الرئيسية/الكيانات/آتَر، النار المقدسة

آتَر، النار المقدسة

ملخص

آتَر هو النار في دين الإيرانيين القدماء، النار التي توقد في البيت والمعبد، وهو في الأفستا شخص يُخاطَب ويُسمّى «ابن أهورا مزدا». وأشهر قصّة له في «زامْياد يَشْت»، نشيد الأرض. كان هناك «المجد» khvarenah «خْوَرِنَه»، النور الذي يجعل الملك ملكاً، ولا يُؤخذ بالقوّة. فتنازع عليه الروح النافع والروح الضارّ، ورمى كلّ منهما رماحه. فتقدّم آتَر وقال في نفسه: أريد أن آخذ هذا المجد. فانقضّ عليه من خلفه أژي دهاكا «أَژي دَهاكا»، التنّين ذو الأفواه الثلاثة، يريد أن يطفئه، وقال: اتركه لي يا آتَر، فإن أخذته انقضضت عليك فلا تتّقد على الأرض أبداً. فسحب آتَر يديه خوفاً على حياته.

ثم تقدّم أژي دهاكا يريد المجد لنفسه، فمشى آتَر خلفه وقال: اتركه لي أيّها التنّين، فإن أخذته دخلتُ من خلفك واشتعلت في فكّيك، فلا تنقضّ على الأرض أبداً. فسحب التنّين يديه خوفاً على حياته. فلمّا لم يأخذه أحد منهما ارتفع المجد وغاص في بحر ڤوروكَشا «وُورُوكَشا»، فأخذه «ابن المياه».

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ النار قوّة تحرق وتُطفأ في آن واحد: التنّين يقدر أن يطفئها، وهي تقدر أن تحرقه من داخله، فيمنع كلّ منهما الآخر. ولهذا تحتاج النار في البيت إلى من يحرسها ويطعمها. ففي يَسنا 62 ينظر آتَر إلى يد كلّ قادم: فمن جاءه بالحطب اليابس المختار، وبالطيب والسمن، دعا له بقطيع كثير وذرّية وعقل يقظ. ومن هذه القصّة يخرج ما يتّصل به: أبوه أهورا مزدا، وميثرا الذي يتقدّمه لهب آتَر ويعطي آتَر من لم يكذب عليه الطريق الأقوم، وأناهيتا التي تأتي مياهها بعده في ترتيب العبادة.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يأتي في الأفستا مرفوعاً ātarš «آتَرْش»، والشين في آخره علامة إعراب تسقط في سائر حالاته. فإذا حذفناها بقي «آتَر». ويقرؤه المقال الفارسي في هذا المشروع «عَتَرَ» و«أَثَر». و«عَتَرَ» في العربية ذبح العَتِيرة، وهي الذبيحة التي كان العرب يقدّمونها لآلهتهم، و«الأَثَر» ما يبقى من الشيء بعد ذهابه. فآتَر على هذه القراءة هو الموضع الذي يُقدَّم عنده القربان، والنار التي لا تمرّ على شيء إلّا تركت فيه أثرها. وهذا ما تجعله القصّة: نار تأخذ ممّن يخدمها وتعطيه، وتحرق من يعتدي عليها من داخله.

الجذر اللغوي

الصيغ المشهودة

الشاهد الصيغة وقراءتها ما تثبته
الجذع الأفستي ātar- «آتَر» لفظ النار؛ أصله الأبعد غير محسوم
التصريف الأفستي ātarš «آتَرْش»، ātrəm «آتْرَم»، āθrō «آثْرُو»، ātarə «آتَرَه» حالات الكلمة نفسها؛ الشين ليست من الجذع
الفارسية الوسطى والحديثة ātaš / ātaxš «آتَش / آتَخْش»، ādur «آدُر»، āḏar «آذَر» تطوّرات إيرانية لاسم النار، ومنها «آذر» في العربية
المقترح العروبي عَتَر، أَثَر ذبح القربان، والعلامة الباقية
المقارنة العربية الجنوبية ʿAthtar «عَثْتَر» اسم معبود اتّصل بالزهرة

عَتَر وأَثَر

«العَتِيرة» في العربية شاة كانت تُذبح في رجب لآلهة العرب، و«عَتَرَ» ذبحها. وتحفظ «عتر» التاء والراء في قلب «آتَر»، أمّا العين فتصير في أوّل الكلمة الإيرانية ألفاً ممدودة. وسقوط العين وبقاء مدّة في موضعها معروف في اللغات الأخوات، فقد ضاعت العين في الأكّادية كلّها وبقيت مكانها حركة. و«الأَثَر» بقيّة الشيء وعلامته، وهي تحفظ الهمزة والراء وتضع الثاء في موضع التاء، والتاء والثاء متقاربتان، وفي الأفستية نفسها تتعاقبان في تصريف الكلمة: ātarš «آتَرْش» وāθrō «آثْرُو». أمّا قول المقال إنّ معنى الجذرين «أشعل» فلا تشهد له المعاجم، فهي تعطي الذبح والعلامة.

عَثْتَر

ويقارن المقال آتَر بـ«عَثْتَر»، معبود اليمن القديم، ويجعله «إله النار». وفي عثتر عين وثاء وتاء وراء، فهو يجمع حروف «عتر» و«أثر» معاً. لكنّ عثتر اتّصل في نقوش اليمن بكوكب الزهرة، والقول بأنّه إله نار يحتاج إلى شاهد من النقوش.

الكاهن والنار

واسم الكاهن الأفستي āθravan- «آثْرَوَن» قورن بـ ātar- «آتَر»، وله مقابل فيدي átharvan- «أَثَرْوَن». ويعرض المرجع هذا اشتقاقاً مقترحاً للقب الكاهن من النار. ويفيد أغني في مقارنة وظيفة النار الفيدية، مع اختلاف اسمه عن آتَر.

السياق التاريخي

تحفظ الأفستا نصوصاً من طبقات مختلفة نُقلت زمناً طويلاً قبل أن تبلغ صورتها المخطوطة. وخطاب النار في يَسنا 36 و62 جزء من عبادة حيّة لها قول وعمل. ثم اتّسعت خدمة النار في المعابد، فصار للموقد خدّام وأوقات معلومة، وظلّ اللهب نار حطب تحتاج إلى الوقود والرعاية.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الابن والبيت

يسمّي يَسنا 62 آتَر «ابن أهورا مزدا»، وفي يَسنا 36 يخاطب المصلّون أهورا مزدا في حضرة «نارك». هذه بنوّة في كلام العبادة؛ لا يروي النصّ ولادة ولا يسمّي أمّاً.

النيران الثلاث في البندهشن

ويقسم «البندهشن» «بُنْدَهِشْن» النار خمسة أنواع، منها نار أمام أورمزد، ونار في أجساد الناس والحيوان، ونار في النبات، ونار في السحاب، والنار التي يستعملها الناس. ويروي أنّ الناس في عهد الملك طَهْمُورَث كانوا يعبرون البحر على ظهر الثور سَرْسَوْك، وعلى ظهره ثلاثة مواقد، فأسقطت الريح المواقد في البحر، فاشتعلت النيران الثلاث في مواضعها وأضاءت للناس حتى عبروا. ثم أقام جمشيد نار آذَرْفَرْنْبَغ، واستقرّت نار آذَرْگُشْنَسْپ «آذَرْگُشْنَسْپ» على عرف فرس كَيْخُسْرَو فأضاءت له الظلمة، وأقام الملك ويشتاسپ «وِيشْتاسْپ» نار آذَرْبُرْزِينْمِهْر.

القراءة الرمزية

يحتاج دوام النار إلى عمل أهل البيت: اختيار الوقود وتجفيفه وحمله ووضعه في الموقد وحفظ اللهب. وتعيد النار إليهم في يَسنا 62 دعاء بكثرة الماشية والجماعة ويقظة العقل والنفس، إلى جانب ما يمنحه الموقد من ضياء ودفء وطهو. أمّا منع النفخ في النار أو إطفائها في القراءة الحديثة فلا يرد في مقطع يَسنا 62 المستعمل هنا.

وبعد خطاب النار في يَسنا 62 تنتقل العبادة إلى المياه في يَسنا 65، حيث تخاطب أردوي سورا أناهيتا، فيجتمع لهب يتلقّى الوقود وماء يتلقّى السكب. ويقابل أغني آتَر من جهة العمل لا الاسم: تحمل النار الفيدية التقدمة بين البشر والمعبودات، وتتلقّى النار الأفستية الوقود والخطاب وتبارك من يخدمها.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. زامْياد يَشْت 19.46–51: آتَر وأژي دهاكا والمجد.

  2. يَسنا 36 و62 و65.

  3. «مِهْر يَشْت» 10.3 و127.

  4. البندهشن 17: أنواع النار والنيران الثلاث.

  5. الموسوعة الإيرانية، «آتش» و«آثرون».

  6. صرف الأفستية.

  7. المعجم العربي، عتر وأثر، لين، عتر وأثر.

  8. المتحف المتروبوليتاني، «العالم بين الإمبراطوريات»