نينليل

ملخص

نِنْلِيل زوجة إنليل، سيّد المعبودات في سومر، وأمّ القمر نانّا. معبدها في نِيبُور اسمه إِيكِيُور، وأخبارها تمتدّ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، من أقدم الألواح المكتوبة في أُورُوك إلى القرن الثاني بعد الميلاد، حين كان الإغريق ما زالوا يذكرونها باسم مِيلِيتّا.

وقصّتها الكبرى قصيدة «إنليل ونينليل» السومرية. تبدأ في نيبور: إنليل فتى من فتيان المدينة، ونينليل فتاة من فتياتها، وأمّها نُونْبَرْشِيغُونُو عجوز حكيمة. تنصح الأمّ ابنتها ألّا تغتسل في النهر المقدّس ولا تمشي على ضفّة قناة المدينة، لأنّ عين إنليل لامعة، فسيراها ويطلبها ثم يتركها. فتغتسل في النهر، ويراها إنليل على الضفّة ويطلبها، فتقول له: أنا صغيرة لم أعرف الحمل ولا التقبيل، وإن علمت أمّي ضربت يدي. فلا تأذن له. فيأمر وزيره نُوسْكا أن يعبر به النهر في قارب، فيمسك بها على ضفّة صغيرة ويضطجع معها، فتحمل منه سُوإِن، وهو نانّا القمر.

ثم يمشي إنليل في الكِيُور، فيقبض عليه الخمسون معبوداً الكبار والسبعة الذين يقضون المصائر، فيخرج من المدينة لأنّه صار نجساً. وتخرج نينليل وراءه. وفي الطريق يقف إنليل عند ثلاثة رجال، ويوصي كلّاً منهم ألّا يدلّها عليه: حارس بوّابة المدينة، ثم صاحب إِيدْكُورا، نهر العالم السفلي الذي يأكل الناس، ثم صاحب المعبر. وفي كلّ مرّة تصل نينليل وتسأل عن سيّدها، فيجيبها إنليل نفسه في صورة الرجل: لم يكلّمني سيّدي. فتقول: في بطني بذرة سيّدك، بذرة سُوإِن اللامعة. فيقول: بذرة سيّدي تصعد إلى السماء، فلتنزل بذرتي إلى الأسفل مكانها. فتحمل منه عند الحارس نرغال، وعند صاحب النهر نِنَازُو، «الملك الذي يمدّ حبال القياس على الحقول»، وعند صاحب المعبر إِنْبِيلُولُو، «مفتّش القنوات». وتختم القصيدة بمدح إنليل، «من أجل المديح الذي قيل لنينليل الأمّ».

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ ما يصعد إلى السماء يقابله ما ينزل إلى الأرض. الولد الذي في بطنها يصعد ليكون القمر، فيولد بدلاً منه في الأسفل ثلاثة: ملك للموتى، وصاحب حقول يقيسها، وصاحب قنوات يتفقّدها. ونينليل هي التي تحمل الجميع، لأنّها لم تترك زوجها حين أخرجه مجلس المعبودات، فصارت أمّ ما فوق وأمّ ما تحت. تبدأ القصيدة بفتاة لم تأذن، وتنتهي بأمّ يُمدح سيّد المعبودات من أجلها. وفي قصيدة أخرى، «إنليل وسُود»، تصل الفتاة إلى بيت إنليل بالخطبة والهدايا، فيسمّيها نينليل، ويجعلها «إِزِينا، الحَبّ النامي، حياة سومر»، ويضع في يدها الكتابة والحساب والقياس.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يتركّب NIN.LÍL «نِنْ-لِيل» من nin «نِنْ»، وهو لقب السيّدة في السومرية، وlíl «لِيل»، وهو «ليل» العربية بلاميها، والياء بينهما مقابل الحركة الطويلة. والليل في لسان العرب عقيب النهار، ومبدؤه من غروب الشمس. فنينليل على قراءة المقالتين السومرية والبابلية «سيّدة الليل»، كما أنّ زوجها إنليل «سيّد الليل». وهو ما تجعله قصّتها: تحمل القمر، نور الليل، ثم تخرج وراء زوجها في الطريق المظلم نحو العالم السفلي، فتلد هناك أبناء الأسفل.

الجذر اللغوي

الصيغ المكتوبة

الصيغة النطق التقريبي أين تظهر؟
ᵈnin-líl «نِنْ-لِيل» نِنْلِيل الكتابة السومرية الشائعة، والعلامة الأولى علامة المعبود لا تُنطق
ᵈgašan-líl «گَشَنْ-لِيل» گَشَنْلِيل لهجة الإِيمِسال السومرية التي تُكتب بها أصوات النساء في الأغاني
Mulliltu «مُلِّلْتُو» مُلِّلْتُو الاسم الأكدي
Mullissu «مُلِّسُّو» مُلِّسُّو الاسم في العصر الآشوري الحديث
mlš «م ل ش» مُلِّش الآرامية القديمة
Μύλιττα «مِيلِيتّا» مِيلِيتّا اليونانية عند هيرودوت

يبقى الجزء الثاني من الاسم في صيغه كلّها. فالاسم الأكدي جاء من اسم إنليل في لهجة الإيمسال: كانت umun «أُمُن»، أي السيّد، تُختصر فيها إلى mun «مُن»، فإذا جاورت اللام أُدغمت فيها فصار الاسم mu-ul-líl «مُلِّيل»، ثم زاد الأكديون تاء التأنيث فصار Mulliltu «مُلِّلْتُو»، ثم صارت اللام والتاء سيناً مشدّدة في العصر الآشوري الحديث، ومنه أخذ الإغريق «ميليتّا». فالصيغ تتغيّر في أوّل الاسم وآخره، وتبقى «لِيل» في وسطه.

ويشرح التفسير الشائع líl «لِيل» بالنسيم، فيجعل نينليل «سيّدة النسيم». ويذكر أوراك أنّ هذا الشرح يعتمد على نصّ شارح من العصر الآشوري الحديث ربط المعبودات بالرياح، فجعل نينليل للريح الشمالية وفسّر اسمها «سيّدة النسيم»، ولا شاهد أقدم منه. فالمقطع ما زال موضع بحث، وهذا ما يفتح الطريق لقراءته بالليل. وقد قرأ بعض الكتبة الأكديين الاسم Mullil «مُلِّيل» من الفعل elēlu «إِلِيلُ»، أي طهُر، فصار عندهم «المطهِّر».

وتعدّ المقالة البابلية قراءة «نين + ليل» راجحة جدّاً، وتقرّبها بالعبرية layla «لَيْلَة». وتقرأ قصّة إنليل ونينليل على هذه القراءة: الهواء الذي هو إنليل يخترق ظلمة الليل التي هي نينليل، فيولد من ذلك نور القمر.

قراءات أخرى في المقالتين

تقترح المقالة البابلية بعد الليل «لؤلؤ»، فتكون نينليل «سيّدة اللؤلؤ» ويكون القمر ابنها لؤلؤة في السماء، وتصفها بأنّها تأويل؛ غير أنّ في «لؤلؤ» همزتين لا أثر لهما في الاسم. وتقترح «لَلّ» بمعنى الرقّة وتصفها بالضعف. وتقترح المقالة السومرية «نَنّ + لَيَّل»، أي المنيرة في الليل، و«نِنّ + إيل»، أي السيّدة الإلهية، وكلتاهما تقرأ nin «نِنْ» بالعربية، بينما تبقى nin «نِنْ» في السومرية لقباً معروف المعنى للسيّدة والسيّد معاً، كما في نينورتا ونينهورساج.

السياق التاريخي

تظهر نينليل في أقدم ما كُتب في بلاد الرافدين، في ألواح أوروك من أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، وكان معبدها الأكبر إيكيور في نيبور، ولها عبادة في مدينة تُومّال القريبة منها. والكِيُور الذي قُبض فيه على إنليل هو موضعها في نيبور، ومنه تخاطب ابنها في قصيدة «أنغيم». وفي بلاد آشور صارت زوجة آشور حين ساوى الملوك آشور بإنليل، وسُمّيت مُلِّسُّو، ثم سُوّيت في الألف الأوّل بـعشتار، ولا سيّما عشتار أربيل. وكان الفلكيّون يرون نجمها في الدبّ الأكبر، «العربة».

الأسرة والصلات

الشخصية الصلة أين ترد؟
إنليل زوجها «إنليل ونينليل»؛ «إنليل وسود»
نونبرشيغونو، وهي نِيسابا أمّها «إنليل ونينليل»، 1–21؛ «إنليل وسود»، 1–8
نانّا، سوإن ابنها، القمر «إنليل ونينليل»، 35–53
نرغال، نينازو، إنبيلولو أبناؤها الثلاثة في طريق الأسفل «إنليل ونينليل»، 65–142
نينورتا ابنها البكر الذي زيّنته، وتمدحه حين يعود من الحرب «لوغال-إي»، 135–150؛ «أنغيم»، 108–112
أرورو أخت إنليل، تأخذ العروس بيدها إلى إيكور «إنليل وسود»، 146–155
آشور زوجها في بلاد آشور أوراك

السرديات الأسطورية الرئيسة

سُود تصير نينليل

في «إنليل وسود» يطوف إنليل البلاد يطلب زوجة، فيرى سود في إِرِيش، مدينة أمّها نيسابا، ويكلّمها بكلام لا يليق، فتدخل البيت أمامه. فيرسل وزيره نوسكا إلى الأمّ بالهدايا، ويقول لها: ابنتك سيكون اسمها نينليل. وبعد المفاوضة تأخذ أرورو، أخت إنليل، العروس بيدها إلى إيكور. فالقصيدتان تجعلان الاسم نفسه نهاية طريقين مختلفين إلى بيت واحد: الأولى بالقسر ثم النفي، والثانية بالرسالة والهدية.

الأمّ في حروب نينورتا

وفي «لوغال-إي» يُمدح نينورتا بأنّه «البكر الذي زيّنته نينليل بمفاتن لا تُحصى»، فإذا غاب في حربه على الوحش أساغ صاح إنليل إلى نينليل: «يا زوجتي، ابني ليس هنا، فمن يسندني؟». وفي «أنغيم» تخاطب الأمّ العظيمة نينليل ابنها من الكيور حين يعود بالأسرى والغنائم: «يا ثوراً برّياً رفع قرنيه، يا ابن إنليل، ضربت في الجبال».

ميليتّا عند هيرودوت

ويقول هيرودوت إنّ الفرس تعلّموا عبادة «أفروديت السماوية» من الآشوريين والعرب، وإنّ الآشوريين يسمّونها ميليتّا، والعرب يسمّونها أَلِيلات. ويصف في بابل عادة تجلس فيها المرأة في ساحة أفروديت حتى يلقي غريب في حِجرها مالاً قائلاً: «أدعوكِ باسم ميليتّا». هذا خبر رجل إغريقي عن عادة سمع بها، ولا شاهد له في الألواح المسمارية، غير أنّ الاسم الذي سمعه هو مُلِّسُّو، اسم نينليل الآشوري.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة البابلية القصّة قراءة كونية: إنليل هو الهواء، ونينليل ظلمة الليل، ومن اختراق الهواء للظلمة يولد نور القمر. وفي النصّ نفسه ما يسند هذا الترتيب: الولد الأوّل يصعد إلى السماء، والثلاثة الذين بعده ينزلون إلى الأسفل، فتجتمع في بطن واحد أمّ القمر وأمّ الموتى والحقول والقنوات.

وتقول القصيدة بعد ذلك شيئاً عن المدينة. الذي أخذ الفتاة بلا إذن هو سيّد المعبودات، ومع ذلك يقبض عليه المجلس في الكيور ويخرجه من نيبور لأنّه صار نجساً. فالقانون فوق صاحب السلطان، والنجاسة تُخرج من المدينة حتى السيّد. أمّا قصيدة سود فتجعل الزواج عقداً بين بيتين، وتجعل العروس حين تدخل بيت إنليل «الحَبّ النامي» وصاحبة الكتابة والقياس، أي ما تقوم عليه حقول نيبور وسجلّاتها.

التوازيات عبر الحضارات

تُؤخذ بيرسيفوني وهي تقطف الزهر، ويخرج إليها هاديس من الأرض فيحملها إلى دار الموتى. وتُؤخذ نينليل عند النهر، ثم تمشي هي وراء زوجها نحو الأسفل. في القصّتين فتاة يأخذها سيّد عند الماء أو المرعى ثم تصير صلتها بالعالم السفلي، غير أنّ بيرسيفوني تصير ملكة الموتى، ونينليل تلد ملكهم نرغال وتبقى في بيت زوجها في نيبور.

ويضع هيرودوت ميليتّا، اسم نينليل الآشوري، بإزاء أفروديت السماوية. وهي مساواة بالاسم من رجل إغريقي، ولا تعني أنّ القصّتين واحدة.

ومحاكمة إنليل في الكيور من أوضح شواهد مجلس المعبودات الذي يحكم على رئيسه، وعرسها في «إنليل وسود»، حين تصير العروس الحَبّ النامي وحياة سومر، شاهد سومري على الزواج المقدّس الذي تتعلّق به غلّة الأرض. وطريقها وراء زوجها، بحارس بوّابته ونهره الذي يأكل الناس وصاحب معبره، من أقدم صور الطريق إلى الأسفل في النزول إلى العالم السفلي.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. نيكول بريش، «نينليل»، الآلهة والمعبودات الرافدينية، أوراك.

  2. إنليل ونينليل، إنليل وسود، لوغال-إي، أنغيم، مجموعة النصوص السومرية بأكسفورد.

  3. هيرودوت، التواريخ 1.131 و1.199، ترجمة غودلي، مكتبة برسيوس.

  4. ترنيمة ديميتر.

  5. لسان العرب، ليل.