ملخص
ميثرا «مِثْرَ» إله العهد في دين الإيرانيين القدماء، واسمه في الأفستية هو نفسه لفظ «العهد» و«الميثاق». وقصّته في نشيده الطويل «مِهْر يَشْت» من الأفستا. يقول أهورا مزدا لزرادشت: لمّا خلقتُ ميثرا خلقته جديراً بالعبادة والدعاء مثلي. ثم يوصيه: لا تنقض العهد، لا الذي عقدته مع مؤمن ولا الذي عقدته مع كافر، فإنّ ميثرا للفريقين جميعاً. ومن كذب على ميثرا جلب الموت على بلده كلّه.
وميثرا لا ينام: له ألف أذن وعشرة آلاف عين. وهو أوّل الآلهة يبلغ جبل هَرَ قبل الشمس، فيأخذ قممه الذهبية، وينظر من هناك إلى بلاد الآريين. فإذا اندفع فاجر ناقض للعهد شدّ ميثرا خيله إلى عربته، ومعه سْرَوْشَه ورَشْنُو. فتطيش سهام الناقضين ورماحهم وسيوفهم فلا تصيب، ويلقي ميثرا فيهم الرعب، ويركض أمامه ڤِرِثْرَغْنَه «وِرِثْرَغْنَه»، إله النصر، في صورة خنزير برّي حادّ الأنياب يقتل بضربة واحدة. وفي آخر النشيد يقدّم أهورا مزدا نفسه القربان لميثرا في بيت الحمد، فيخرج ميثرا في عربة من ذهب تجرّها أربعة خيول بيض، عن يمينه رَشْنُو وعن يساره چِيسْتا «چِيسْتا»، أي المعرفة.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ العهد بين الناس لا يحرسه شاهد واحد يمكن خداعه، بل عين لا تنام، وأنّ كذب الواحد لا يصيبه وحده. فالنشيد يرتّب الضرر بحسب سعة المسؤولية: ذنب ربّ البيت يصيب البيت، وذنب رئيس البلد يصيب البلد. ولهذا يجتمع حول ميثرا من يحرسون الصدق: رَشْنُو الذي يزن، وسْرَوْشَه الذي يسمع، وآتَر، النار، الذي يعطي الطريق الأقوم لمن لم يكذب على ميثرا. وبهذا يصير اسمه اسماً للعهد نفسه.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يأتي في الأفستا مرفوعاً Miθrō «مِثْرُو»، والواو في آخره علامة إعراب أفستية. فإذا حذفناها بقي «مِثْر». ويقرؤه المقال الفارسي في هذا المشروع «ثَمَر» و«أَثْمَرَ»: الثمر ما يخرج من الشجر، وما يُجنى من العمل. فالعهد الصادق يُثمر بيتاً آمناً وتجارة رابحة وطريقاً آمناً بين بلدين، والعهد المنقوض لا يُثمر إلّا الخراب. وهذا ما يجعله النشيد: إله يحرس العهد لأنّ ثمرته تعمّ الجماعة كلّها، كما يعمّها ضرر نقضه.
الجذر اللغوي
الصيغ المشهودة
| الشاهد | الصيغة وقراءتها | ما تشهد به |
|---|---|---|
| الأفستية | Miθra / miθra «مِثْرَ»، ومرفوعه Miθrō «مِثْرُو» | اسم الإله ولفظ العهد أو الوعد أو الحلف |
| السنسكريتية الفيدية | Mitra / mitrá «مِتْرَ» | الاسم ولفظ الاتّفاق، ثم غلب عليه معنى الصديق |
| نقش أرتحشستا الثاني | Miθra «مِثْرَ» في النقل المنشور | الاسم في دعاء ملكي فارسي قديم |
| الفارسية القديمة المعاد بناؤها | Miça «مِچَ»، صيغة يفترضها التحليل الصوتي | الصيغة المتوقّعة بدل النقل النقشي |
| الفارسية الوسطى والحديثة | Mihr / Mehr «مِهْر» | العهد والمودّة، ثم اقتران أوثق بالشمس |
| المقترح العروبي | ثَمَر، أَثْمَرَ | ما يُجنى من الوفاء بالعهد |
وترد الكلمة الأفستية مع أفعال عقد العهد وخداعه وتحطيمه. ويعدّ النشيد عهود الصديقين والزوجين والمعلّم والمتعلّم والأخوين والأب وابنه والبلدين، فالعهد هنا كلام يربط جماعة، لا وثيقة مكتوبة وحدها. واقتُرح للكلمة الهندية الإيرانية أصل بمعنى «التبادل»، وهو احتمال اشتقاقي لا تثبته هذه الاستعمالات وحدها.
ثمر وأثمر
«الثَّمَر» في العربية حَمْل الشجر، و«أَثْمَرَ» الشجرُ خرج ثمره، و«ثَمَّرَ» الرجلُ مالَه نمّاه، ويقال للعقل والمال والولد «ثمرة». وتحفظ «ثمر» الصوامت الثلاثة في «مِثْر»: الميم والثاء والراء، لكن في ترتيب آخر، فالثاء في العربية قبل الميم. وتقديم حرف على حرف في الجذر معروف في العربية نفسها، مثل «جذب» و«جبذ»، لكنّه هنا مقترح لا تحوّل مشهود في صيغة مؤرّخة.
«مِيثاق» و«مَهْر»
وتجاور «مِيثاق» العربية معنى الكلمة، لكنّها من «و-ث-ق» وتنتهي بالقاف، فلا تحفظ صوامت «مِثْر». أمّا الصيغة الفارسية الوسطى Mihr «مِهْر» فتطابق في حروفها «المَهْر» العربي، وهو الصَّداق الذي يُسمّى في عقد الزواج. والزوجان من أهل العهد الذين يعدّهم النشيد. فهذه قراءة مقترحة على المنهج تلتقي بقراءة المقال في أنّ العهد يُعقد على شيء يُعطى ويُجنى.
السرديات الأسطورية الرئيسة
القربان والنار
ويتلقّى ميثرا في النشيد السكب و«الهَوْم» Haoma «هَوْمَ» واللحم وحزمة الأغصان baresman «بَرِسْمَن»، مع القول والعمل المستقيمين. ويتقدّم آتَر أو لهبه ميثرا في مواضع من النشيد، فيجتمع العهد والنار في كشف الصادق من الناقض، من غير أن يصيرا اسماً لشخص واحد.
الشمس والملوك
ويميّز النشيد بين ميثرا والشمس، فهو يبلغ هَرَ قبل «الشمس الخالدة» ويقترن بالفجر. وفي القرن الرابع ق.م. يدعو أرتحشستا الثاني أهورا مزدا وأناهيتا وميثرا ليحموا الملك والقاعة التي بناها، في النقش المعروف بالرمز الفهرسي A2Ha «إيه تو إتش إيه».
القراءة الرمزية
يؤدّي الوفاء في عهود النشيد إلى تعليم ينتقل، ومال واسم يورثان، وبيت يُصان، وطريق يأمنه أهل البلدين. فإذا كذب ربّ البيت أو صاحب السلطان امتدّ الضرر إلى الجماعة، ولذلك يذكر النشيد السمع والبصر والسلاح والقطيع والعربة فيما يحفظه الصدق أو يصيبه جزاء النقض.
وصار Mihr «مِهْر» في طبقات إيرانية لاحقة أشدّ اتّصالاً بالشمس، وحملت جماعات رومانية اسم Mithras «مِثْراس» إلى عبادة أسرارية لها صورها وطقوسها. وهذا يثبت انتقال الاسم وتغيّر استعماله، لا سلسلة مؤسّسية واحدة من النشيد الإيراني إلى الجماعات الرومانية.
التوازيات عبر الحضارات
يحفظ Mitra «مِتْرَ» الفيدي الاسم الهندي الإيراني، ويظهر مع فارونا ملكين يثبّتان السماء والأرض ويرعيان البقر والنبات والمطر والتقدمة. ويبرز ميثرا الأفستي حارساً للعهد يطارد ناقضه بالعربة والسلاح.
وتقرّب الشهادة والنور الكاشف ميثرا من شمش القاضي في بلاد الرافدين؛ فتتقارب وظيفة الشاهد، وتختلف العبادة واللغة والقصّة.