في höfundr «هُوفُونْدْر»، القاضي، فيبقى من الاسم vǫl- «ڤُول»، بالواو واللام. ونقرؤه «الحِيلة»: في معجم لين الحيلة الحذق والمهارة وجودة النظر والقدرة على التصرّف، والتدبير الخفيّ الذي يُبلغ به الغرض، والمكيدة. والحاء تسقط في غير الساميّة، فتبقى الواو واللام. والقصيدة نفسها تسمّي عمله بهذا المعنى: «صنع حيلة لنيذوذ»، والكلمة فيها vél «ڤِيل»، ومعناها في المعجم النوردي الحيلة والصنعة والأداة. ومن الواو واللام في العربية أيضاً «الآلة»، أي الأداة التي يُعمل بها. ففولوند على هذه القراءة صاحب الحيلة والآلة، وهو ما يجعله الشعر: حدّاد يُقيَّد فيصنع من صنعته طريق الخروج.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما هي
Völundr، Vǫlundr ڤُولُونْدْر الاسم في الرفع
Völundarkviða ڤُولُونْدَارْكْفِيذا «أنشودة فولوند»، بالإضافة
völundr ڤُولُونْدْر اسماً عامّاً: الحدّاد الماهر والصانع العظيم
Völundarhús ڤُولُونْدَارْهُوس «بيت فولوند»، أي المتاهة
Wēland، Wieland وِيلَانْد، ڤِيلَانْت الاسم في الإنجليزية القديمة والألمانية
vél، véla ڤِيل، ڤِيلا الحيلة والصنعة والأداة؛ خدع
الحِيلة، الآلة الحذق والتدبير والمكيدة؛ الأداة

يقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ فولوند الحدّاد بطل تعرفه الشعوب الجرمانية كلّها، وإنّ اسمه ربّما كان في أصله اسماً عامّاً كـhöfundr «هُوفُونْدْر»، وإنّه يُستعمل اسماً عامّاً بمعنى «الحدّاد الماهر، الصانع العظيم»، ويضع بجانبه اللفظ اليوناني δαίδαλος «دَايْدَالُوس»، الذي صار اسم ديدالوس. ويقال في الأيسلندية لرجل حاذق في الحدادة: «هو فولوند عظيم». ويذكر المعجم أنّ Völundarhús «ڤُولُونْدَارْهُوس»، أي بيت فولوند، اسم المتاهة، وأنّ الكلمة ما زالت مستعملة. فالمعجم نفسه يجمع بين الحدّادين في الكلمة وفي البناء الذي لا يُخرج منه.

وvél «ڤِيل» في المعجم نفسه «الحيلة والصنعة والتدبير»، وvéla «ڤِيلا» خدع وغرّر، وهي الكلمة التي تصف بها القصيدة ما صنعه فولوند لنيذوذ. وفي معجم لين: الحيلة من حال يحول، و«أحيل» أصله «أحول»، فالواو أصل في المادّة، والحيلة التدبير الذي ينقل صاحبه ممّا يكره إلى ما يحبّ، والمكيدة والخديعة. والآلة من أول، وهي الأداة التي يُعمل بها لنفسه أو لغيره. فالحرفان الواو واللام يجمعان في العربية الحيلة والأداة، كما تجمعهما vél «ڤِيل» في النوردية.

وتجري المقابلة على قوانين مشروع جذور: الواو تصير w أو v «ڤ»، واللام لام، والحاء والهمزة في أوّل الكلمتين العربيتين تسقطان كما تسقط الحروف الحلقية في الغالب. وموضع الضعف أنّ المعاجم لا تصل vǫl- «ڤُول» بـvél «ڤِيل»، وأنّ الحركة مختلفة فيهما، وأنّ الإنجليزية القديمة تكتب الاسم Wēland «وِيلَانْد» بحركة طويلة.

السرديات الأسطورية الرئيسة

فولوند في إنجلترا

على الوجه الأمامي من صندوق صغير من عظم الحوت صُنع في نورثمبريا في أوائل القرن الثامن، يُعرف بـ«صندوق فرانكس» وهو في المتحف البريطاني، مشهدان متجاوران: في النصف الأيسر ويلاند الحدّاد قائماً في كيره، يمسك بالملقط جمجمة، وفي النصف الأيمن المجوس يقدّمون هداياهم. وعلى الغطاء مشهد للبطل إيغيل، أخي فولوند في القصيدة، وعليه اسمه. وفي إنجلترا أيضاً قبر طويل من العصر الحجري الحديث على طريق «ريدجواي» في أكسفوردشير، بُني نحو سنة 3590 قبل الميلاد، يسمّيه صكّ سكسوني من سنة 955 «كير ويلاند». ويقول أهل الناحية إنّ من ربط فرسه عند القبر وترك قطعة نقد، عاد فوجد الحدّاد الخفيّ قد أعاد حذو فرسه.

وتبدأ القصيدة الإنجليزية القديمة «ديور» بويلاند: يصف الشاعر ما قاساه حين أوثقه نيثهاد، ثم بيدوهيلد حين وجدت نفسها حاملاً، ويختم كلّ مقطع بلازمة: مضى ذلك، وكذلك يمضي هذا.

القراءة الرمزية

لا تقرأ مقالات الشمال فولوند، لكنّ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الإغريقية تقرأ حدّادين قريبين منه: تجعل الكيكلوبس ذوي العين الواحدة صورة للحدّاد الذي يغمض عيناً ليحمي بصره من شرر النار، وتجعل صنعهم البرق لزيوس اختراع صهر المعادن، وتقرأ خبر ديدالوس وابنه إيكاروس محاولةً للطيران ذاب فيها الشمع بحرّ الشمس. وهذه قراءتها للأساطير الإغريقية.

وفي القصيدة نفسها صورة واضحة لما كان عليه الصانع الماهر عند الملوك: يُؤخذ إلى جزيرة قريبة من البرّ، ويُقطع عصبه حتى لا يهرب، ولا يدخل عليه أحد إلّا الملك، ويصنع له «كلّ نوع من التحف». وانتقامه يأتي من الصنعة نفسها: الهدايا التي يحملها الصانع إلى القصر.

التوازيات عبر الحضارات

أقرب الصنّاع إلى فولوند ديدالوس الأثيني. يحبسه مينوس ملك كريت في الجزيرة كما يحبس نيذوذ فولوند في جزيرته، فيصنع ديدالوس جناحين من ريش مرصوف مشدود بالخيط والشمع، ويطير بهما، كما يرتفع فولوند في الهواء. ويختلفان في الأبناء: يفقد ديدالوس ابنه إيكاروس في الطيران، ويقتل فولوند ابني الملك قبل أن يطير. والمعجم النوردي نفسه يضع δαίδαλος «دَايْدَالُوس» بجانب völundr «ڤُولُونْدْر»، ويسمّي المتاهة «بيت فولوند».

ويشبهه هيفايستوس في العرج وفي الانتقام بالهدية. يروي باوسانياس أنّ هيرا رمت هيفايستوس من السماء حين وُلد، فأرسل إليها هديّة كرسيّاً من ذهب فيه قيود لا تُرى، فلمّا جلست عليه أُمسكت، ولم يقبل أن يسمع من أحد من الآلهة إلّا ديونيسوس. ويقرأ المقال الإغريقي في هذا المشروع اسمه من «نَفَث»، أي نافخ النار.

وحيلة فولوند، الهديّة التي تُرسل فرحاً فتحمل الموت، من صور المحتال، وصنعته وما تعلّمه الناس من الحدّادين من صور الأبطال الحضاريين. وصنّاع الكنوز في الشمال قوم آخرون، الأقزام، الذين صنعوا كنوز الآلهة.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «أنشودة فولوند»، النصّ النوردي والترجمة وحواشيها، والنصّ النوردي مع النثر.

  2. كليسبي وفيغفوسون: فولوند، الحيلة، خدع.

  3. معجم لين: حول، أول.

  4. المتحف البريطاني، صندوق فرانكس؛ التراث الإنجليزي، كير ويلاند؛ «ديور».

  5. أوفيد، «التحوّلات» 8؛ باوسانياس 1.20.3.