زرادشت

ملخص

زَرادُشْت نبيّ الإيرانيين القدماء، وصوته محفوظ في سبعة عشر نشيداً تسمّى الغاثات «غاثا»، داخل كتاب «اليَسْنا» من الأفستا. وأوّل ظهوره في قصّة روح البقرة. تشكو البقرة إلى الآلهة العنف والنهب وتسأل: لمن خلقتموني؟ فيُقال لها إنّ زرادشت وحده سمع التعليم، وإنّه سيحمل الكلمة. فتبكي البقرة وتقول: أَرضى بحامٍ ضعيف، بكلام رجل لا قوّة له، وأنا كنت أريد حامياً قويّاً! فيدعو زرادشت لها بالقوّة والمسكن الآمن والسلام.

وتحكي الأفستا الأحدث أنّ أنجرا ماينيو أرسل إليه شيطانة لتقتله، فتلا زرادشت صلاة «أهونا ڤَيْريا» «أَهُونا وَيْرْيا» ففرّت. ثم قام زرادشت يحمل في يده حجارة كبيرة كالبيوت أعطاه إيّاها أهورا مزدا. فعرض عليه أنجرا ماينيو أن يترك دينه ويأخذ ملكاً مثل ملك أژي دهاكا، فقال زرادشت: لا، لن أترك الدين ولو انتُزعت منّي الروح. فسأله الشيطان: بأيّ سلاح تضرب خلقي؟ فقال: بالهاون والكأس والهَوْم والكلمة التي علّمها مزدا. ڤنديداد 19.1–9. وتذكر الكتب الفارسية الوسطى أنّ أباه بوروشاسْپ «بُورُوشاسْپ» وأمّه دُغْدُو، وأنّ له ثلاثة أبناء وثلاث بنات، وأنّ بذرته سُلّمت إلى أناهيتا لتحفظها، ومنها يولد في آخر الزمان ثلاثة منقذين آخرهم «سَوْشْيانْت».

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ النبيّ لا يملك إلّا الكلمة، والكلمة تبدو ضعيفة أمام القوّة. فروح البقرة تشكو أنّ حاميها رجل بلا سلاح، والشيطان يعرض عليه الملك، وهو يردّ بالكلام والصلاة ويختار. ولهذا يقوم تعليمه كلّه على الاختيار: يطلب من كلّ سامع أن ينظر بعقله ثم يختار بين الروحين، ويصدّق اختياره بالفكر والقول والعمل. ومن هذه القصّة يخرج من يتّصل به: أهورا مزدا الذي يسأله ويحاوره، وأنجرا ماينيو الذي يغويه، والملك كاوي ويشتاسپا «كَوِي وِيشْتاسْپا» الذي نصره، وأبناؤه الآتون من بذرته.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يأتي في الأفستا مرفوعاً Zaraθuštrō «زَرَثُشْتْرُو»، والواو في آخره علامة إعراب أفستية. فإذا حذفناها بقي «زَرَثُشْتْر». ويقرؤه المقال الفارسي في هذا المشروع «زَرَعَ + أَثَر»: زرع البذر أي ألقاه في الأرض لينبت، والزَّرْع أيضاً الولد، و«الأَثَر» العلامة الباقية والخبر الذي يُروى عن الرجل بعده. فزرادشت على هذه القراءة هو الذي زرع الكلمة وترك أثرها. وهذا ما تجعله القصّة: رجل لا سلاح له إلّا كلام يُلقيه في الناس فينبت، وبذرة محفوظة تُثمر في آخر الزمان.

الجذر اللغوي

الصيغ المشهودة

الشاهد الصيغة وقراءتها ما تثبته
الأفستية القديمة Zaraθuštra- «زَرَثُشْتْرَ»، ومرفوعه Zaraθuštrō «زَرَثُشْتْرُو» الصيغة المستعملة في الغاثات
التحليل الإيراني zarat- «زَرَت» + uštra «أُشْتْرَ» مركّب ثبت فيه «الجمل» واختُلف في جزئه الأوّل
الفارسية الوسطى والحديثة Zardušt «زَرْدُشْت»، Zartušt «زَرْتُشْت»، Zarādušt «زَرادُشْت» طريق الاسم إلى «زرادشت» العربية
اليونانية Zōroástrēs «زُورُواسْتْرِس» صيغة يونانية وراء اللاتينية والإنجليزية Zoroaster «زُورُواسْتَر»
المقترح العروبي زَرَعَ + أَثَر بذر يقترن بعلامة أو خبر باقٍ

وقيل في zarat- «زَرَت» «المسنّ» و«الأصفر»، وقيلت معانٍ تتّصل بتدبير الجمال، ولم تستقرّ واحدة منها. وأتاحت الصيغة اليونانية وصل الاسم بـ astron «أَسْتْرُون»، أي النجم، وهو تداعٍ جاء بعد المركّب الإيراني ولا يفسّره.

زرع وأثر

«زَرَعَ» الحبَّ بذره، و«الزَّرْع» ما ينبت، ويقال للولد «زَرْع» الرجل. و«الأَثَر» بقيّة الشيء، و«أَثَرَ» الحديثَ رواه عن غيره، ومنه «المأثور». وتحفظ «زرع» الزاي والراء في أوّل الاسم، وتسقط العين كما تسقط في انتقال كثير من الألفاظ إلى لغات لا عين فيها. وتحفظ «أثر» الثاء والراء، والثاء الأفستية θ «ث» هي الثاء العربية نفسها. ويبقى من المركّب الأفستي الشين والتاء في وسط uštra «أُشْتْرَ» بلا مقابل في القراءة.

قراءة أخرى في المقال

ويذكر المقال أيضاً «زَرَّ + ثَرَّ». ويعطي لين «زرّ» معاني الشدّ والجمع والطرد والعضّ والثقب، و«ثَرَّ» الماءُ والمطرُ كثر وغزر، فتكون القراءة: من جمع وأغزر. وهي تحفظ الزاي والراء والثاء، ولا تفسّر الشين والتاء أيضاً.

السياق التاريخي

تتميّز الغاثات بلغتها الأفستية القديمة من أكثر الأفستا الأحدث. وقد نُقلت الأناشيد شفهياً قروناً قبل المخطوطات الباقية، فلا تعطي سنة ميلاد أو وفاة ولا سيرة كاملة. وتدور تأريخات مقترحة كثيرة حول أواخر الألف الثاني أو أوائل الألف الأوّل قبل الميلاد، ويبقى موضعه وزمنه مختلفاً فيهما.

ويسمّي المتكلّم في الغاثات نفسه zaotar «زَوْتَر»، أي كاهناً يؤدّي الشعائر. أمّا صورة الملك الذي اعتنق دعوته، وأخبار الميلاد العجيب والوحي المفصّل، فتتّسع في المصادر اللاحقة.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الاختيار في الغاثات

في يَسنا 30 يفرّق زرادشت بين الوجهتين في الفكر والقول والعمل، ويذكر أنّ الدَّيْڤات اختارت أسوأ الفكر ثم اندفعت إلى العنف. وفي يَسنا 45.2 ترد عبارة أنجرا ماينيو للروح المؤذي، الذي توسّعت أخباره لاحقاً باسم أهريمن.

الأنصار والأسرة

ويتّصل كاوي ويشتاسپا بزرادشت نصيراً، وينتمي فْراشَوْشْتْرا وجاماسْپا «جاماسْپا» إلى أسرة هُوگْوا «هُوگْوا». وفي يَسنا 53 يخاطب زرادشت بوروچيسْتا «بُورُوچِيسْتا»، صغرى بناته، في نشيد زواج. ولا يظهر ميثرا وأناهيتا معبودين مسمّيين في أناشيده، وإن برزا في الأفستا الأحدث والعهد الأخميني.

القراءة الرمزية

تتّصل الغاثات بمعاش الرعاة والمزارعين: تحمل الأسماء الجمل والحصان، وتطلب روح البقرة المرعى والحماية من النهب، ويُذمّ «الكَرْپان» «كَرْپان» للعنف والشعيرة الفاسدة. أمّا تفسير النزاع كلّه بصراع مزارعين صالحين مع رعاة أشرار فمن القراءة الحديثة؛ فالنصّ يجمع حماية الحيوان ورعاية الزرع في جانب واحد.

وفي «الڤنديداد» 3 يزرع العامل الحبوب والعشب والثمر، ويسقي الأرض الجافّة ويصرف الماء عن المبتلّة، ويصل النصّ تكرار البذر بالبرّ، ويعلّل الحاجة إلى الطعام بأنّ به يعيش الجسد ويقوى على العمل والعبادة والإنجاب. وفي قصّة ييما، جمشيد اللاحق يحفظ الحاكم البشر والحيوان والنبات في حِمى.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. الغاثات في يَسنا 28–53، ولا سيّما يَسنا 29 و30 و45.2.

  2. «الڤنديداد» 3 و19.

  3. البندهشن 32: أسرة زرادشت وبذرته.

  4. الموسوعة الإيرانية، «اسم زرادشت»، «عرض عام»، «زرادشت في الأفستا».

  5. الموسوعة الإيرانية، «الغاثات»، «الأفستا»، «المراجعة التاريخية».

  6. الموسوعة الإيرانية، «كاوي ويشتاسپا» و«الكربان».

  7. المعجم العربي، زرع
  8. المعجم العربي، أثر
  9. لين، زرع
  10. لين، أثر
  11. لين، زرر
  12. المعجم العربي، ثرر