ملخص
زالٌ أبو رستم وأمير سِيسْتان في الشّاهْنامه، ملحمة الفِرْدَوْسي، وله اسم ثانٍ هو دَسْتان. وُلد لسامٍ، أعظم أبطال إيران في زمانه، ولم يكن له ولد غيره، فجاء وجهه كالشمس وشعره كلّه أبيض. فلم يجرؤ أحد أسبوعاً أن يخبر ساماً، حتى دخلت عليه المرضع وقالت: وُلد لك ابن طاهر ليس فيه عيب إلّا أنّ شعره أبيض. فلمّا رآه سام يئس، ورفع رأسه إلى السماء يسأل: إن كنت أذنبت ذنباً عظيماً، أو اتّبعت دين أهريمن، فاغفر لي. ثم قال: إذا جاء الكبراء وسألوني عن هذا الولد فماذا أقول؟ أأقول إنّه ابن دِيو، أو جنّية، أو فهد أبرق؟ سيضحك منّي الناس في السرّ والعلن حتى أترك إيران من العار. فأمر به فحُمل بعيداً، وتُرك على جبل البُرْز، قريباً من الشمس بعيداً عن الناس، حيث كان عشّ سيمرغ. الشاهنامه، منوچهر، الفصل 2، ترجمة وارنر، المجلّد الأوّل، ص 239–241.
وبقي الرضيع على الصخر الحارّ يمصّ أطراف أصابعه ويبكي، حتى جاعت فراخ سيمرغ فطارت تطلب لها طعاماً، فرأته فحملته في مخالبها إلى عشّها لتمزّقه الفراخ. فلمّا رأته الفراخ ورأت وجهه رقّت له، فاختارت له سيمرغ ألين الصيد، وأسقته الدم مكان اللبن، حتى صار شابّاً كالسرو. ومرّت به قافلة فرأته، فانتشر خبره حتى بلغ ساماً. فرأى سام في منامه فارساً يأتيه من الهند يبشّره بابنه، فسأل الموابذة، فلاموه وقالوا: الأسود والفهود على الصخر، والسمك في الماء، تربّي صغارها، وأنت رميت ولداً بريئاً لأنّ شعره أبيض. ثم رأى في منام ثانٍ رجلاً يقول له: إن كان الطائر يكفي مرضعاً لابنك فما نفع بطولتك؟ وإن كان الشعر الأبيض عيباً في الرجل فقد صار رأسك ولحيتك كورق الصفصاف. لقد احتقرت ابنك وهو ربيب الله، والله أرحم مرضع له، أمّا أنت فلا رحمة فيك. فذهب سام إلى الجبل، فلم يجد طريقاً إلى قمّته، فدعا: إن كان هذا الفتى من صلبي، لا من بذرة أهريمن، فأعنّي على الصعود.
فقالت سيمرغ للفتى: أنا مرضعتك التي ربّتك، وقد سمّيتك دستان زَنْد لأنّ أباك غدر بك، فليدعُك بهذا الاسم من يأخذك إلى بيتك. فقال الفتى: أمللتِ صحبتي؟ عشّك عرشي وجناحاك تاجي. فقالت: لو رأيت التاج والعرش لهان عليك هذا العشّ، فجرّب الدنيا. وأعطته ريشة من جناحها وقالت: إن نزلت بك شدّة فألقِ ريشتي في النار، ترَ قدرتي في الحال. ثم حملته إلى أبيه. فألبسه سام ثياب الأبطال، وسمّاه «زال زَر»، أي زال الشيخ، لبياض شعره. ثم أحبّ زال رُودابه، ابنة مِهْراب ملك كابل، فلمّا جاءها ليلاً أرخت له من سطح قصرها جدائلها السود حتى بلغت الأرض، وقالت: اصعد بها. فقبّلها وأبى أن يؤذيها، ورمى وهقه على الشرفة فصعد. وامتحنه موابذة الملك منوچهر بالألغاز، فسألوه عن اثنتي عشرة سروة لكلّ واحدة ثلاثون غصناً، وعن فرسين أبيض وأسود يطلب كلّ منهما صاحبه ولا يلحقه، فقال: هي الشهور الاثنا عشر وأيّامها، والنهار والليل. فرضي الملك بالزواج. ولمّا حملت رودابه عسرت ولادتها حتى أُغمي عليها، فأحرق زال شيئاً من الريشة، فجاءت سيمرغ وعلّمته كيف يُخرج الطفل من جنبها، فوُلد رستم.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الولد الذي رماه أبوه لعيب في ظاهره صار هو الذي يحمل مجد البيت. والعيب نفسه يعود على الأب: الشعر الأبيض الذي استحى منه في المولود يذكّره به المنام في لحيته هو. والطائر الذي حمله ليطعمه لفراخه صار مرضعه، وأعطى الولد المرميّ اسماً يحفظ الغدر الذي وقع عليه، وريشة يحفظ بها الصلة. ومن هذه القصّة يخرج البيت كلّه: سيمرغ التي تعود بالريشة في الولادة ثم في الحرب، ورستم المولود من جنب أمّه بعلمها، وسهراب حفيده الذي يُقتل بيد أبيه.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، فالمقالة الفارسية تقرأ سيمرغ «طائر سام» ورستم من «الرسم» ولا تقرأ اسم زال. زال في الفارسية الشيخ الأشيب، وزَر لقبه في القصيدة بالمعنى نفسه. وفي العربية: ذَرِئَ شعرُه إذا ابيضّ، والذُّرْأة بياض الشعر أو أوّل الشيب، والذال العربية تقابلها الزاي في العبرية والأكادية، كما في ذَهَب وزاهاب. فزَر على هذه القراءة «الذُّرْأة»: الشيب الذي وُلد به. وزال نفسه حرفاً بحرف «زال» العربية من مادّة «زول»، والزَّوْل في معجم لين العَجَب، والخفيف الذكيّ الذي يُعجب الناس من حدّة ذهنه، والشجاع، والكريم. وهذا ما تجعله القصّة: الولد العجيب الذي رآه الركبان فانتشر خبره، وحلّ ألغاز الموابذة. ودستان من «دَسّ»: دسّ الشيء أخفاه ودفنه في التراب، وفي القرآن في الأب الذي يستحي بمولوده: «يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به، أيمسكه على هون أم يدسّه في التراب».
الجذر اللغوي
الأسماء الثلاثة
| الاسم | النطق | معناه في الفارسية | من أين جاء في القصّة |
|---|---|---|---|
| زال | زال | الشيخ، الأشيب، الهَرِم | اسم أشهر من غيره |
| زَر | زَر | الشيخ الأشيب، وهو أيضاً الذهب | لقب سمّاه به سام، «زال الشيخ» |
| دستان | دَسْتان | الحيلة والخديعة، والحكاية أيضاً | سمّته به سيمرغ لأنّ أباه غدر به |
| دستان زند | دَسْتانِ زَنْد | «المغدور كثيراً» عند وارنر | اسمه الكامل عند سيمرغ |
يجعل وارنر في حاشيته «زال زَر» زالاً الشيخ لبياض شعره، و«دستان زند» المغدورَ كثيراً لما فعل به أبوه. ويقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ الاسمين زال وزَر يأتيان معاً ومنفردين، ويحيل في معنى «زَر» الشيخ إلى معجم بيلي، ويذكر أنّ شِيرْڤو حاول أن يجعل دستان صيغة من الفارسية الوسطى بمعنى القادر، أو اسم أسرة.
الشيب و«الذُّرْأة»
في معجم لين: ذَرِئَ شعرُه، وذَرَأَ، وذَرُؤَ، ابيضّ شعره في مقدّم رأسه، أو خالط سوادَه بياض، أو ابيضّ، والوصف منه أَذْرَأ وذَرْآء، والذُّرْأة بياض الشعر أو أوّل الشيب. ومن المادّة نفسها ذَرَأَ اللهُ الخلقَ أي خلقهم وكثّرهم، والذُّرّية النسل. والذال العربية تقابلها الزاي في العبرية والأكادية، كما يجعل ملفّ القوانين الصوتية في هذا المشروع ذَهَب العربية مقابلة زاهاب العبرية. ونطق الذال زاياً في فم الفرس معروف إلى اليوم. فزَر وزال، وهما في القصيدة اسمان لرجل واحد، تقابلهما «الذُّرْأة» في المعنى، الشعر الأبيض الذي وُلد به، والراء واللام تتبادلان في الاسمين أنفسهما. والهمزة في آخر «ذرأ» لا تظهر في الفارسية.
زال و«الزَّوْل»
وزال حرفاً بحرف «زال» العربية، من مادّة «زول». ومن معانيها في معجم لين: زال الشيء ذهب وانتقل وغاب، والزَّوْل الخفيف الحادّ الذهن الذي يُعجب الناس من ذكائه، والشجاع الذي يستحي الرجال من شجاعته، والكريم، والعَجَب، يقال: هذا زَوْلٌ من الأزوال. فالقراءة تلقى القصّة في الولد الذي ذهب به أبوه عنه ثم عاد، وفي الفتى العجيب الذي حلّ الألغاز. غير أنّ زال في الفارسية الشيخ الأشيب، والزَّوْل في العربية لا يدلّ على الشيب، فالحروف هنا توافق القصّة وتفارق معنى الكلمة الفارسية.
دستان و«الدَّسّ»
ودستان في الفارسية الحيلة والخديعة، وبهذا المعنى سمّته سيمرغ. وفي معجم لين: دسّه أخفاه وخبّأه في التراب أو تحت الشيء ودفنه، والدسيسة ما يُدسّ في خفاء، واندسّ فلان إلى فلان أتاه في خفاء بالنمائم. وفي آية النحل يدسّ الأب مولوده في التراب. وقد دخل لفظ «دَسْت» الفارسي نفسه العربية، ويذكر لين من معانيه الحيلة والخديعة والمكر. فالدال والسين في «دستان» حرفا «دسّ»، والتاء خارجة عنهما.
قراءات أخرى
ويذكر مقال الموسوعة الإيرانية قراءتين لعلماء الإيرانيات: يرى شاهبازي أنّ زالاً أو زَر سُمّي باسم زَرَنْگ، عاصمة سيستان القديمة، ويرى ڤيكاندر وسكارتشيا أنّه صورة من زُرْوان، الزمان، لأنّ ألغازه زُرْوانية ولأنّه عمّر طويلاً.
السرديات الأسطورية الرئيسة
زال بعد ولادة رستم
يقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ زالاً عاش عصر الكيانيين كلّه، يقود الجيوش ويشير على الملوك أكثر ممّا يقاتل: ردّ عن مهراب في كابل أميرين من توران، وقاتل أفراسياب بعد قتل نوذر، واختار زوَ ملكاً، وأرسل رستم إلى جبل البرز ليأتي بكي قباد ويتوّجه، فبدأت به دولة الكيانيين. وحاول أن يثني رستم عن قتال إسفنديار، فلمّا رأى ابنه مجروحاً دعا سيمرغ مرّة أخرى. ثم غزا بهمن بن إسفنديار سيستان وأسر زالاً وأخذ كنوزه، وأطلقه بشفاعة عمّه پشوتن. ويروي الثعالبي عن المسعودي المروزي أنّ بهمن قتل زالاً وأباد أهله. ويذكر البندهشن الإيراني أنّ ساماً قسم ملكه بين أبنائه الستّة، فأعطى سيستان وبلاد الجنوب لأكبرهم، دستان.
ألغاز الموابذة
ولم تكن الألغاز كلّها في الشهور والأيام. سأله الموابذة عن سروتين عاليتين يأوي إلى إحداهما طائر في الصباح وإلى الأخرى في المساء، إذا رحل عنها اصفرّ ورقها وإذا عاد إليها فاح منها المسك، فقال: هما شطرا السماء المضيء والمظلم، والطائر الشمس. وسألوه عن رجل يأتي مرجاً كثير الماء والعشب بمنجل يحصد الأخضر واليابس ولا يسمع من يصرخ، فكان جوابه الزمان. وسألوه عن مدينة حصينة على جبل تركها أهلها إلى أجمة شوك، فقال: الأجمة هذه الدنيا، والمدينة دار الحساب.
القراءة الرمزية
لا تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الفارسية زالاً، وتقرأ سيمرغ التي ربّته شبكة للمعرفة، وريشها الذي يُصنع منه الدواء معرفة تشفي، وتقرأ ابنه رستم وحفيده سهراب صراعاً بين جيلين. وتفصيل هذه القراءة في صفحة سيمرغ.
ويقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ الشعر الأبيض عند الولادة كان يُرى علامة على عظمة آتية، كما وُلد پاپك، أبو أردشير، بشعر طويل فعدّته أمّه بشارة بمجد آتٍ، وإنّ إرضاع الطائر العظيم علامة أخرى، كما رُوي أنّ نسراً ربّى أخمينس جدّ الملوك الأخمينيين. وهذه القصص من صنف «الولد المخوف» الذي يُرمى ثم يعود فيأخذ مكان أبيه. وفي قصّة زال يعود الولد ولا يأخذ مكان أبيه، فيبقى البيت واحداً، وتصل الريشة بينه وبين الطائر الذي ربّاه. والجبل الذي تُرك عليه هو البرز، الجبل القريب من الشمس في القصيدة، ومنه أيضاً جيء بكي قباد ليُتوّج، فهو موضع يخرج منه الملك والبطل، كما في الجبل المقدّس. الموسوعة الإيرانية، «زال».
التوازيات عبر الحضارات
وأقرب القصص إلى ولادة زال ولادة نوح في «كتاب أخنوخ»: ولدت امرأة لامك ابناً جسده أبيض كالثلج وأحمر كالورد، وشعر رأسه أبيض كالصوف، وعيناه كأشعّة الشمس، فخاف لامك وقال: ليس هذا منّي، بل يشبه أبناء الملائكة، وذهب إلى أبيه متوشالح ثم إلى أخنوخ، فقال أخنوخ: هو ابنه حقّاً، فسمّه نوحاً. فالأب في القصّتين يرى في المولود الأبيض علامة على أنّه من غير صلبه، ابن ملائكة عند لامك وابن دِيو أو من بذرة أهريمن عند سام، ثم يُخبر في رؤيا أو عن حكيم أنّه ابنه. ويذكر مقال الموسوعة الإيرانية أنّ سكارتشيا قارن زالاً بنوح الأبيض.
وفي ملحمة إتانا لا يولد للملك وارث، فيحمله نسر إلى السماء ليطلب نبتة الولادة، كما تعسر ولادة رودابه فتأتي سيمرغ بعلم الولادة: الطائر العظيم في القصّتين هو الذي يفتح الطريق إلى الولد الذي يحفظ البيت. وفي بلاد الرافدين أيضاً يُترك لوغالبندا وحيداً في الجبال فيرضى عنه الطائر أنزود. وفي طروادة يُرمى باريس رضيعاً على جبل إيدا خوفاً من رؤيا أمّه فترضعه دبّة، وفي روما يُرمى رومولوس وأخوه فترضعهما ذئبة. غير أنّ باريس ورومولوس يُرميان خوفاً ممّا سيأتي منهما، وزال يُرمى حياءً من صورته.