ملخص
بِس معبود البيت عند المصريين، يُعرف من شكله المخيف: جسد قزم، وساقان مقوّستان، ولبدة أسد وأذناه، ولسانه خارج من فمه في أكثر صوره، وعلى رأسه تاج من ريش قائم، وبين ساقيه ذيل من جلد حيوان يلبسه. ولم يكن له، فيما يُعرف، موضع عبادة خاصّ به، وإنّما كان يحضر معبوداً تابعاً في معابد غيره، ويُسأل أحياناً كما تُسأل العرّافة، وفي حجرة جانبية من معبد سيتي الأوّل بأبيدوس نقوش كثيرة كتبها زوّار له. وبِس في الحقيقة اسم لجماعة من المعبودات اختلطت صفاتها حتى يصعب اليوم التفريق بينها، أقربها إليه معبود يشبهه في الصورة اسمه «عَحَا»، أي «المحارب»، وله أنثى تُسمّى «بِسِت».
وليست لبِس قصّة طويلة في البرديات، وإنّما تُروى قصّته في الأشياء التي رُسم عليها. يحمي من الأخطار كلّها بشكله المرعب، وبما يحمله في يديه: سكاكين أو حيّات، وكون الشيء في اليد عند المصريين معناه أنّه مغلوب، أو علامة sꜣ «سَا» الكبيرة، ومعناها الحماية، أو طبلاً ودفّاً، لأنّ الموسيقى تطرد الأرواح الشرّيرة وتجعل الناس أفرح وأقلّ خوفاً. ويُرسم مسيطراً على غزال أو خنزير، وهما من حيوانات ست. ويُرسم على السرير ومسند الرأس مع صاحبته تاورت، فرس النهر، لأنّ النائم لا يرى ما حوله فهو معرّض لأخطار الليل كلّها. ويحرس الولادة: يُرسم على «السكاكين السحرية» من عاج فرس النهر في الدولة الوسطى، وعلى جدران «بيوت الولادة» في المعابد، ومنها بيت الولادة في دندرة، وصار رأسه في العصر المتأخّر تميمة تُعلّق في العنق.
وعلى عصا من عاج فرس النهر في متحف المتروبوليتان، من الدولة الوسطى، صفّ من المعبودات الحامية تحمل السكاكين، وعليها كتابتان: «حماية النهار» و«حماية الليل»، وعلى عصا أخرى كتابة تقول إنّها لحماية طفل، ويرى المتحف أنّها كانت تحمي الأمّ عند الولادة والطفل في أوّل عمره، ثم توضع في القبر لتحمي الميت عند ولادته الثانية. ومن مقبرة اللشت تمثال صغير من خشب لبِسِت، أنثى بِس، بلبدة الأسد وأذنيه، كانت مثله تحرس الأمّهات في الولادة وبعدها، وتحرس الرضّع.
وفي العصر المتأخّر صعد بِس إلى أعلى. فعلى اللوحات السحرية التي يقف فيها حورس الطفل فوق التماسيح ويمسك الحيّات والعقارب، يُرسم وجه بِس فوق رأس حورس في كلّ مرّة تقريباً، وتقول النصوص إنّه هنا رع الشيخ الذي يعود شابّاً في الطفل الشمسي. وفي بردية سحرية من بروكلين يظهر بِس بتسعة وجوه على عنق واحد: وجه بِس، ووجه كبش، ووجه صقر، ووجه تمساح، ووجه فرس نهر، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه قرد، ووجه قطّ، والنصّ يقول للأعداء إنّهم لا يعيشون أمام هذه الصورة العظيمة.
والفكرة التي تدور عليها صور بِس أنّ القبح الذي يخيف يمكن أن يُصرف إلى الخارج فيحمي. فالقزم المخيف الوجه يُرسم في بيوت الولادة، وعلى عصا الحماية، وعلى السرير الذي يُنام عليه، فيخاف منه الشرّ ويأمن أهل البيت. وأصغر المعبودات في الجسد هو حارس أضعف الناس: الحامل والوالدة والرضيع والنائم.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Bs «بِس»: باء وسين لا غير. ويقرؤه المقال المصري في هذا المشروع من «بَأْس»، ويعطي القراءة درجة «راجح جداً». وفي معجم لين: «البأس» القوّة والشدّة في الحرب، والشجاعة، والحرب نفسها، ومنه الخوف، فيقال «لا بأس عليك»، أي لا خوف عليك، وهي كلمة أمان تُقال للعدوّ؛ ويقول لين إنّ «باس» تُقال بلا همزة. فبِس على هذه القراءة «البأس»: القوّة المخيفة في القتال، وهو ما يسمّيه المصريون أنفسهم في صاحبه «عَحَا»، «المحارب». وهذا ما تجعله الصور: قوّة مخيفة تُوجَّه إلى الأرواح الشرّيرة، فيصير لأهل البيت «لا بأس عليكم».
الجذر اللغوي
«البأس»
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Bs «بِس» | بِس، اسم المعبود | معجم المصرية |
| bs «بِس» | تميمة من ذهب | معجم المصرية |
| Ꜥḥꜣ «عَحَا» | «المحارب»، معبود في صورة بِس | معجم المصرية |
| ꜥḥꜣ «عَحَا» | قاتَل، القتال، المقاتل | معجم المصرية، المقاتل |
| Ḥy.t «حِيت» | معبود في صورة بِس يحمي المواليد | معجم المصرية |
في الاسم المصري حرفان: الباء والسين. وفي «البأس» العربية ثلاثة: الباء والهمزة والسين. والهمزة هي التي تسقط، ومعجم لين نفسه يقول إنّ «باس» تُقال مكان «بأس» بحذف الهمزة على القياس. فتبقى الباء باءً والسين سيناً بلا تحويل.
والمعنى في معجم لين: «بَؤُسَ» صار شديداً قويّاً في الحرب، شجاعاً؛ و«البأس» القوّة في الحرب والشجاعة والحرب نفسها، ومنه الخوف، و«لا بأس عليك» أي لا خوف عليك، وهي كلمة تُعطى بها الأمان للعدوّ؛ و«البأس» أيضاً الضرر والعقوبة الشديدة. ومن الجذر نفسه معنى آخر هو الشدّة والفقر، «البؤس» و«البأساء». والمعنى الأوّل هو الذي يلتقي بالمصرية: فأقرب المعبودات إلى بِس اسمه Ꜥḥꜣ «عَحَا»، من الفعل ꜥḥꜣ «عَحَا» «قاتَل»، فالمصريون أنفسهم سمّوا صورته «المحارب». وفي المعجم المصري كلمة bs «بِس» لتميمة من ذهب، وكانت تمائم رأس بِس من أكثر ما يُعلّق في الأعناق.
قراءات أخرى في المقال
ويضع المقال إلى جانب «بأس» قراءة «بَسّ»، ويقول إنّها «صوت التحذير» و«حذّر بصوت خفيّ»، ويعطيها درجة «راجح». وفي المعاجم العربية أنّ «بَسْ بَسْ» صوت تُساق به الدابّة وتُدعى به الغنم، وأنّ الإبساس صوت خفيف يُسكّن به الراعي الناقة عند الحلب، وهي القراءة التي يقود بها اسم باستت. وتحفظ «بسّ» الباء والسين كما هما، ومعناها النداء والتسكين أكثر من التحذير، فتناسب القطّة الأليفة أكثر ممّا تناسب القزم المخيف. ويقارن المقال بِس بالمعبودة الطفلة كوماري في الهند، وبـ«جنّوم» في الساميّة، ويفسّرها بالكائنات الصغيرة الحامية.
السرديات الأسطورية الرئيسة
رأس بِس على العنق
وفي متحف المتروبوليتان قالب من العصر المتأخّر كانت تُصبّ فيه تمائم رأس بِس، وقرص من حجر الصابون من القرن السادس إلى الرابع قبل الميلاد، على وجهه رأس بِس، وعلى ظهره إيزيس وحورس في الأحراش، حيث كانت إيزيس تخبّئ ابنها حتى يكبر، كما تروي لوحة مترنيخ. فالقزم الذي يحرس ولادة الأطفال في البيوت يقف هنا على ظهر الطفل الأوّل الذي خبّأته أمّه.
القزم في الحكمة
وفي بردية إنسينجر الديموطيقية حكمة عن الصغار: «لا تحتقر معبوداً صغيراً لئلّا يعلّمك انتقامه.. الجعران الصغير عظيم بصورته الخفيّة، والقزم الصغير عظيم باسمه، والحيّة الصغيرة فيها سمّ». ولا تسمّي الحكمة بِس، لكنّها تقول ما تقوله صوره: أنّ الصغير المحتقر قد يكون أعظم الحرّاس.
القراءة الرمزية
يقول مقال إعادة القراءة المصري إنّ المصريين استعملوا صور الحيوان أدواتٍ يشرحون بها الكون، لا آلهةً بالمعنى الحرفي. وبِس مثال على ذلك في البيت: لبدة الأسد وأذناه ولسانه البارز وسكّينه وطبله أدوات يواجه بها الناس خوفهم في أخطر لحظات الحياة.
ففي البيت المصري كانت الولادة أخطر ما يمرّ به الأهل: تموت الأمّ أو يموت الوليد ولا يرى أحد سبباً ظاهراً. ويقول المتحف المصري العالمي إنّ الأمّ كانت تعتزل بعد الولادة في موضع خاصّ خارج البيت، كثيراً ما يكون على السطح، أسبوعين على الأقلّ للتطهّر، وكان هذا الموضع كوخاً من أعمدة يتسلّق عليها اللبلاب والكرم. وكان بِس وتاورت يُرسمان على الأسرّة ومساند الرأس، وعلى جدران بيوت الولادة في المعابد، والموسيقى التي يحملها بِس تطرد الأرواح الشرّيرة وتجعل الناس أقلّ خوفاً.
التوازيات عبر الحضارات
في بلاد الرافدين صورة تقابل صورة بِس من الجهة الأخرى. هناك لاماشتو، ابنة آنو التي طُردت من السماء، تدخل البيت من محور الباب، فتعدّ أشهر الحوامل، وتسدّ باب التي تلد، وتمسك الطفل في بطنه، فتُطرد بالتعاويذ والتمائم. فالخوف واحد في البلدين: الخوف على الأمّ والوليد في ساعة الولادة. لكنّ أهل الرافدين جعلوا للخطر جسداً يُطرد، وجعل المصريون للحماية جسداً يُعلَّق. والأقرب إلى بِس هناك پازوزو، ملك شياطين الريح، الذي يُرسم مع لاماشتو على التمائم: قبيح مخيف، لا خير فيه في ذاته، لكنّه يردّها إلى العالم السفلي. فبِس وپازوزو كلاهما قبح يُستعمل لطرد قبح آخر عن الوالدة والطفل.
وفي مصر نفسها يقف بِس في بيوت الولادة إلى جانب خنوم الذي يصوّر الطفل على عجلته، وإلى جانب حتحور التي تلد ابنها في دندرة.