أهورا مزدا

ملخص

أهورا مزدا «أَهُورَ مَزْدا» هو الإله الخالق في دين الزرادشتيين، يخاطبه زرادشت في أناشيده المسمّاة الغاثات «غاثا»، وتسمّيه الكتب الفارسية الوسطى أُورْمَزْد. وأتمّ رواية لقصّته في كتاب «البندهشن» «بُنْدَهِشْن»، أي «أصل الخلق». كان أورمزد في الأعلى في نور لا نهاية له، وكان خصمه أهريمن في الأسفل في ظلمة لا نهاية لها، وبينهما فراغ. وكان أورمزد يعلم بوجود أهريمن، وأهريمن لا يعلم بوجوده، حتى صعد من الهاوية فرأى النور، فاندفع ليطفئه، فوجده أقوى منه، فرجع إلى ظلمته وصنع الشياطين. فعرض عليه أورمزد الصلح فرفضه وقال: سأهلك خلقك إلى الأبد.

فاقترح أورمزد أن يضربا للقتال أجلاً معلوماً، تسعة آلاف سنة، وهو يعلم أنّ هذا الأجل سيُهلك خصمه، فقبل أهريمن لجهله بالعاقبة. ثم تلا أورمزد صلاة «أَهُونْوَر»، فسقط أهريمن مذعوراً وبقي في حيرته ثلاثة آلاف سنة، وفيها خلق أورمزد العالم على ستّ مراتب: السماء، ثم الماء، ثم الأرض، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان. فلمّا أفاق أهريمن ثقب السماء ونزل إلى الأرض، ونشر الحيّات والعقارب، وأيبس النبات، وأمات الثور الأوّل والإنسان الأوّل كَيُومَرْث. وفي آخر الزمان يمسك أورمزد بخصمه، فيفرّ من الثقب الذي دخل منه، ويذوب المعدن فيطهّر الجحيم، ويتجدّد العالم.

والفكرة التي تدور عليها القصّة كلّها أنّ الخالق يعرف آخر المعركة وخصمه لا يعرفه، فالعالم ساحة قتال لها أجل، والإنسان فيها يختار جانبه. ولهذا يدعو زرادشت في الغاثات كلّ سامع إلى أن ينظر بعقله ثم يختار بين الروحين، ويصدّق اختياره بالفكر والقول والعمل. ومن هذه القصّة تخرج الشخصيات المتّصلة به: أوّل ما خلقه «الفكر الحسن»، وآتَر، أي النار، يسمّى ابنه ويقاتل معه، وميثرا خلقه أهورا مزدا جديراً بالعبادة مثل نفسه، وأناهيتا قدّم لها أهورا مزدا نفسه القربان.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يأتي في الأفستا مرفوعاً Ahurō Mazdå «أَهُورُو مَزْداو»، والواو والألف في آخر الكلمتين علامتا إعراب أفستيّتان. فإذا حذفناهما بقي «أَهُر» و«مَزْد». ويقرأ المقال الفارسي في هذا المشروع الاسم «عزيز ميّاز»: العزيز هو القويّ الغالب الذي لا يُغلب، والتمييز هو الفصل بين الشيئين. وهذا ما تجعله القصّة: النور الذي اندفع إليه أهريمن فوجده أقوى منه فارتدّ، والخالق الذي فصل النور عن الظلمة وجعل الإنسان يميّز الحقّ من الكذب.

الجذر اللغوي

الصيغ المشهودة

اللغة أو المرحلة الصيغة وقراءتها الدلالة
الأفستية Ahura Mazdā «أَهُورَ مَزْدا»، ومرفوعها Ahurō Mazdå «أَهُورُو مَزْداو» «السيد الحكيم» أو «السيد الحكمة»
الفارسية القديمة Auramazdā «أَوْرَمَزْدا» في نقوش دارا الاسم الملكي مركّباً في كلمة واحدة
الفارسية الوسطى Ohrmazd «أُورْمَزْد» وHormizd «هُرْمِزْد» الصيغة اللاحقة، ومنها «هرمز» عند العرب
الفارسية الحديثة Ormazd «أُورْمَزْد» الصيغة الحديثة
المقترح العروبي عزيز + ميّز القويّ الذي يفصل الحقّ من الباطل

ويختلف الباحثون في الكلمة الثانية: أهي اسم بمعنى «الحكمة» أم صفة بمعنى «الحكيم»، وأصلها عندهم mazdāh- «مَزْداه».

عزيز وميّز

«العزيز» في العربية القويّ المنيع الذي لا يُغلب، و«عَزَّ» غلب وقهر. و«مَازَ الشيءَ ومَيَّزه» فصل بعضه عن بعض، ومنه في القرآن «حتى يَميزَ الخبيثَ من الطيّب». فالقراءة تجمع في الاسم صفتين يحتاجهما خالق في معركة: قوّة لا تُغلب، وفصلاً بين النور والظلمة والصدق والكذب.

والمطابقة الصوتية تحتاج شرحاً بسيطاً. الهاء في ahura «أَهُورَ» كانت سيناً في الأصل، والدليل أنّ الهند حفظت الكلمة نفسها asura «أَسُورَ»، وكانت فيها لقب توقير لفارونا وميترا قبل أن يضيق معناها. فالجزء الأوّل في صورته الأقدم: همزة ثم سين ثم راء. و«عزيز» تحفظ الزاي أخت السين وتحفظ معنى القوّة، لكنّها لا تحفظ الراء. وفي الجزء الثاني تحفظ «ميّز» الميم والزاي، وتبقى الدال بلا مقابل.

قراءات أخرى في المقال

يقترح المقال أيضاً في الجزء الأوّل «أحد» و«آشور» الأكادي «أَشُّور». أمّا «أحد» فلا تحفظ صوامت الكلمة، وأمّا آشور فاسم إله آخر لا يكفي تشابه رسمه العربي لجمعه بها. ويقترح في الجزء الثاني «مُسَدَّد»، أي الموجَّه إلى الصواب، و«مَزِيد»، ويسمّي الأخيرة «البديل الأقوى». و«مَزِيد» تحفظ الصوامت الثلاثة: ميم المصدر، ثم الزاي والدال من «زاد»، وتجعل الحكمة علماً يزيد. وتقارب العبرية מְזִמָּה / mĕzimmāh «مِزِمّاه»، أي الخطّة والتدبير، هذا المعنى.

وعلى المنهج نفسه نقترح للجزء الأوّل قراءة تحفظ صوامت asura «أَسُورَ» كلّها: «الأَسْر»، وهو في العربية شدّة الخَلْق وإحكامه، ومنه «نحن خلقناهم وشددنا أَسْرَهم». فيكون أهورا مزدا على هذه القراءة صاحب القوّة المحكمة والعلم المتزايد. هذه قراءة مقترحة على المنهج، وهي تلتقي بمعنى «عزيز» في المقال.

السرديات الأسطورية الرئيسة

في الغاثات

لا تروي الغاثات مولداً لأهورا مزدا ولا قصّة خلق مفصّلة. ففي يَسنا 29 تشكو روح البقرة العنف والسلب وتطلب راعياً يحميها، فيُسمّى زرادشت حاملاً للتعليم، مع ظهور ضعفه أمام القوّة المعتدية. ويسمّي يَسنا 45.4 مزدا أباً لـ«الفكر الحسن»، ويذكر أرمايتي «أَرْمَيْتي»، أي الإخلاص المستقيم، ابنته. وهذه قرابات في كلام العبادة، لا قصّة زواج وولادة. ويُدخل يَسنا 36 النار في العبادة أمام أهورا.

وفي الغاثات يقوم التقابل بين ما يختاره الروح النافع وما يختاره أنجرا ماينيو الضارّ، ولا يجعلان أهريمن خصماً مساوياً لأورمزد نفسه. هذه الخصومة المباشرة بين الإلهين تأتي في الكتب الفارسية الوسطى مثل البندهشن.

في النقوش الملكية

وفي نقش دارا المعروف بالرمز الفهرسي DNa «دي إن إيه» يخلق أورامزدا الأرض والسماء والإنسان وسعادة البشر، ثم يجعل دارا ملكاً على جماعات كثيرة. فالنقش يصل الخلق بالسلطان الذي يعلنه الملك.

القراءة الرمزية

تطلب الغاثات من الإنسان أن يختار الفكر الحسن، وينطق القول الصادق، ويؤدّي العمل الموافق له. وتعرض شكوى روح البقرة حاجة القطيع إلى الحماية من السلب، كما يدخل الحقل والنار والمرعى في حياة الجماعة التي تخاطبها الأناشيد. وتدلّ aša «أَشَه» على الصدق والنظام القويم. أمّا تقسيم الناس إلى مزارع صالح وبدويّ شرير، وتشبيه aša «أَشَه» بانخفاض «الإنتروبيا»، فمن القراءة الحديثة؛ والنصّ نفسه يحمي الرعي ولا يعطي الكلمة معنى فيزيائياً.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. البندهشن، ترجمة وِسْت: الخلق والأجل والهجوم والتجديد في الفصول 1 و3 و30.

  2. يَسنا 29–31: شكوى روح البقرة والدعوة إلى السماع والاختيار.

  3. يَسنا 36 و45: النار والقرابات الواردة في خطاب الغاثات.

  4. مِهْر يَشْت 10 وآبان يَشْت 5: ميثرا وأناهيتا في صلتهما بأهورا مزدا.

  5. نقش دارا، الأسطر 1–7: الخلق والملك في الصياغة الأخمينية.

  6. الموسوعة الإيرانية، «أهورا مزدا» و«أهورا»: الصيغ وتاريخ اللقب.

  7. يَسنا 30.2–5
  8. المعجم العربي، عزز
  9. المعجم العربي، ميز
  10. لين، ع-ز-ز
  11. لين، م-ي-ز
  12. لين، س-د
  13. لين، ز-ي-د
  14. براون ودرايفر وبريغز، «مِزِمّاه»
  15. المعجم العربي، أسر
  16. الإنسان 28
  17. الموسوعة الإيرانية، «أهريمن»