ملخص
عَمِّيت في دين مصر القديمة الكائن الذي ينتظر عند ميزان الحساب ليأكل قلب الميّت إن لم يُبرَّأ. اسمها في المصرية ꜥm-mwt «عَم مُوت»، أي آكلة الموتى، ورأسها رأس تمساح، ومقدّمها أسد، ومؤخّرها فرس نهر. وأشهر صورها في برديّتي آني وهونفر من الأسرة التاسعة عشرة، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
وقصّتها مشهد واحد. في بردية آني يقف الميزان في قاعة الحساب، في كفّة قلب آني وفي الأخرى ريشة ماعت، ويجثو أنوبيس عند ثقل الخيط، ويقف تحوت بقلمه ليكتب، وخلفه على حصير تقعد عمّيت مستعدّة للوثوب لتأكل القلب إن لم يجتز صاحبه الامتحان. ويكلّم آني قلبه ألّا يشهد عليه، ثم يقول تحوت إنّه حكم في القلب فلم يجد فيه شرّاً، فتعلن الآلهة براءته، ويقوده حورس إلى أوزيريس. وفي بردية هونفر تقعد عمّيت تحت الميزان، وبجانبها نقش يصفها: مقدّمها تمساح، ومؤخّرها فرس نهر، ووسطها أسد. ويستوي القلب والريشة هنا أيضاً، فيمضي هونفر إلى أوزيريس الجالس مع إيزيس ونفتيس. فعمّيت لا تأكل أحداً في الصورتين، لأنّ صاحبي البرديّتين يجتازان الحساب.
ويذكر نصّ الفصل 125 من «كتاب الموتى» ما تمثّله. يقول الميّت إنّه يعرف أسماء الآلهة الاثنين والأربعين في قاعة الماعتين، الذين يعيشون على أعوان الشرّ ويشربون دمهم يوم حساب الطباع أمام أوزيريس. ومن هؤلاء القضاة «آكل الظلال الآتي من الكهف»، واسمه في المصرية بالفعل نفسه الذي في اسم عمّيت، و«آكل الدم الآتي من المذبح»، و«كاسر العظام». وفي نسخة من الفصل نفسه في بردية تورينو تُفني «الآكلة، سيّدة الغرب» الأعداء في الغرب.
والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّ الحساب لا معنى له بلا عاقبة. من ثقل قلبه بالظلم أُكل، فلا يمضي إلى أوزيريس ولا يبقى له شيء بعد الموت. وجسدها من ثلاثة حيوانات يعرفها أهل النيل: التمساح وفرس النهر من النهر، والأسد من طرف الصحراء، فهي تجمع حيوانَي الماء وحيوان البرّ في جسد واحد. وتقرؤها المقالة المصرية في هذا المشروع النسيان: من لم يعش بالماعت يُنسى، وأكبر العقاب أن يُمحى الإنسان من الذاكرة.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تقرؤه المقالة السامية المصرية في هذا المشروع «عمّيت»، من «أمّ» بمعنى التقم، أو من «عمّ» بمعنى شمل. والاسم المصري كلمتان: ꜥm «عَم»، أي ابتلع والتهم، وmwt «مُوت»، أي الموتى. والكلمة الثانية «موت» العربية بحروفها الثلاثة: الميم ميم والواو واو والتاء تاء، وفي المصرية mwt «مُوت» مات، والميّت. والكلمة الأولى تحفظ عين «عمّ»: في معجم لين عمّ الشيء شمل الجماعة، وعمّ المطرُ الأرضَ أصابها كلّها، وعمّهم بالعطيّة. فـꜥm-mwt «عَم مُوت» على هذه القراءة «عَمّ الموتى»: التي تشمل الموتى فتأخذهم في جوفها. وقراءة المقالة الأخرى «أمّ» تلتقي بالمشهد من جهة أخرى: الأُمّ في معجم لين المأوى والمسكن، وبه فُسّر قوله تعالى فيمن خفّت موازينه: «فأمّه هاوية».
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
ꜥm-mwt |
عَم مُوت | المصرية | آكلة الموتى، اسمها في «كتاب الموتى» |
ꜥm.t-mwt-n.t-jmn.tjt |
عَمِت مُوت نِت إِمِنْتِيت | المصرية | آكلة موتى الغرب |
ꜥm |
عَم | المصرية | ابتلع، التهم، امتصّ |
ꜥmꜥm |
عَمْعَم | المصرية | التهم |
ꜥm-šw.wt |
عَم شُوت | المصرية | آكل الظلال، أحد القضاة الاثنين والأربعين |
mwt |
مُوت | المصرية | مات؛ الميّت |
| موت، مات، ميّت | العربية | الموت | |
| عَمَّ | العربية | شمل، أصاب الكلّ | |
| أُمّ | العربية | الأمّ؛ المأوى والمسكن |
يسجّل المعجم المصري ꜥm «عَم» بمعنى ابتلع والتهم وامتصّ، ويسجّل منه صيغة مكرّرة ꜥmꜥm «عَمْعَم» بمعنى التهم، ويبني منه أسماء كثيرة لكائنات العالم السفلي: آكل الظلال، والذي يبتلع من لا وجود لهم في «كتاب البوّابات»، وآكلة كلّ شيء في «الأمدوات». أمّا mwt «مُوت» فمات والميّت، وهو الجذر نفسه في العربية والعبرية والأكدية، يضع معجم براون ودرايفر وبرِغز العبرية mût «مُوت» بجانب الأكدية mâtu «مَاتُو» والعربية والآرامية، وموضعه من «موت» العربية لا يحتاج إبدالاً.
وتحفظ «عمّ» العين والميم في موضعهما. وفي معجم لين: عمّ الشيءُ شمل الجماعة، وعمّهم المرض فشا فيهم، والعميم التامّ الذي لا نقص فيه. فالمعنى المشترك الإحاطة بالكلّ، والابتلاع إحاطة بالشيء من كلّ جهة. لكنّ لين لا يذكر لـ«عمّ» معنى الابتلاع، وهذا موضع البحث الباقي. و«أمّ» تفقد العين، ولا يذكر لها لين معنى الالتقام الذي تعطيه المقالة، لكنّه يذكر الأمّ بمعنى المأوى في آية القارعة، وهي آية الموازين.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الآكلون بين القضاة
قبل أن تُرسم عمّيت بجسدها كانت أسماء الآكلين في نصّ الفصل نفسه. فالقضاة الاثنان والأربعون في نسخة ماي حر بري من الأسرة الثامنة عشرة لهم أسماء مخيفة: واسع الخطو، وقابض اللهب، وآكل الظلال، وآكل الدم، وآكل الأحشاء، وأبيض الأسنان، وكاسر العظام. وكلّ واحد منهم يأتي من بلد مصري معروف، كأون والأشمونين ومنف، فالمحكمة مجلس من البلاد كلّها.
آكلة الغرب في النصوص المتأخّرة
ويسجّل المعجم المصري اسمها بصيغة المؤنّث ꜥm.t-mwt-n.t-jmn.tjt «عَمِت مُوت نِت إِمِنْتِيت»، آكلة موتى الغرب، في بردية سحرية في متحف بروكلين، حيث تُعدّ بين الكائنات المخيفة التي يُطلب ردّها عن فرعون في الليل والنهار، مع الأعداء والكلاب والموتى المؤذين. فالكائن الذي كان ينتظر عند الميزان صار في هذه البردية خطراً يُحرس منه الأحياء.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة المصرية في هذا المشروع وزن القلب محاكمة يحاكم فيها الإنسان نفسه، والقلب أعماله والريشة المعيار، وتقرأ عمّيت النسيان: من لا يعيش بالماعت يُنسى، فلا خلود له، وأكبر العقاب أن يُمحى الإنسان من الذاكرة.
والقراءة تجد سنداً في عناية المصريين بالاسم. فالبردية التي ترسم عمّيت تحمل اسم صاحبها وألقابه في كلّ مشهد، واللوحة التي تُنصب في القبر تحفظ اسم الميّت ليبقى معروفاً، وكلّ ميّت يُنادى «أوزيريس فلان». فما تأكله عمّيت هو القلب الذي يحمل صاحبه، فلا يبقى من الإنسان من يُنادى باسمه. وفي الصورتين الباقيتين لعمّيت ينجو صاحب البردية، لأنّ البردية كُتبت ليُدفن بها صاحبها مبرّأً، فصورتها تذكير بما كان يمكن أن يقع.
التوازيات عبر الحضارات
عمّيت جزء من حساب الموتى، وتقابلها في الروايات الأخرى آكلات يقفن عند المحكمة أو عند باب الموتى. ففي إيران يترصّد للروح عند جسر تشِنْڤات أَسْتْوِيهاد، الذي يلتهم الخلق كلّه ولا يشبع، كما يقول «مينوگ إي خرد». وفي الشمال يمتصّ نيدهوغ جثث الموتى في ناستروند حيث يخوض الحانثون والقتلة أنهار السمّ. وعند الإغريق يقف كيربيروس، كلب هاديس الذي يأكل اللحم النيء، عند باب الدار، يتملّق الداخلين ويأكل من يحاول الخروج. وفي الهند يسمّي نشيد الموتى كلبي يما «اللذين لا يشبعان». والفرق أنّ عمّيت لا تأكل إلّا من فشل في الحساب، وتأكل القلب فلا يبقى شيء، أمّا كيربيروس فيأكل الهاربين، ويبقى أشرار إيران والشمال في العذاب.
وفي مصر نفسها آكل آخر: أبوفيس الذي يبتلع ماء النهر ليجنح مركب الشمس، ويُكره على أن يقيئه. فأبوفيس يبتلع ليوقف الشمس، وعمّيت تبتلع لتنهي من خان ماعت. ومكانهما معاً الدوات، وهو من شواهد النزول إلى العالم السفلي.