المجوس

ملخص

المجوس كهنة الإيرانيين الغربيين، ولا يُعرف لكهنتهم اسم غيره في عهد الميديين والأخمينيين والفرثيين والساسانيين. وأقدم ما بقي من خبرهم نقش بيستون، الذي حفره دارا الأوّل على صخرة في غرب إيران بعد سنة 522 قبل الميلاد. يقول دارا فيه: بعد أن قتل قمبيز أخاه برديا سرّاً، قام رجل من المجوس اسمه گَوْماتا في بلدة عند جبل أراكادري، في الرابع عشر من شهر ڤِياخْنا، أي في الحادي عشر من مارس 522، وكذب على الناس وقال: أنا برديا بن كورش أخو قمبيز. فانحاز الناس كلّهم إليه عن قمبيز، فارس وميديا وسائر البلاد، وأخذ الملك. ولم يجرؤ أحد، لا فارسيّ ولا ميديّ ولا من أهل بيتنا، أن يقول شيئاً في گوماتا المجوسيّ، لأنّ الناس خافوه، فقد قتل كثيراً ممّن كانوا يعرفون برديا الحقّ لئلّا يعرفوا أنّه ليس برديا. حتى جئت، فدعوت أهورا مزدا فأعانني، وقتلت مع رجال قليلين گوماتا المجوسيّ وأخصّ أتباعه في قلعة بميديا، في العاشر من شهر باگَيادي، أي التاسع والعشرين من سبتمبر 522، ورددت المعابد التي هدمها، والمراعي والقطعان والبيوت التي أخذها من الناس.

ويروي هيرودوت الخبر نفسه قصّة: أخوان من المجوس ثارا على قمبيز وهو في مصر، فأجلس أحدهما أخاه على العرش باسم سمرديس بن كورش. ثم دخل عليهما سبعة من نبلاء الفرس فقتلوهما وقطعوا رأسيهما، وخرجوا بالرأسين يصيحون، فقتل الفرس كلّ مجوسيّ لقوه حتى حجزهم الليل. ويقول هيرودوت إنّ ذلك اليوم أعظم أعياد الفرس، يسمّونه «قتل المجوس»، ولا يخرج فيه مجوسيّ من بيته. وعند هيرودوت أيضاً أنّ المجوس قبيلة من قبائل الميديين الستّ، وأنّهم كانوا يعبّرون الرؤى لأستياگ ملك الميديين، وأنّ الفرس لا يقرّبون قرباناً إلّا وعنده مجوسيّ يرتّل عليه «نشيد مولد الآلهة»، وأنّ المجوس يتركون جثّة الميّت حتى يمزّقها طائر أو كلب، ويقتلون بأيديهم النمل والحيّات وكلّ ما يدبّ ويطير. ومع خشايارشا صبّ المجوس الخمر قرباناً للأبطال عند طروادة.

والفكرة التي تدور عليها أخبارهم أنّ المجوسيّ هو الرجل الذي لا يُقبل قربان إلّا بحضوره: يرتّل مولد الآلهة، ويعبّر الرؤى، ويحفظ طهارة النار والأرض والماء. ولهذا خافه الملوك حين اقترب من العرش، فصار يوم قتلهم عيداً، ثم صاروا كهنة الملوك أنفسهم: تذكر ألواح پرسپوليس مجوساً يأخذون الشعير والخمر من مخازن الملك، ومنهم من يأخذ الحبّ ليصبّ القربان لميثرا ولجبل ولنهر. ومن عمل الكاهن الذي يرى ما لا يراه الناس خرج معنى الكلمة عند من نظر إليهم من الخارج: صار «المجوسيّ» عند اليونان الساحرَ والحكيمَ معاً، ومنه اسم السحر في لغات أوروبا، ويأتي في إنجيل متّى «مجوس من المشرق» يتبعون النجم إلى بيت لحم، ويذكر القرآن المجوس بين الأمم التي يفصل الله بينها يوم القيامة.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تجعل المقالة الفارسية المجوسَ في القرآن الكلمةَ الفارسية نفسها، وتجعل لها جذراً عربياً من «مَجَّ» و«مَجُسَ»، وتمدّ لها طريقاً من الكاهن الأكادي مَشْمَشُ، كاهن التعاويذ، إلى الفارسية ثم اليونانية ثم اللاتينية ثم كلمة السحر الإنجليزية، وتقول: كلّ كلمات السحر في أوروبا ترجع إلى كاهن بابليّ. والطرف الأوّل صحيح حرفاً بحرف: «مجوس» هي maguš «مَگُوش»، صيغة الرفع الفارسية القديمة التي في نقش بيستون، والگاف الفارسية جيم في العربية، والشين سين كما تصير الشين الآرامية سيناً في الكلمات التي دخلت العربية. والطرف الأخير صحيح أيضاً: من الكلمة اليونانية للمجوسيّ صيغ اسم السحر. أمّا البداية الأكادية فلا تثبت: كتّاب دارا البابليون كتبوا اللقب «مَگُوشُ» كلمةً غريبة عن لغتهم، والكاهن الأكادي اسمه بحروف أخرى، الميم والشين مكرّرتين. فالكلمة سارت من الفارسية إلى الأكادية والآرامية والعربية، لا من الأكادية إلى الفارسية. ويبقى «مَجَّ» الذي تقرؤه المقالة: الميم والجيم حرفا «مَگ»، ومن المادّة «مَجْمَجَ» إذا لم يُفصح في خبره، وتفصيل ذلك في الجذر اللغوي.

الجذر اللغوي

صيغ الكلمة

اللسان الصيغة النطق الموضع
الفارسية القديمة maguš، magum مَگُوش، مَگُم نقش بيستون، صيغتا الرفع والنصب
العيلامية ma-ku-iš، makuš مَكُوش نسخة بيستون العيلامية، وألواح پرسپوليس
البابلية ma-gu-šu مَگُوشُ نسخة بيستون البابلية
الآرامية mgwšʾ، mgwšy مَگُوشا ألواح پرسپوليس، وبردية من جزيرة الفيلة سنة 434 ق.م
الأفستية moγu.tbiš مُغُو تْبِيش «عدوّ المجوسيّ»، يسنا 65.7 عند بارتولوماي
الفارسية الوسطى mow، mowbed مُوْ، مُوبَد والموبد كبير المجوس
اليونانية μάγος، μαγεία مَاغُوس، مَاغِيا المجوسيّ، والسحر
العربية مَجُوس، مَجُوسِيّ، تمجّس في القرآن والمعاجم

مجوس ومَگُوش

يقول معجم لين إنّ المجوس أمّة، وإنّ الكلمة فارسية، وإنّ المجوسيّ واحدهم، ومنه مجّسه أي جعله مجوسياً وعلّمه دينه، وتمجّس صار مجوسياً. والكلمة العربية تحفظ صيغة الرفع الفارسية القديمة maguš «مَگُوش» بشينها الأخيرة، وهي الصيغة التي كتبها الآراميون mgwš «مَگُوش» في ألواح پرسپوليس وفي بردية الفيلة، والتي كتبها كتّاب بيستون البابليون ma-gu-šu «مَگُوشُ». والگاف الفارسية جيم في العربية، والشين الآرامية سين في العربية كما في «سبت» من شَبّتا و«مسيح» من مْشيحا.

طريق مَشْمَشُ

تجعل المقالة كلمة المجوس آتية من mašmašu «مَشْمَشُ» الأكادية، كاهن التعاويذ. وفي معجم الأكادية الذي أصدره معهد شيكاغو مدخلان يفصلان في الأمر: الأوّل magušu «مَگُوشُ»، ويقول عنه إنّه المجوسيّ، عضو طبقة من الكهنة في ميديا وفارس، وإنّه «كلمة فارسية قديمة»، وشاهده الجملة البابلية في نقش بيستون: حين قتلت گوماتا المجوسيّ. والثاني mašmaššu «مَشْمَشُّو»، ويقول عنه إنّه المُعزِّم، وإنّه دخيل من السومرية، وفي التعاويذ يسمّي المعزّم نفسه رسول مردوخ. فحروف الكاهن الأكادي الميم والشين ثم الميم والشين، وحروف المجوسيّ الميم والگاف. ويذكر بارتولوماي في معجمه الإيراني القديم أنّ أصل الكلمة غير معروف، وأنّ ردّها إلى الآشورية اقتُرح سنة 1904 فردّه نولدكه وبيزولد. ويقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّه لا أصل هندياً أوروبياً مقنعاً للكلمة، وإنّ بعض العلماء رأوها من لغة أهل البلاد قبل الميديين.

«مَجَّ» و«مَجْمَجَ»

والجذر الذي تقرؤه المقالة «مَجَّ». وفي معجم لين: مجّ الشرابَ أو الماء من فيه رماه ونفثه، ومجّت النحل العسل، ومجّت الشمس ريقها، وكلام تمجّه الأسماع أي تردّه. ومن المادّة نفسها مكرّرةً: مَجْمَجَ في خبره إذا لم يُفصح، ومجمج الكتاب إذا خلط حروفه فلم تتبيّن، ومجمج بفلان إذا ذهب به في الكلام مذهباً غير مستقيم وردّه من حال إلى حال. والكلمة الفارسية بعد رفع علامة الرفع وحرف العلّة mag- «مَگ»، ميم وگاف، والجيم العربية تقابل الگاف. وعلى هذه القراءة المقترحة على المنهج يكون المجوسيّ صاحب الكلام الذي لا يُفهم ظاهره: يرتّل مولد الآلهة بلسان لا يفهمه الحاضرون، ويعبّر رؤيا أستياگ فيخطئ، كما يروي هيرودوت. وهذه صورة تلقى القصّة، لا شاهد على أنّ الإيرانيين سمّوا كهنتهم بهذا المعنى.

السرديات الأسطورية الرئيسة

المجوس وزرادشت

يختلف العلماء في صلة المجوس بدين زرادشت. فالأفستا لا تذكرهم ذكراً لا شكّ فيه، وتسمّي الكاهن فيها «آثْرَوَن»، أي صاحب النار. ويرى بعضهم أنّ المجوس كانوا كهنة محترفين يخدمون أيّ معبود إيراني بأجر، ثم اتّخذوا زرادشت نبيّاً في القرن الرابع قبل الميلاد، ويرى آخرون أنّهم كانوا زرادشتيين من البداية. وكان اليونان يعدّون زرادشت نفسه واحداً منهم: يسمّيه بلوتارخ «زرادشت المجوسيّ»، وبهذا يشرح مترجمه بابِتّ كلمته في الحاشية، ويذكر أنّه علّم أنّ أورمزد أشبه الأشياء بالنور وأهريمن بالظلمة. وفي العهد الساساني صار المجوس طبقة قويّة تسند الملك، وصار كبيرهم الموبد، وحاول كرتير في القرن الثالث الميلادي أن يجعل دينهم دين الدولة.

النار والقربان

ويروي الكتّاب اليونان واللاتين أنّ المجوس كانوا يحملون النار المقدّسة أمام جيوش الفرس على مذابح من فضّة ويرتّلون خلفها، وأنّهم حرسوا قبر كورش في پاسارگاد وقرّبوا عنده فرساً كلّ شهر، وأنّ نار المجوس في قبّادوقيا كانت لا تُطفأ، يقومون عليها بحزم من القضبان وعمائم عالية. ويُرى على نقش من داسكيليون مجوسيّان عند مذبح النار وقد غطّيا أنفيهما وفميهما. وعلى أختام ألواح پرسپوليس رجلان تحت رمز أهورا مزدا يمسكان هاوناً ومدقّة أمام مذبح النار، والهاون لعصر الهوم. الموسوعة الإيرانية، «المجوس».

القراءة الرمزية

لا تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الفارسية المجوس، وتقرأ النار التي كانوا يقومون عليها رمزاً للطاقة والتقنية والنظافة: لا يُنفخ فيها لئلّا تتلوّث بالنفَس، ولا تُطفأ، وتُغذّى بالعود النظيف. وهذا ما تصفه الشواهد في المجوس أنفسهم: يغطّون أفواههم عند المذبح، ويقومون على نار لا تُطفأ.

وتجمع أخبار المجوس عند الإغريق أمرين لا يفترقان: الكاهن الذي لا يصحّ القربان إلّا به، والرجل الذي يُخاف منه. ففي بيستون وفي هيرودوت يقترب المجوسيّ من العرش بالكذب، فيُقتل ويصير قتله عيداً، ثم يعود كاهناً للملك. ويقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ الكلمة صارت منذ القرن الرابع قبل الميلاد تدلّ على المشعوذ والعرّاف، وبقيت مع ذلك تدلّ على الحكيم، كالمجوس الذين جاؤوا من المشرق.

التوازيات عبر الحضارات

يقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ اليونان خلطوا بين المجوس والكلدانيين، كهنة بابل، لأنّ عمل الفريقين متشابه في بعض وجوهه: تعبير الرؤى، والنجوم، والتعاويذ. وفي بابل كان المعزّم يقول في تعاويذه إنّه رسول مردوخ، ومن اسمه تأخذ المقالة الفارسية كلمة المجوس. وصار للمجوس أنفسهم موضع في بابل بعد الفتح الفارسي: تذكرهم ألواح أوروك مشرفين على مخزن دقيق المعبد، وتذكر وثائق نيبور مستوطنة سمّوها «قرية أكواخ المجوسيّ».

ويقف الكاهن الذي يعبّر رؤيا الملك عن الطفل الذي سيأخذ ملكه في أوّل قصص كثيرة: مجوس أستياگ يعبّرون رؤياه في كورش حفيده، فيُرمى الطفل ثم يعود، كما يُرمى زال في الشاهنامه حياءً من شعره الأبيض. وفي الدايفا خبر المعابد التي هدمها خشايارشا لأنّ أهلها عبدوا الدايفا، وهو ما فعله گوماتا المجوسيّ عند دارا حين هدم المعابد.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. نقش بيستون، الفقرات 10–14، ترجمة كينغ وتومسون المعدّلة، لِيڤيوس، والفقرة 11، والفقرتان 12–13 و13 و14.

  2. هيرودوت، «التواريخ»، ترجمة غودلي: 1.101، 1.107، 1.120، 1.132، 1.140، 3.79، 7.43.

  3. الموسوعة الإيرانية، «المجوس»، داندامايف.

  4. معجم الأكادية لمعهد شيكاغو، المجلّد م، الجزء الأوّل، ص 48 و381.

  5. بارتولوماي، المعجم الإيراني القديم، 1904، العمودان 1111–1112 و1176.

  6. معجم لين: مجس، مجج.

  7. بلوتارخ، «إيزيس وأوزيريس» 46.

  8. متّى 2.1؛ الحجّ 17.