ملخص
حِكا في المصرية اسم للسحر نفسه، واسم لمعبود هو السحر، ولا تكاد النصوص تفرّق بين الاثنين، فتكتب الكلمة مرّة بعلامة المعبود ومرّة بغيرها. وأقدم ذكر للمعبود على جدار معبد الملك ساحورع الجنائزي من الأسرة الخامسة، يتقدّم فيه موكباً من معبودات الأقاليم يحملون القرابين للملك. ومن آخر تلك الأسرة لوحات لرجال كانوا أطبّاء و«كهنة حِكا» معاً، وفي أسماء الضياع في الأسرتين الخامسة والسادسة «حِكا يرضي أوناس» و«حِكا يرضي تيتي». وبقي اسمه حتى القرن الثالث بعد الميلاد في بردية سحرية ديموطيقية، ومنه الكلمة القبطية ϩⲓⲕ «هِيك»، السحر.
وأتمّ ما يُروى عنه في «نصوص التوابيت»، في الرقية 261 التي عنوانها «أن يصير الإنسان المعبودَ حِكا». يقف حكا فيها أمام المعبودات في حضرة «ربّ الكلّ»، ويطلب منهم أن يعرفوا قدره، ويقول إنّه الذي صنعه الربّ الواحد قبل أن يكون في هذه الأرض شيئان، حين أرسل عينه الواحدة وهو وحده، وحين خرج من فمه ما خرج، وحين جعل «حُو»، الكلمة الآمرة، على فمه. ثم يقول إنّه ابن الذي ولد الكلّ، الذي وُلد قبل أن تكون أمّه، وإنّه حماية ما قضاه الربّ الواحد، وإنّه الذي أحيا التاسوع، وإنّه «ربّ الأرواح»، وارث رع-أتوم، وإنّ الكلّ كان له قبل أن تكون المعبودات، ويختم: «انزلوا يا من جئتم في الآخر. أنا حِكا». وفي الرقية 648 أنّ حكا كان بنفسه، فرحت المعبودات حين رأته، وتعيش من رائحته الطيّبة، وهو الذي خلق الجبال وشدّ السماء.
ثم يعمل حكا كلّ يوم. فهو مع رع في مركبه، ومعه «حُو» الكلمة الآمرة و«سِيا» الإدراك، «حكا الذي يفتح عينيه فترى الأرض»، ويُرسم أحياناً يرفع السماء عن الأرض مكان شو. وفي الليل يحرس المركب: في الساعة السابعة من كتاب «ما في العالم السفلي» يغلب رع عدوّه الحيّة أبوفيس بسحر إيزيس وسحر «الساحر الأكبر»، وهو حكا. ثم أُعطي الناس هذه القوّة نفسها: تقول «تعاليم مري كا رع» إنّ الخالق صنع للناس السماء والأرض والهواء والطعام، و«صنع لهم السحر سلاحاً يردّون به ضربة الحوادث، يحرسهم بالليل والنهار».
والفكرة التي يدور عليها أمر حكا أنّ القوّة في الكلمة. فالخالق في الرقية 261 يجعل الكلمة على فمه، لكنّ حكا كان قبلها، فهو الذي يجعل الكلمة تصير شيئاً. ويقول ريتنر إنّ السحر في هذه الرقية يسكن الكلمة نفسها. والقوّة التي صُنع بها العالم هي القوّة التي يحرس بها رع مركبه من أبوفيس، وهي التي أُعطيها الناس سلاحاً، ولذلك يقول ريتنر إنّ السحر في مصر لم يكن خروجاً على الدين، وإنّما عطيّة من الخالق.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية ḥkꜣ «حِكا»: حاء وكاف وألف مصرية. وتقرؤه المقالة المصرية في هذا المشروع من «حكى» و«حكمة»، أي الحكاية والحكمة، وتعطيه درجة «راجح». و«حكى» في معجم لين: روى الحديث ونقله، وفعل مثل فعل غيره وقال مثل قوله، وهي أيضاً «شدّ العقدة وأحكمها». فالكلمة المحكيّة والعقدة المشدودة كلاهما من أدوات الساحر. وحرف الاسم الأخير كان في المصرية القديمة صوتاً من أصوات اللام والراء، ثم صار ياءً بعد الدولة الوسطى، فإذا قُرئ الاسم القديم بلامه صار «حكل»، وفي معجم لين «الحُكْل» ما لا يُسمع له صوت من الحيوان كالنمل، و«علم الحُكل» علم سليمان بكلام النمل، و«احتكل» تعلّم لساناً أعجمياً. فالاسم في صورته القديمة يقرب، على المنهج، من الكلام الخفيّ الذي لا يفهمه إلّا من أوتي علمه، وفي صورته المتأخّرة من الحكاية والعقدة، وهما وجها السحر في مصر: كلمة تُقال، وفعل يُحاكى.
الجذر اللغوي
«حكى» و«حكل»
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Ḥkꜣ «حِكا» | حكا، المعبود | معجم المصرية |
| ḥkꜣ.w «حِكاو» | السحر، القوّة السحرية | معجم المصرية |
| ḥkꜣ «حِكا» | سحر، فتن | معجم المصرية |
| wr.t-ḥkꜣ.w «وِرِت-حِكاو» | «عظيمة السحر»، لقب معبودات، ولقب التاج والحيّة على جبين الملك | معجم المصرية |
| Ḥkꜣ.w-smsw «حِكاو-سِمْسُو» | «الساحر الأكبر» في كتاب «ما في العالم السفلي» | معجم المصرية |
| ϩⲓⲕ «هِيك» | القبطية: السحر | ريتنر، ص 14 |
| حَكَى، حِكاية | روى، نقل؛ حاكى؛ شدّ العقدة | معجم لين، حكى |
| الحُكْل، احتكل | ما لا يُسمع صوته؛ تعلّم لساناً أعجمياً | معجم لين، حكل |
تقارن المقالة المصرية «حِكا» بـ«حكى» و«حكمة»، وتجعل معناها الحكاية والحكمة، وتعطي المقارنة درجة «راجح».
والحاء والكاف في الاسم المصري حاء وكاف في العربية. ويبقى الحرف الثالث، الألف المصرية. ويقول بويست إنّ هذه الألف كانت في المصرية القديمة والوسطى صوتاً من أصوات الراء واللام، تُكتب بها الراء واللام في الأسماء السامية منذ الدولة الوسطى، ولا تقابل الهمزة السامية أبداً، ثم اندمجت في الياء بعد الدولة الوسطى، وسقطت في القبطية في أكثر المواضع، ولذلك تقول القبطية «هِيك» بلا حرف ثالث. فللاسم صورتان: صورة قديمة حرفها الثالث لام أو راء، هي صورته في نصوص الأهرام ومعبد ساحورع، وصورة متأخّرة حرفها الثالث ياء.
والصورة المتأخّرة هي «حكى» التي تقرؤها المقالة. وفي معجم لين: «حكيتُ الحديث» رويته وقصصته، و«حكيتُ عنه الكلام» نقلته عنه، و«حكيتُ الشيء» فعلت مثله، و«حاكيته» قلت مثل قوله بلا زيادة، و«الحكاية» في اصطلاح النحاة إعادة اللفظ بعينه. وفيه أيضاً: «حَكَى وأحكى: شدّ العقدة وأحكمها»، وهي لغة في «حكأ». وكلمة الساحر في مصر كلام يُعاد بعينه كما يقضي النصّ، وفي سورة الفلق «النفّاثات في العقد». أمّا «حكمة» فتزيد ميماً لا يقابلها شيء في الاسم.
والصورة القديمة، إذا قُرئ حرفها الثالث لاماً، تقابل «حكل»، وهذه قراءة مقترحة على المنهج. وفي معجم لين: «أحكل عليّ الخبر» اشتبه وخفي، و«احتكل» تعلّم لساناً أعجمياً بعد العربية، و«الحُكْلة» عجمة في الكلام وعقدة في اللسان، و«الحُكْل» من الحيوان ما لا يُسمع له صوت كالذرّ والنمل. ويروي لين عن الليث أنّ «الحُكل» اسم لسليمان في رجز رؤبة: «لو أنّني أوتيت علم الحُكل»، أي علم سليمان بكلام ما لا يُسمع كلامه. فالحكل كلام خفيّ لا يفهمه إلّا من أوتي علمه، والسحر المصري يجري بأسماء خفيّة لا يعرفها إلّا الساحر.
فالقراءة التي نقدّمها جامعة: الاسم في صورته المتأخّرة «حكى»، كما تقرؤه المقالة، وفي صورته القديمة يقرب على المنهج من «حكل». والكلمة في الصورتين كلمة: كلمة تُحكى، وكلمة خفيّة لا يفهمها كلّ أحد. وحدّ القراءة أنّها لا تعرف بعدُ أيّ الصورتين أصل الاسم.
وللمصريين أنفسهم في الاسم تفسيران يذكرهما ريتنر: فقد فسّره كهنة إسنا المتأخّرون «العمل الأوّل»، لأنّ حكا أوّل ما خلقه الخالق، ورأى تي فيلده أنّه «الذي يقدّس الروح» أو «يضربها»، من فعل الضرب واسم الروح. ويذكر ريتنر أيضاً أنّ فيتشل قرنه بـ«السحر» العربية، ويقول إنّها مقارنة غير مقنعة، وحروفها لا تلتقي بحروف الاسم.
ولا يُخلط حكا بكلمة ḥqꜣ «حِقا» بالقاف، ومعناها الحاكم، ومنها العصا المعقوفة التي يمسكها الملك.
التحوّلات المستعملة: الحاء حاء؛ الكاف كاف؛ الألف المصرية لام في الصورة القديمة وياء في المتأخّرة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الملك الساحر في نصوص الأهرام
تبدأ الرقية 472 من نصوص الأهرام بقوّة السحر على الكون: «السماء ترتجف، والأرض تهتزّ أمام الملك. الساحر هو الملك. الملك يملك السحر». وفي الرقية 539 يتوعّد حكا المعبودات: كلّ معبود لا يبني السلّم لهذا الملك لا يكون له خبز القربان ولا ظلّ، «وليس الملك هو الذي يقول هذا عليكم أيّها المعبودات، إنّما السحر هو الذي يقوله». وفي «ترنيمة آكل الآلهة» يذبح خونسو الأسياد للملك، فيأكل الملك سحرهم ويبتلع أرواحهم، فيصير سحرهم سحره.
«عظيمة السحر»
ويُقال لقب «عظيمة السحر» لمعبودات كثيرة، منهنّ إيزيس، ويُقال للتاج وللحيّة على جبين الملك. ففي الرقيتين 220 و221 من نصوص الأهرام يأتي الملك إلى التاج الأحمر وإلى الحيّة، ويناديهما: «يا عظيمة، يا عظيمة السحر»، ويطلب أن يكون الخوف منه كالخوف منهما. والحيّة على الجبين هي واجيت. ويقول ريتنر إنّ «عظيمة السحر» صار في الدولة الحديثة اسماً لمعبودة حيّة حامية، وإنّ عصا سحرية في جامعة لندن تجعل «حو»، الكلمة، «ابن أرواح عظيمة السحر».
السحر الذي يضرّ
ولم يكن السحر خيراً كلّه. يذكر ريتنر أنّ في كتب الطبّ وصفات «لإخراج السحر من جسد» المريض، وأنّ حكمة متأخّرة تقول: «من يعمل رقاه السحرية تدخل فيه». فالقوّة التي تحرس يمكن أن تؤذي، وصاحبها مسؤول عنها.
حكا عند ولادة الملك
ويُرسم حكا في مشاهد ولادة الملوك في الدولة الحديثة وما بعدها يقدّم الملك المولود وروحه إلى الخالق، وفي الرقية 261 روايةٌ يقول فيها حكا إنّه «يقدّس أرواح» الخالق.
القراءة الرمزية
تجعل مقالة إعادة القراءة المصرية حكا «القوّة الخفيّة» التي تربط كلّ شيء في الكون، وتسمّيه أقدم مفهوم لـ«حقل الطاقة»: قوّة تعمل بالكلمات الصحيحة كما تعمل القوانين بالمعادلات، تحتاج معرفة دقيقة، تشفي وتدمّر، والكون كلّه حكا. والكاهن عندها عالم يعرف هذه القوى ويستعملها، و«التعاويذ» وصفات عملية، كثير منها طبّ حقيقي مغلّف بكلمات الشعيرة.
وهذا تشبيه المقالة. أمّا النصوص المصرية فتقول ما هو أقرب إلى الكلمة منه إلى الطاقة: حكا قبل الكلمة الآمرة، وبه تصير الكلمة شيئاً. ويؤيّد تشبيه المقالة في جانب واحد ما يقوله ريتنر من أنّ الأطبّاء الأوائل كانوا «كهنة حكا»، وأنّ الحدود بين السحر والدين والطبّ في مصر لم تكن كما يرسمها المحدثون.
التوازيات عبر الحضارات
اختار كتبة القبطية كلمة «هِيك»، وأصلها حكا، ليترجموا بها السحر في اليونانية. ففي سفر أعمال الرسل يُقال عن سيمون إنّه كان «يعمل السحر»، فتقول القبطية «يعمل هِيك»، وتجعل «صانع الهيك» مقابلاً للكلمة اليونانية «ماغوس»، وهي كلمة المجوس نفسها. فاسم السحر المصري واسم السحرة الفرس التقيا في ترجمة واحدة.
وفي بلاد الرافدين يطرد المعزّم لاماشتو بكلامه، ويختم: «أقسمت عليك بلعنة إيا، فاذهبي». فقوّة كلامه من إنكي، إيا الحكيم، كما أنّ قوّة الساحر في مصر من حكا.
وفي الشمال تقول «ملحمة ينغلينغا» إنّ أودين كان يطفئ النار ويسكّن البحر ويقلب الرياح «بالكلام وحده»، وإنّه علّم هذه الفنون بالرونات والأغاني التي تُسمّى galdrar «غالْدْرار»، ولذلك سُمّي الآسير «صنّاع الرقى»، وإنّه كان يعمل ما يُسمّى seiðr «سِيذْر»، فيعرف به مصائر الناس وما لم يكن بعد.
وحكا في مركب رع، يحرسه من أبوفيس في الليل، جزء من رحلة الشمس ومن صراع النظام والفوضى. وهو في الرقية 261 قبل أن يكون شيئان في الأرض، فهو من أخبار المياه الأولى وما قبلها، وحين يرفع السماء مكان شو فهو من أخبار الفصل بين السماء والأرض.