هَوْم

ملخص

الهَوْم نبات يُعصر في شعائر الإيرانيين القدماء، وشراب يُصنع من عصارته، ومعبود يسكن هذا النبات، وله في الأفستا «أَڤِسْتا» نشيد في فصول «اليَسْنا» 9 إلى 11. يروي النشيد أنّ زرادشت كان يخدم النار وقت الصباح ويرتّل الغاثات، فجاءه رجل لم يرَ في الخلق أجمل منه، فسأله: من أنت؟ فقال: أنا الهوم الصادق الذي يطرد الموت، اجمعني واعصرني للشرب، وسبّحني كما سيسبّحني المنقذون الآتون.

فسأله زرادشت: من أوّل من عصرك من الناس، وماذا نال؟ فقال: عصرني ڤيڤَنْهْوَنْت أوّلاً، فوُلد له ييما، جمشيد اللاحق، الذي لم يكن في ملكه برد ولا حرّ ولا هرم ولا موت، وكان الأب والابن يمشيان كأنّهما في الخامسة عشرة. وعصرني آثْڤيا ثانياً، فوُلد له ثرايتاونا، فريدون اللاحق، الذي ضرب التنّين أژي دهاكا ذا الأفواه الثلاثة والرؤوس الثلاثة والعيون الستّ. وعصرني ثْريتا ثالثاً، فوُلد له كِرِساسْپا، الذي قتل التنّين الأخضر الذي يبتلع الخيل والرجال. وعصرني پوروشاسْپ رابعاً، فوُلدتَ أنت يا زرادشت، فتلوت الصلاة وأدخلت الشياطين في الأرض. ثم يذكر النشيد ما يعطيه الهوم: السرعة لأصحاب الخيل، والولد الصالح للحوامل، والعلم والحكمة لمن يطيلون الجلوس على الكتب، والأزواج للعذارى.

ويصف الفصل العاشر العصر نفسه: يمسك العابد أغصان الهوم في الضغطة الأولى، ويسحقها بقوّة رجل في الثانية، ويسبّح السحاب والمطر الذي ينبته على رؤوس الجبال، والأرض التي هي أمّه. فقد غرسه أهورا مزدا على جبل هَرَئِتي العالي، وحملته الطيور إلى القمم والوديان، فهو ينبت أبيض حيناً وذهبياً حيناً. ويقول النشيد إنّ كلّ شراب مُسكر يصحبه الغضب ذو الرمح الدامي، أمّا نشوة الهوم فيصحبها الحقّ. وفي الفصل الحادي عشر يطلب الهوم نصيبه من الذبيحة، اللسان والعين اليسرى، ويتوعّد من يمنعه أن يقيّده كما قيّد التوراني فرانگرسيان، أي أفراسياب، في الحديد في جوف الأرض.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الحياة تخرج من النبات بالسحق. يُكسر الغصن في الهاون، فتخرج منه عصارة تطرد الموت وتقوّي الجسد وتنير العقل. والذين عصروه أوّلاً نالوا أبناءً قاتلوا التنانين وأنقذوا الناس، فالشراب يمرّ من الآباء إلى الأبناء ومن العابد إلى العالم. ولهذا يبقى في آخر الزمان: في البحر الواسع ينبت الهوم الأبيض الذي يجعل آكله خالداً، ويحرسه عشر سمكات من سحلية أرسلها أهريمن لتفسده، ومنه ومن شحم الثور هَذَيوش يصنع المنقذ شراب الخلود للناس عند تجديد العالم.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يأتي في الأفستا مرفوعاً haomō «هَوْمُو»، والواو في آخره علامة إعراب، فإذا حذفناها بقي «هَوْم». وتقرؤه المقالة الفارسية في هذا المشروع «حِمى» و«حَمَأ»: الحِمى في معجم لين الموضع المحمي الممنوع من الناس، وحَماه منعه وحرسه من أن يُعتدى عليه، والحَمَأ الطين الأسود. والمقالة تفسّره «المحميّ المقدّس». وهذا ما يجعله النصّ: نبات له نصيب لا يُمنع، يتوعّد من يمنعه، وينبت الأبيض منه في طين البحر العميق تحرسه السمكات العشر.

الجذر اللغوي

الصيغ المشهودة

الصيغة الموضع
هَوْمَ، ومرفوعه هَوْمُو الأفستية
هُوم الفارسية الوسطى والحديثة
سُومَ السنسكريتية الڤيدية
سَوْمَ الصيغة الهندية الإيرانية المعاد بناؤها

ومعنى الكلمة عند علماء الإيرانيات «ما يُعصر»، من فعل hu- «هُو» في الأفستية وsu- «سُو» في السنسكريتية، أي عصر ودقّ. ثم سُمّي النبات باسم عصارته. والسين الهندية تصير هاءً في الإيرانية، ولهذا صار sauma «سَوْمَ» في إيران haoma «هَوْمَ».

حِمى وحَمَأ

في معجم لين: «حمى الشيء: منعه، أو حماه ودفع عنه أن يُعتدى عليه»، و«حمى الكلأ: منع الناس من رعيه». وفي «حَمَأ»: «الحَمْأة الطين الأسود المنتن»، و«حَمِئت البئر» كثر فيها هذا الطين. وتقابل الحاء العربية الهاء الإيرانية، والحروف الحلقية مجموعة واحدة في قوانين مشروع جذور، والميم ميم. وتفسّر قراءة «حِمى» الصيانة التي تحيط بالهوم في النصوص، وتصف «حَمَأ» الموضع الذي ينبت فيه الهوم الأبيض.

حَوْم

وعلى المنهج نقترح قراءة تحفظ الحروف الثلاثة في «هَوْم»: الهاء والواو والميم، وهي «حَوْم». في معجم لين: «حام الطائر حول الماء» إذا دار حوله من العطش، و«الحُوم» من الخمر التي تدور في الرأس، و«حَوْمة البحر» معظم مائه وأعمق موضع فيه. فيجتمع في المادّة الشراب الذي يدور في الرأس، والعطشان الذي يحوم حول الماء، وقاع البحر الذي ينبت فيه الهوم الأبيض والسمكات العشر تدور حوله. وهذه قراءة مقترحة على المنهج.

مستويان للاسم

وتقرأ صفحة سوما الصيغة الأقدم sauma «سَوْمَ» بـ«سما»، أي ارتفع وعلا. والقراءات الثلاث في هذه الصفحة، «حِمى» و«حَمَأ» و«حَوْم»، تقرأ الصيغة الإيرانية التي صارت فيها السين هاءً، فهي قراءات للاسم كما نُطق في إيران، و«سما» قراءة للاسم المشترك قبل أن يفترق الفرعان.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الهوم الذي قيّد أفراسياب

يطلب الهوم في «يَشْت» 9 و17 أن يقيّد فرانگرسيان التوراني ويسوقه إلى الملك هَئوسْرَوَه، كَيْخُسْرَو اللاحق، ليقتله ثأراً لسياوش. وصار هذا الخبر في «الشاهنامه» قصّة ناسك جبلي قويّ اسمه هوم، يقيّد أفراسياب بحزامه المقدّس ويخرجه من كهفه.

الكاهن الأوّل

ويقول «مِهْر يَشْت» إنّ الهوم قرّب لميثرا على أعلى قمم هَرَئِتي، وإنّ أهورا مزدا جعله الكاهن السريع القربان له وللخالدين، وإنّه أوّل من رفع الهوم في هاون مرصّع بالنجوم. ويقول «البندهشن» إنّ الهوم أعان تشتريا على المطر الأوّل.

الشعيرة والنبات

وما يزال الهوم يُعصر في شعيرة اليسنا: يضع الكاهن الأغصان في الهاون مع الماء المقدّس وأغصان الرمّان ويدقّها، وكان أهل قرية شريف‌آباد قرب يزد يشربون منه في النوروز إلى ستّينيات القرن العشرين ليقووا عامهم. ويستعمل زرادشتيّو يزد نوعاً من نبات الإفيدرا، واختلف الباحثون في النبات الأوّل.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الفارسية الهوم «المحميّ المقدّس»، وتضعه بين المصطلحات الزرادشتية التي تقرؤها في اللسان العربي. وفي النصّ تحيط الصيانة بالهوم من كلّ جهة: ينبت على قمم لا تبلغها إلّا الطيور، ويحرسه السمك في البحر، ويُحفظ نصيبه من الذبيحة.

ويجمع النشيد في نبات واحد ما يحتاجه أهل القطعان والحقول: القوّة للعمل والحرب، والشفاء، والولد، والمعرفة لمن يتعلّم. ويفرّق بين نشوة تصحبها القسوة ونشوة يصحبها الحقّ، فالشراب نفسه يُحكم عليه بما يفعله شاربه.

التوازيات عبر الحضارات

السوما في الهند هو الهوم نفسه باسمه الهندي: نبات يُعصر بالحجارة، ويشربه إندرا فيقوى على قتل فريترا. ويتّفق الفرعان في الاسم والعصر والقوّة التي يعطيها الشراب، ويفترقان في الشعيرة ونصوصها.

وفي الشمال الأوروبي شراب آخر يعطي المعرفة، هو شراب الشعر الذي صُنع من دم كفاسير، الحكيم الذي لا يُسأل عن شيء إلّا أجاب. فالهوم يعطي من يطيل الجلوس على الكتب علماً وحكمة، وشراب كفاسير يجعل شاربه شاعراً أو عالماً.

ويغوص جلجامش إلى قاع الأبسو ليأخذ نبتة تعيد الشيخ شابّاً، ثم تسرقها حيّة وهو يغتسل. وفي «البندهشن» ينبت الهوم الأبيض الذي يجعل آكله خالداً في قاع البحر، وتحاول سحلية أرسلها أهريمن أن تفسده. فنبتة الخلود في القصّتين في ماء عميق، ويطلبها زاحف، غير أنّ الحيّة تنال نبتة جلجامش، والسمكات تحفظ الهوم إلى آخر الزمان.

وجبل هَرَئِتي الذي غُرس عليه الهوم هو جبل البرز الكوني، من شواهد الجبل المقدّس.

والهوم الأبيض الذي ينبت في الطين العميق وتحرسه السمكات العشر يقابل شجرة الحياة التي يُحرس طريقها في عدن، ويغدراسيل التي يقرض نيدهوغ جذرها، في شجرة العالم.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. يَسنا 9–11، نشيد الهوم.

  2. مِهْر يَشْت 10.

  3. البندهشن، ترجمة وِسْت: الفصول 7 و18 و27 و30.

  4. الموسوعة الإيرانية، «الهوم: النبات» و«الهوم: المعبود والشعيرة».

  5. ملحمة جلجامش، اللوح 11، ترجمة كوفاكس.

  6. معجم لين، حمي وحمأ وحوم.

  7. يَسنا 10.2–12 و11.4–7