ملخص
نَمْتار وزير إريشكيغال ملكة العالم السفلي ورسولها، يصعد بكلامها إلى السماء ويرجع، وينفّذ أمرها في دارها. واسمه في السومرية كلمة «القدر»، وتشرحها المعاجم الأكدية بالقدر وبالمرض معاً، فهو المصير الذي يأتي في صورة مرض.
وأتمّ قصّة تحكي عمله في الأرض قصيدة «أَتْراحاسِيس» البابلية القديمة. لم تمضِ ستّمئة سنة على خلق البشر حتى كثروا، وصارت الأرض تخور كالثور، وضاق إنليل بضجيجهم فلم يأخذه النوم. فجمع مجلسه وقال: أمروا أن تقوم القشعريرة، «وليقطع نمتار ضجيجهم سريعاً»، ولتهبّ عليهم كالعاصفة العلّة ووجع الرأس والقشعريرة والفالج. فقامت القشعريرة، وقطع نمتار ضجيجهم. وكان أتراحاسيس، الإنسان الحكيم، يكلّم معبوده إنكي، فقال له: الناس يئنّون، والأرض تلوم المعبودات. فقال إنكي: اجمع الشيوخ، ومُر المنادين أن ينادوا في الأرض: لا تعبدوا معبوداتكم، ولا تصلّوا لمعبوداتكم، واطلبوا باب نمتار، وقدّموا أمامه رغيفاً مخبوزاً، ولتبلغه تقدمة الدقيق، فيستحي ويمدّ يده إلى الهدية. ففعل الناس، وبنوا لنمتار معبداً في مدينتهم، وقدّموا الخبز والدقيق عند بابه، فاستحى ومدّ يده إلى الهدية، وترك الناس، فعادت إليهم عافيتهم، وانفتحت الأرحام فولدت الأطفال، وعاد ضجيجهم كما كان.
وفي العالم السفلي هو يد إريشكيغال. في «نزول عشتار» الأكدية، حين تجلس عشتار فوق أختها، تقول إريشكيغال لوزيرها: «اذهب يا نمتار، أطلق على عشتار ستّين مرضاً: مرض العين على عينيها، ومرض الذراع على ذراعيها، ومرض القدم على قدميها، ومرض القلب على قلبها، ومرض الرأس على رأسها». فلمّا جاء رسول إيا يطلب قربة الماء، أمرته إريشكيغال: «اذهب يا نمتار، اطرق الهيكل الحقّ، وزيّن العتبات بالودع، وأخرج معبودات الأنوناكي وأجلسها على عروش الذهب، ورشّ عشتار بماء الحياة». فرشّها، وأخرجها من الأبواب السبعة باباً بعد باب، وردّ إليها عند كلّ باب ما أُخذ منها، من مئزرها إلى تاجها الكبير.
وهو الرسول في قصّة نرغال وإريشكيغال. لا تصعد ملكة الموتى إلى وليمة المعبودات، فترسل نمتار ليأخذ نصيبها من الطعام، فيقوم له المعبودات كلّهم إلا نرغال، ومن هنا تبدأ القصّة التي تنتهي بنرغال ملكاً في الأسفل.
والفكرة التي تدور عليها أخباره أنّ القدر المقضيّ له رسول يحمله. نمتار لا يقضي شيئاً بنفسه: إنليل يأمر فيقطع ضجيج البشر، وإريشكيغال تأمر فيضرب، ثم تأمر فيرشّ ماء الحياة. واليد التي تُرسل المرض هي اليد التي تُخرج المريضة من الأبواب وتردّ إليها ثيابها. ولأنّ للرسول باباً، يستطيع الناس أن يقفوا عنده: في «أتراحاسيس» لا يقاتلون الوباء، وإنّما يحملون الخبز والدقيق إلى باب نمتار حتى يستحي فيقبل الهدية ويتركهم.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يتركّب nam-tar «نَمْ-تار» من nam «نَمْ»، وهي في السومرية القدر نفسه، وtar «تار»، ومعناه في المعجم السومري قطع، ثم قضى وحكم. وtar «تار» هي «تَرَّ» العربية: يقول لسان العرب «ترَّ الشيءُ: بان وانقطع بضربه»، و«أترّ يده: قطعها»، ثم يقول: «وأتَرّه القضاءُ: أبعده». فنمتار «القدر الذي قُطع فيه»، كما يُقال في العربية قطع الأمر إذا حسمه. وتقرأ المقالة البابلية الاسم من «نَمَط»، أي الطريقة التي يُلزم بها، فهو القدر الذي يجري على نهج واحد لا يتغيّر. والقراءتان تلتقيان: الأمر الذي قُطع فيه يصير طريقاً واحداً. وهو ما تجعله القصّة: في «أتراحاسيس» يأمر إنليل أن «يقطع» نمتار ضجيج البشر، ويرى ناشرو النصّ أنّ الفعل اختير لأنّه يشير إلى tar «تار»، القطع، في اسمه.
الجذر اللغوي
الصيغ المكتوبة
| الصيغة | النطق التقريبي | المعنى والموضع |
|---|---|---|
nam-tar «نَمْ-تار» |
نَمْتار | السومرية: القدر، والمرض، وكائن مؤذٍ |
ᵈnam-tar «نَمْتار» |
نَمْتار | الاسم مع علامة المعبود |
nam-ta-ar «نَمْ-تا-ر»، nam-ta-ra «نَمْ-تا-را» |
نَمْتار، نَمْتارا | كتابات مقطعية |
namtaru «نَمْتارُو» |
نَمْتارُو | الأكدية، بلاحقة الإعراب |
murṣu «مُرْصُو»، šīmtu «شِيمْتُو» |
الكلمتان الأكديّتان اللتان تُشرح بهما، المرض والقدر |
تقسم الكتابة السومرية الاسم جزأين واضحين. nam «نَمْ» كلمة القدر في السومرية، وتُستعمل أيضاً سابقة تصنع أسماء المعاني. وtar «تار» فعل معناه في أكثر شواهده قطع، ومن معانيه فكّ وفرّق وقضى، وتشرحه المعاجم الأكدية بأفعال القطع والفصل. فالقدر في السومرية «شيء يُقطع»، كما أنّ «القضاء» في العربية من قضى الأمر إذا أحكمه وفصل فيه.
وفي «ترّ» العربية الصوتان نفسهما: التاء والراء المضعّفة. ومعناها في لسان العرب القطع بالضربة: ترّ العظم إذا انقطع وبان، وترّت يده إذا سقطت، وأترّها صاحبها إذا قطعها. ثم يأتي في المادّة نفسها «أترّه القضاء: أبعده»، فيجتمع في الجذر العربي ما يجتمع في الاسم السومري: القطع والقضاء.
وتضع المقالة البابلية «نَمَط» أرجح قراءاتها، والنمط في معجم لين الطريقة والمذهب الذي يُلزم، يقال: الزم هذا النمط. وتحفظ هذه القراءة النون والميم والتاء، لكنّها تقطع الاسم في غير موضع انقسامه في السومرية، فتأخذ التاء من tar «تار» وتترك الراء، وتجعل الطاء العربية مقابل التاء. ولذلك تأتي قراءة «ترّ» أوفق للحروف، وتبقى «نمط» قراءة لمعنى القدر حين يصير طريقاً لا يُحاد عنه. وتقترح المقالة بعدها «نمر» بمعنى التلوّن، لأنّ المرض يأخذ ستّين صورة، وتصفها بالتأويل، و«نما + ترّ» وتصفها بالضعف.
«مرض العين لعينيها»
في أمر إريشكيغال لنمتار سطر تظهر فيه العربية كلمة بعد كلمة: muruṣ īni ana īnīša «مُرُصْ إِيني أَنا إِينِيشا»، أي «مرض العين على عينيها». muruṣ «مُرُصْ» هي «مَرَض» العربية: الضاد العربية صاد في الأكدية كما في «أرض» وerṣetu «إِرْصِتُو». وīnu «إِينُو» هي «عين» بعد سقوط العين الأولى، كما تسقط حروف الحلق في الأكدية. و-ša «شا» ضمير الغائبة، «ها» في العربية. فالسطر في اللسان العربي «مرضُ عينٍ لعينيها»، قراءة مقترحة على المنهج.
السرديات الأسطورية الرئيسة
نمتار الذي لم يأخذ إنكيدو
في القصيدة السومرية «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي» ينزل إنكيدو ليأتي بكرة جلجامش وعصاه، فيمسكه العالم السفلي. ويذهب جلجامش إلى إنليل ثم إلى إنكي يشكو: «لم يأخذه نمتار، ولم يأخذه أساغ، لكنّ العالم السفلي أخذه؛ ولم يسقط في المعركة، لكنّ العالم السفلي أخذه». فنمتار في هذه الجملة أحد الطرق المعروفة إلى الموت، كالمرض والحرب، وإنكيدو مات بطريق غيرها.
الرسول الذي لا يعرف ضيفه
وفي الرواية الطويلة لقصّة نرغال وإريشكيغال يهرب نرغال من الأسفل بعد ستّة أيام، فيصعد نمتار إلى السماء يطلبه. فيغيّر إيا هيئة نرغال، فينظر نمتار في وجوه المعبودات ولا يعرفه، ويرجع إلى ملكته.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير البابلية «أتراحاسيس» تاريخاً بيئياً وسكّانياً: كثرة الناس وضغطهم على الماء والزرع، ثم ثلاث محاولات لتقليلهم، أوّلها الوباء، وهو عندها أوبئة حقيقية ضربت المدن المكتظّة، ثم الجفاف ثم الطوفان. ونمتار على هذه القراءة اسم الوباء حين ينتشر في مدينة مزدحمة.
ويحفظ النصّ نفسه ما صنعه الناس أمام الوباء. لم يحاربوه ولم يهربوا منه، وإنّما جمعوا الشيوخ، ونادى المنادون في الأرض، وتركوا عبادة سائر المعبودات، واجتمعوا على باب واحد يقدّمون عنده الخبز والدقيق، وبنوا له بيتاً في مدينتهم. فالمدينة واجهت المرض بالقرار المشترك والتقدمة المشتركة، حتى قبل نمتار الهدية وتركهم.
التوازيات عبر الحضارات
يغضب أبولو في أوّل «الإلياذة» لأنّ أغاممنون أهان كاهنه، فيرمي الجيش بسهامه تسعة أيام، ثم يُردّ إليه حقّه وتُقدّم له الذبيحة ويُنشد له، فيرفع الوباء. وفي «أتراحاسيس» يأمر إنليل فيقطع نمتار ضجيج البشر بالحمّى، ثم يُقدَّم له الخبز والدقيق عند بابه فيقبله ويترك الناس. في القصّتين وباء يرسله معبود غاضب، ويُرفع بتقدمة وتوسّل، غير أنّ سبب الغضب في الإلياذة إهانة كاهن، وفي أتراحاسيس ضجيج البشر الذي يمنع إنليل من النوم.
ووباء نمتار أوّل الضربات الثلاث التي تسبق الماء في الطوفان البابلي، وهو رسول مجلس المعبودات حين يقضي إنليل في مجلسه. وفي النزول إلى العالم السفلي هو الرسول الذي يصعد من دار الموتى ويرجع إليها، يضرب الداخلة بالمرض ثم يرشّها بماء الحياة ويخرجها.