نيت

ملخص

نِيت معبودة مصرية من أقدم المعبودات، سيّدة سايس في غرب الدلتا. رمزها ترس عليه سهمان متقاطعان، ويظهر على شواهد من الأسرة الأولى، ويدخل اسمها في أسماء ملكية من ذلك العصر. وتُرسم امرأةً على رأسها التاج الأحمر، تاج الوجه البحري. كانت في أوّل أمرها معبودة صيد أو حرب، تفتح الطريق للملك ليظفر في القتال، فصارت معبودة حامية، ودخلت في شعائر الدفن: تظهر في نصوص الأهرام مع سِلْكِت وإيزيس ونفتيس، وتُنسب إليها صناعة النسيج، فاقترنت بلفائف المومياء التي يُلفّ فيها الميت. ثم خبا شأنها في الدولة القديمة، وعادت عظيمة في الأسرة السادسة والعشرين، حين صارت سايس عاصمة مصر.

وأشهر خبر لها أنّها الأمّ التي تحتكم إليها المعبودات. ففي «نزاع حورس وست» يقضي مجلس المعبودات ثمانين سنة لا يعرف كيف يحكم بين حورس وست على منصب أوزيريس، فيقول بانِب جِدِيت، «المعبود الكبير الحيّ»: «لا نحكم ونحن لا نعلم. أرسلوا رسالة إلى نيت العظيمة، أمّ المعبود؛ ما تقوله نفعله». فيكتب تحوت الرسالة باسم ربّ الكلّ، فتجيب نيت: «أعطوا منصب أوزيريس لابنه حورس، ولا ترتكبوا هذه الآثام الكبيرة التي لا موضع لها، وإلّا غضبت فسقطت السماء على الأرض. وقولوا لربّ الكلّ: ضاعِفْ أملاك ست، وأعطه عنات وعشتارت ابنتيك، وأجلس حورس على كرسيّ أبيه». فيقول المجلس بصوت واحد: «هذه المعبودة على حقّ». لكنّ رع يغضب ويسخر من حورس، فيطول النزاع، وتحلف إيزيس: «بحياة أمّي، المعبودة نيت»، ويركب حورس النهر شمالاً إلى سايس ليشكو إلى نيت أنّ القضية بقيت ثمانين سنة في المحكمة.

وفي معبد خنوم بإسنا، من العصر الروماني، نصّ طويل يُتلى في عيد الثالث عشر من شهر أبيب، يروي كيف بدأ العالم بنيت. كانت «أبا الآباء وأمّ الأمّهات»، ظهرت من نفسها في وسط نون، الماء الأوّل، والأرض في الظلام. فصارت بقرة، ثم سمكة، ثم أضاءت نظرة عينيها فكان النور. وقالت: «ليت هذا الموضع يصير لي أرضاً في وسط الماء أستند إليها»، فصار، وكان إسنا، وهي سايس أيضاً. ثم خلقت ثلاثين معبوداً، وسمّتهم واحداً واحداً، فقالوا لها: «أنتِ فصلتِ لنا النور من الظلمة، وصنعتِ لنا أرضاً نستند إليها، وفرّقتِ لنا الليل من النهار». ثم أخبرتهم بمعبود سيولد: «إذا فتح عينه كان النور، وإذا أغمضها كانت الظلمة، يخرج الناس من دموع عينه، والمعبودات من لعاب شفتيه، ويثور عليه أبناؤه فيُصرعون باسمه». وصنعت بيضة من رطوبة جسدها، فلمّا شقّت البيضة الماء كان الفيضان، ثم انكسرت وخرج منها رع. فلمّا لم يرَ أمّه بكى في الماء، فخرج الناس من دموعه، ولمّا رآها سال لعابه، فخرجت المعبودات منه. أمّا ما كانت نيت قد بصقته في الماء الأوّل فطردته المعبودات الأوائل، فصار حيّة طولها مئة وعشرون ذراعاً اسمها أبوفيس، دبّرت في قلبها الثورة على رع مع أعوانها. فخرج تحوت من قلب رع حزيناً، وأرسله رع على الثائرين. ثم قالت نيت لابنها: «تعالَ معي إلى إسنا، وهي سايس»، وصارت بقرة، ووضعت رع بين قرنيها، وسبحت به في الماء حتى بلغت سايس.

والفكرة التي تدور عليها أخبار نيت أنّها الأولى: الأمّ التي ولدت قبل أن توجد الولادة. وهذا ما كتبه الطبيب وُجا حُر رِسْنِت، كاهنها في سايس، على تمثاله في أيّام الفرس: إنّ سايس «مقرّ نيت العظيمة، الأمّ التي ولدت رع وبدأت الولادة حين لم تكن ولادة»، وإنّ معبدها «سماء من كلّ وجه»، وإنّه أخبر قمبيز بذلك فسجد قمبيز أمامها. ولأنّها الأولى يُسأل رأيها في الحكم، ويقول المجلس إنّها على حقّ، وتهدّد بأن تُسقط السماء على الأرض. وهي أيضاً النسّاجة التي يُلفّ الميت في الكتّان الذي اخترعت نسجه.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Nj.t «نِيت»: نون، ثم ياء، ثم تاء بعد نقطة، والنقطة علامة على أنّ التاء تاء التأنيث. ويكتبه أفلاطون Νηίθ «نِيث». ويقرؤه المقال المصري في هذا المشروع من الجذر «نيت» و«نات». وفي معجم لين «ناتَ يَنِيتُ نَيْتاً» و«ناتَ يَنُوتُ نَوْتاً» بمعنى واحد: تمايل يمنةً ويسرة في مشيته، كما يُميل الملّاح سفينته يمنةً ويسرة، و«النُّوتِيّ» الملّاح الذي يدير السفينة في البحر. وهذا ما تفعله نيت في خبر إسنا: تصير بقرة، وتحمل رع بين قرنيها، وتسبح به في الماء الأوّل حتى سايس. ويجعل المقال معنى الجذر النسج، ولا يذكر معجم لين النسج في هذه الحروف، لكنّ الذهاب والإياب الذي يذكره هو حركة المكّوك بين خيوط النول، ونيت عند المصريين هي التي اخترعت النسج؛ وهذا ربط نقترحه على المنهج.

الجذر اللغوي

«نات» و«النُّوتِيّ»

الصيغة معناها الشاهد
Nj.t «نِيت»، وتُكتب أيضاً N.t «نِت» نيت، اسم المعبودة معجم المصرية
Νηίθ «نِيث» الاسم عند أفلاطون، «وهو باليونانية أثينا» أفلاطون، «طيمايوس» 21هـ
n.t «نِت» التاج الأحمر، تاج الوجه البحري معجم المصرية
n.t «نِت» الماء، المياه، الفيضان معجم المصرية
Zꜣw «سَاو» سايس، بلدها معجم المصرية

الاسم في الرسم المصري نون وياء، ثم تاء التأنيث، وقد يُكتب بلا ياء. وفي المعجم المصري كلمتان بحروفه بلا ياء: n.t «نِت» التاج الأحمر الذي تلبسه نيت، وn.t «نِت» الماء والفيضان. والمتحف المصري العالمي يذكر أنّ نيت جُعلت هي «مِحِت وِرِت»، البقرة السماوية، بسبب صلتها بالماء الأوّل. فالمصرية نفسها تجمع في هذه الحروف التاج والماء، وهما وجهان من وجوه نيت، ولا يبيّن المعجم أنّ الاسم مشتقّ من إحداهما.

ويقرأ المقال المصري الاسم من «نيت» ويقول إنّ معناه النسج، ثم من «نات» ويقول إنّ معناه الامتداد، ويعطي القراءة درجة «عالية». والمعنيان ليسا في معجم لين لهذه الحروف. فالذي في لين أنّ «ناتَ يَنِيتُ نَيْتاً» و«ناتَ يَنُوتُ نَوْتاً» تمايل يمنةً ويسرة، من ضعف أو نعاس، «كما يُميل الملّاح السفينة»، وأنّ «النُّوتِيّ» و«النَّوّات» الملّاح الذي يدير السفينة في البحر، ويذكر أنّ الجوهري يجعله من لغة أهل الشام، وأنّ غيره يجعله معرّباً عن اليونانية ναύτης «نَافْتِيس». والفعل «نات» نفسه عربيّ لا يحتاج إلى ذلك.

والقراءة تأخذ الحروف الثلاثة كما هي: النون نون، والياء ياء، والتاء تاء، كما حفظها اليونان في Νηίθ «نِيث». لكنّ التاء في الرسم المصري تاء التأنيث، فإذا نُزعت كما نُزعت من اسم نوت بقي اسم من نون وياء. وهذا موضع البحث في القراءة: أكانت التاء عند من سمّاها جزءاً من الاسم، كما هي في «نات»، أم لاحقة؟

قراءات أخرى

ويقارن المقال المصري النسج بالعبرية אורג «أُورِج»، النسّاج، وهي كلمة من حروف أخرى. ويضع المقال الروماني في هذا المشروع نيت إلى جانب مينرفا وأثينا معبوداتٍ للحكمة والنسج والحرب، ويقرأ اسم مينرفا من «نور».

السرديات الأسطورية الرئيسة

أقوال مِحِت وِرِت السبعة

وفي نصّ إسنا أنّ سبعة أقوال خرجت من فم نيت فصارت سبعة كائنات معبودة، تحرس «مِحِت وِرِت» حيث ذهبت. ويفسّر المتحف المصري العالمي هذا الاسم «الفيضان العظيم»، ويفسّره إلّي، تبعاً لمعجم برلين، «السبّاحة العظيمة»، وهي البقرة التي تحمل الشمس بين قرنيها في الماء الأوّل. وتدرس ميشيل بروز بناء النصّ حول هذه الأقوال السبعة، وتبيّن أنّ فكر المعبودة إذا اقترن بقولها تحقّق ما تقول.

أمّ سوبك وقرينة ست

ويقول المتحف المصري العالمي إنّ نيت كانت منذ الدولة القديمة قرينة ست وأمّ سوبك، التمساح. وفي نصوص الأهرام يُذكر الاثنان معاً: «رضي ست ونيت». وفي ترنيمة حابي «يكشّر سوبك، ابن نيت، عن أسنانه» حين يأتي الفيضان. ومع خنوم في إسنا كانت تُعدّ خالقة، و«أباً وأمّاً لكلّ شيء»، حتى جعلتهما بعض النصوص معبوداً واحداً ذكراً وأنثى.

سايس عند هيرودوت

ويسمّي هيرودوت نيت «أثينا». ويعدّ عيدها في سايس ثالث أعياد مصر الكبرى، و«عيد المصابيح» فيه يوقد الناس ليلة الذبيحة مصابيح من صحون فيها ملح وزيت حول بيوتهم، في سايس وفي مصر كلّها. ويقول إنّ في معبدها قبور ملوك سايس، وقبر «من لا يجوز ذكر اسمه» خلف المقصورة، وبحيرة مستديرة يُمثَّل عليها في الليل «ما أصاب المعبود»، ويقول المتحف المصري العالمي إنّها مأساة أوزيريس وإنّ القبر قبره. ويذكر أنّ الملك أحمس جاءها من إلفنتين بمقصورة من حجر واحد حملها ألفا رجل ثلاث سنين.

الثوب الذي لم يكشفه أحد

ويروي بلوتارخ في القرن الثاني الميلادي أنّ تمثال أثينا في سايس، «وهم يرونها إيزيس»، كان عليه هذا النقش: «أنا كلّ ما كان وما هو كائن وما سيكون، ولم يكشف ثوبي أحد من البشر». ويقول أفلاطون إنّ أهل سايس يسمّون مؤسِّسة مدينتهم بالمصرية نيت وباليونانية أثينا، وإنّهم يحبّون أهل أثينا ويرونهم أقرباءهم.

القراءة الرمزية

لا يقف مقال إعادة القراءة المصري عند نيت. والنصوص تضعها في موضعين يعرفهما الناس: موضع الأمّ الكبيرة التي يُرجع إليها حين يعجز الرجال عن الحكم، وموضع النسّاجة. فرسالتها في «نزاع حورس وست» تفعل ما تفعله الجدّة في البيت: تحكم بالحقّ للابن، وتعوّض الأخ الأقوى بالمال والزوجات حتى لا يبقى في نفسه شيء، وتهدّد بالغضب إن لم يُسمع لها. والكتّان الذي اخترعت نسجه هو ثوب الحيّ ولفافة الميت معاً، ولذلك كانت سايس، كما يقول المتحف المصري العالمي، مشهورة بالنسج والجراحة، وكانت من البلاد التي يُحمل إليها الميت في شعائر الدفن.

التوازيات عبر الحضارات

تخرج نيت في خبر إسنا من الماء الأوّل وتصنع في وسطه أرضاً تستند إليها، كما يرتفع أتوم على التلّ الأوّل في أون. ويخرج الناس فيه من دموع رع، والمعبودات من لعابه، وهذا خبر من أخبار خلق الإنسان. ويخرج أبوفيس من بصاقها فيثور على ابنها، فتبدأ في الخبر نفسه حرب الشمس والحيّة التي تُروى في صراع النظام والفوضى. وفي سومر كانت نمّا الأمّ الأولى التي ولدت السماء والأرض، ويُكتب اسمها بعلامة الماء الكوني، وفي بابل تلد تيامات الوحوش لتحارب المعبودات الشابّة؛ والفرق أنّ أبوفيس في إسنا لا يُخلق بإرادة نيت، وإنّما يُطرد بصاقها فيصير عدوّاً لابنها.

ويطلب مجلس المعبودات في مصر حكم نيت كما يطلب مجلس أوغاريت حكم إيل، لكنّ المجلس المصري يحتكم إلى أمّ تكتب ولا تحضر. ورسالتها تسمّي عنات وعشتارت الشاميّتين ابنتين لرع، فهي شاهد قديم على دخول معبودات الشام في نسب مصري.

ويقول أفلاطون وهيرودوت إنّ نيت هي أثينا، والاثنتان عذراوان محاربتان تعلّمان النسج، ويضعها المقال الروماني إلى جانب مينرفا. واختراعها النسج يضعها بين الأبطال الحضاريين الذين يُنسب إليهم ما تقوم عليه حياة الناس من صنعة.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 2، «نزاع حورس وست» ص 214–223.

  2. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 3، تمثال وجا حر رسنت ص 36–41.

  3. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 1، ترنيمة حابي ص 207.

  4. ألبرتو إلّي، «الخلق في لاهوت إسنا وسايس (إسنا 206)»، ترجمة النصّ ونقله عن سونيرون، «إسنا» 3 و5.

  5. ميشيل بروز، «أقوال مِحِت وِرِت السبعة»، نشرة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية 99، 2000، ص 63–72.

  6. المتحف المصري العالمي: نيت، سايس.

  7. معجم المصرية: نيت، التاج الأحمر، الماء، سايس.

  8. هيرودوت 2.59، 2.62، 2.170، 2.175.

  9. أفلاطون، «طيمايوس» 21هـ؛ بلوتارخ، «إيزيس وأوزيريس» 9.

  10. معجم لين، نيت ونوت.

  11. أفلاطون، «طيمايوس» 21هـ