ملخص
أنجرا ماينيو «أَنْگْرَ مَيْنْيو»، ومعناه في الأفستية «الروح الضارّ»، هو خصم أهورا مزدا في دين الزرادشتيين، وتسمّيه الكتب الفارسية الوسطى أَهْرِيمَن. وقصّته في كتاب «البندهشن» «بُنْدَهِشْن» قصّة من يجهل العاقبة. كان في الظلمة في الأسفل لا يعلم بوجود أُورْمَزْد، أي أهورا مزدا، ثم صعد فرأى النور فاندفع ليهلكه، فوجده أقوى منه فرجع وصنع الشياطين. ورفض الصلح وقال: سأهلك خلقك إلى الأبد. ثم قبل أن يكون القتال إلى أجل تسعة آلاف سنة، وهو لا يعلم أنّ الأجل نفسه سيهلكه، فلمّا تلا أورمزد صلاته سقط وبقي في حيرته ثلاثة آلاف سنة.
وأيقظته الشيطانة جِه، فخرج بجنوده وثقب السماء ونزل إلى الأرض «كما ينقضّ الذئب على الشاة». فبلغ الماء، وثقب وسط الأرض، ونشر الحيّات والعقارب والضفادع حتى لم يبق موضع رأس إبرة خالياً منها، وأيبس النبات، وأمات الثور الأوّل، وأرسل الموت إلى الإنسان الأوّل كَيُومَرْث. وفي «الڤنديداد» «وِنْدِيداد» يخلق الأرض الحسنة أهورا مزدا، فيجيبها أنجرا ماينيو بالشتاء والأفاعي والجراد والسلب. ثم حاول أن يقتل زرادشت، فلمّا عجز وعده الملك ألف سنة إن ترك دينه، فرفض زرادشت وردّه بالكلمة. وفي آخر الزمان يفرّ من الثقب الذي دخل منه، ويُحرق المعدن الذائب حيّته ويطهّر الجحيم.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الشرّ لا يخلق شيئاً من عنده، وإنّما يدخل على ما خلقه غيره فيفسده: يثقب السماء، ويدخل الماء، ويُيبس النبات، ويجيب كلّ أرض حسنة بآفة. وهو قويّ، لكنّه أعمى عن العاقبة. وأقدم صورة له في أناشيد زرادشت ليست صورة إله مقاتل، بل صورة روح اختار. يقول يَسنا 30 إنّ الروحين التوأمين اختارا: هذا الصدق، وذاك الكذب، وإنّ الشياطين «الدَّيْڤات» اتّبعته فاختارت أسوأ الفكر. ومن هذه القصّة يخرج ما يتّصل به: أژي دهاكا الذي يرجع نسبه إليه، و«الكذب» «دْرُوج» الذي هو أداته.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يأتي في الأفستا مرفوعاً Aŋrō Mainyuš «أَنْگْرُو مَيْنْيُوش»، والواو في آخر الأوّل والشين في آخر الثاني علامتا إعراب. فإذا حذفناهما بقي «أَنْگْر» و«مَيْنْي». والكلمة الأولى في المقال الفارسي في هذا المشروع هي «أَنْغَر» و«نَغَّص». و«نَغِرَ» الرجل في العربية غضب، و«نَغِرَت» القِدْر غلت، و«أَنْغَرَت» البيضة فسدت. و«نغّص» العيش كدّره وأفسد صفوه. فأنجرا ماينيو على هذه القراءة هو الذي يغلي غيظاً ويُفسد ما سلم، وهو بالضبط ما تجعله القصّة: روح اندفع إلى النور ليهلكه، ثم دخل على الخلق الحسن فأفسده من داخله. أمّا أهريمن فيقرؤه المقال «هَرِمَ»، أي الضعف والبِلى.
الجذر اللغوي
الصيغ المشهودة
| الطبقة | الصيغة وقراءتها | الدلالة |
|---|---|---|
| الأفستية القديمة | Aŋra Mainyu «أَنْگْرَ مَيْنْيو»، ومرفوعه Aŋrō Mainyuš «أَنْگْرُو مَيْنْيُوش» | «الروح الضارّ» |
| الأفستية | aŋra- «أَنْگْرَ» | ضارّ مؤذٍ، في مقابل spəṇta- «سْپِنْتَ»، النافع |
| الأفستية | mainyu- «مَيْنْيو» | روح أو قوّة فكرية |
| الفارسية الوسطى | Ahriman «أَهْرِيمَن» | اختصار المركّب، ومنه «أهريمن» في العربية |
| المقترح العروبي | نغر، نغّص؛ هَرِم للصيغة الوسطى | الغليان والفساد وتكدير العيش، ثم البِلى |
والحرف ŋ في الكتابة الأفستية نون تُنطق من أقصى الحلق، كالنون قبل الغين أو الكاف في قولنا «يَنْغَمِس» و«يَنْكُث». ولا يرد المركّب في النقوش الفارسية القديمة الباقية.
نغر ونغّص
يحفظ «نَغِرَ» الصوامت الثلاثة في aŋr «أَنْگْر»: النون، ثم الغين في موضع النون الحلقية وما يليها، ثم الراء. ومعانيه في المعاجم كلّها من باب واحد: الغضب، وغليان القدر، وفساد البيضة، وسيلان الدم من الجرح. وفي الحديث امرأة جاءت «نَغِرة»، أي مغتاظة يغلي جوفها غليان القدر. أمّا «نغّص» فيحفظ النون والغين ويضع الصاد في موضع الراء، ومعناه في المعاجم تكدير العيش، ومنع الإبل أن تتمّ شربها. ففي الأوّل صوت الكلمة تامّاً، وفي الثاني المعنى الذي يركّز عليه المقال: الإفساد من الداخل.
أهريمن و«هَرِمَ»
وفي الصيغة الفارسية الوسطى Ahriman «أَهْرِيمَن» يرى المقال «هَرِمَ»، أي بلغ أقصى الكِبَر فضعف. والهاء والراء والميم فيها مرتّبة كما في «هرم». ويناسب هذا المعنى ما ينشره أهريمن في البندهشن: المرض والجوع والضعف والموت. لكنّ هذه الصيغة اختصار متأخّر للمركّب الأفستي، فالقراءة تخصّ الاسم الفارسي الأوسط لا الأفستي.
قراءات أخرى في المقال
ويقترح المقال في القسم الأوّل منه «نَقَرَ»، أي ضرب وثقب وهدم، و«نَكِرَ»، أي جهل وأنكر. وتحفظ الكلمتان النون والراء وتغيّران الحرف الأوسط إلى قاف أو كاف. و«نَقَرَ» تقارب ما يفعله أهريمن في البندهشن حين يثقب السماء والأرض، و«نَكِر» تقارب جهله بأورمزد. ويقرأ المقال mainyu «مَيْنْيو» بـ«مَعْنِيّ»، فتقارب الروح والمعنى في الدلالة، لكنّ العين لا مقابل لها في الصيغة الإيرانية. أمّا مقارنة أنجرا ماينيو بإبليس فتخصّ وظيفة الخصم الذي يُغوي ويُفسد، وفي الڤنديداد 19 يعرض على زرادشت الملك ليترك دينه كما تعرض قصص إبليس الغواية؛ والاسمان مختلفان.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الروحان في الغاثات
يتحدّث يَسنا 30.3 عن روحين توأمين يظهر اختلافهما في الفكر والقول والعمل، ويسمّي الأسوأ منهما aka «أَكَه»، أي السيّئ. وفي يَسنا 45.2 يرد وصف aŋra «أَنْگْرَ» في مواجهة Spenta Mainyu «سْپِنْتَ مَيْنْيو»، الروح النافع. واختلف الباحثون في صلة الروحين بأهورا مزدا: يقرأ بعضهم التوأمين ابنين له، وتجعل الكتب اللاحقة أهريمن خصمه المباشر، وتروي الزُّرْوانية لهما أباً آخر هو زُرْوان، الزمن. فلا تُجمع هذه الأنساب في أسرة واحدة.
ولا تروي الغاثات أنّه أنجب الدَّيْڤات، بل تقول إنّها اختارت أسوأ الفكر بعد أن أضلّها المخادع، ويربطها يَسنا 32.3 بالفكر السيّئ.
البلاد الحسنة وآفاتها
يعدّ الڤنديداد 1 ستّ عشرة أرضاً حسنة خلقها أهورا مزدا، ويذكر لكلّ أرض آفة خلقها أنجرا ماينيو في مقابلها: الحيّة في النهر والشتاء في الأرض الأولى، والجراد الذي يُهلك النبات والماشية في الثانية، والسلب في الثالثة. فصار الخصم هنا فاعلاً في الطقس والأرض والمرض، بعد أن كان التقابل في الغاثات اختياراً أوّلاً.
القراءة الرمزية
يبذر الناس الحقل فيأكله الجراد، ويسقون القطيع ثم يُحرم المرعى، ويؤمّنون البيت فيدخله السلب. و«نغّص» تقارب هذه الأفعال لأنّها تُفسد الانتفاع بالزرع والماشية والبيت. ولا يُسند النصّ الشرّ إلى جماعة بدوية بعينها كما تقترح القراءة الحديثة؛ فالرعي نفسه ممّا تحميه النصوص. وتسمّي الأفستية الكذب druj «دْرُوج»، ويظهر أثره في وعد منقوض وحكم فاسد وآفة تصيب الرزق. و«الإنتروبيا» استعارة حديثة في المقال، لا معنى مشهوداً للكلمة الأفستية. أمّا فايو فالريح التي يقسمها التقليد الإيراني اللاحق بين وجه نافع ووجه ضارّ.