الدايفا

ملخص

الدّايْفا في دين الزرادشتيين أتباع أنجرا ماينيو، الروح المؤذي، والكلمة في الأفستا daēuua «دَئِوَ» وفي الفارسية القديمة daiva «دَيْوَ»، وصارت في الفارسية الحديثة دِيو. والكلمة نفسها في الهند deva «دِيڤَ»، وهي هناك اسم الآلهة: يقول معجم مونير وليامز إنّ deva «دِيڤَ» من الفعل div «دِڤ»، وإنّ معناها السماويّ الإلهيّ، وإنّ الآلهة في الجمع هم «السماويّون المضيئون». فاللفظ الذي يدعو به المنشدون في الهند معبوداتهم هو اللفظ الذي يطرد به الإيرانيون شياطينهم.

وأقدم خبرهم في أناشيد زرادشت. يقول في يسنا 30: كان في البدء روحان توأمان، أحدهما أحسن والآخر أسوأ، في الفكر والقول والعمل، فاختار الأسوأ أسوأ الأعمال، واختار الروح النافع الحقّ. أمّا الدايفا فلم يختاروا بين الروحين اختياراً صحيحاً، لأنّ الضلال أتاهم وهم يتشاورون، فجاءهم أسوأ الفكر ليختاروه، فاختاروه، ثم اندفعوا معاً إلى شيطان الغضب ليُفسدوا حياة الناس. ويخاطبهم في يسنا 32: وأنتم أيّها الدايفا، كلّكم بذرة الفكر السيّئ، ومن يقرّب لكم أكثر القرابين فهو من الكذب، تخدعون الناس عن حياتهم الطيّبة وعن الخلود. ويقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ الدايفا في الغاثات لم يصيروا شياطين بعد، بل كانوا آلهة حقيقية مرفوضة، يعبدها رؤساء القوم الأكبر، وكان قوم زرادشت أنفسهم يعبدونها من قبل.

ثم صاروا في الأفستا الأحدث جنّاً صغاراً أشراراً يفسدون نظام العالم وصحّة الناس وصلواتهم. يروي «الڤنديداد» أنّ أنجرا ماينيو، «دايفا الدايفا»، اندفع من جهة الشمال وأرسل الشيطانة بُويتي، الموت الخفيّ، لتقتل زرادشت، فتلا زرادشت صلاته ففرّت. ثم يعدّد النصّ الدايفا بأسمائهم: إندرا، وساورو، وناونهَيْثيا، وتَورْوي، وزايري، وأَيْشْما صاحب الرمح الجارح، وزَوْرْوا أي الشيخوخة، وبويتي، ودْرِيوي أي الفقر، ودايوي أي الكذب، وكَسْوي أي اللؤم. فيقول أنجرا ماينيو: ليجتمع الدايفا عند رأس أرزورا، باب الجحيم. فيعدون صائحين ويقولون: لنجتمع عند رأس أرزورا، فقد وُلد زرادشت في بيت بوروشاسپ، فكيف نقتله؟ إنّه الضربة التي تصرع الشياطين. ثم يفرّون إلى أعماق عالم الجحيم المظلم. وفي «الڤنديداد» أيضاً كلمات يطردهم بها المتطهّر من البيت والقرية والمدينة والبلد: أطرد إندرا، أطرد ساورو، أطرد الدايفا ناونهيثيا.

ويقول خشايارشا في نقش وُجد في پرسپوليس وپاسارگاد: كان بين هذه البلاد موضع تُعبد فيه الدايفا من قبل، فهدمت بفضل أهورا مزدا معبد الدايفا وأعلنت: لا تُعبد الدايفا، وعبدت أهورا مزدا في الموضع الذي كانت تُعبد فيه. وفي «البندهشن» يخلق أهريمن في أوّل الزمان ستّة من الدايفا، أكومن أي الفكر السيّئ، ثم أندر، وهو إندرا، ثم ساور، ثم ناكاهيد، ثم تايريو وزايريچ، كلّ واحد منهم خصم لواحد من أمشا سبنتا، ويمسك كلّ واحد من هؤلاء خصمه في آخر الزمان.

والفكرة التي تدور عليها أخبار الدايفا أنّهم آلهة اختارت خطأً. لا يُخلقون شياطين في الغاثات، بل يتشاورون فيأتيهم الفكر السيّئ فيختارونه، كما يُطلب من كلّ إنسان أن يختار بين الروحين. ولذلك يجمع النصّ في جانبهم الإله والعابد معاً: الدايفا، وعبدة الدايفا الذين يقرّبون لهم. ويقول دارمستيتر إنّ الكلمة وحدها نزلت إلى الجحيم، لا الكائنات التي كانت تدلّ عليها: فقد بقي ميترا، وبقي الهوم وهو السوما الهندية، وبقي لقب إندرا «قاتل ڤريترا» في إيران اسماً لإله النصر ڤرثرغنا، وصار اسم إندرا وحده اسم شيطان.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تقرأ المقالة الفارسية الدايفا من «ضياء»، وتجعل القراءة قطعية، وتقول: انقلب المعنى، فهي في الهند إله وفي إيران شيطان. وتقرأ المقالة الهندية deva «دِيڤَ» من «ضياء» و«ضوّ» و«ذوّ»، وتجعل deva «دِيڤَ» الهندية وdeus «دِيُوس» اللاتينية والضياء العربي شبكة واحدة للنور. والمعنى في محلّه: الفعل div «دِڤ» عند مونير وليامز تألّق وأضاء، ومنه اسم السماء والنهار، والآلهة «السماويّون المضيئون»، و«ضاء» في معجم لين أضاء وأشرق. أمّا الحروف فالدال الهندية والإيرانية تقابلها الذال العربية، وبها تقرأ صفحات زيوس وجوبيتر ودياوس هذا الجذع نفسه «ذو»، ولا تقابل الدالَ الضادُ. فالكلمة على هذه القراءة «ذوو الضياء»: الحروف من «ذو»، والمعنى من «الضياء»، وهو ما يجعله النصّ: اسم النور صار في إيران اسم من يفرّون إلى أعماق الظلمة.

الجذر اللغوي

صيغ الكلمة

اللسان الصيغة النطق المعنى
السنسكريتية deva، devī دِيڤَ، دِيڤي الإله، الإلهة؛ السماويّ
السنسكريتية div، dyu دِڤ، دْيُو تألّق؛ السماء والنهار
الأفستية daēuua دَئِوَ الدايفا، في الغاثات آلهة مرفوضة
الأفستية daēuuaiiasna دَئِوَيَسْنَ عابد الدايفا
الفارسية القديمة daiva، daivadāna دَيْوَ، دَيْوَدانَ الدايفا؛ معبد الدايفا عند خشايارشا
الفارسية الوسطى والحديثة dēw، dīv دِيو الشيطان، الغول
اللاتينية deus، dīvus دِيُوس، دِيڤُوس الإله؛ الإلهيّ

يردّ مقال الموسوعة الإيرانية الكلمة الإيرانية إلى أصل هندي أوروبي واحد مع الهندية deva «دِيڤَ»، ويقول إنّ الأفستا تحفظ عبارات مشتركة مع الأناشيد الهندية، مثل «الدايفا والبشر» و«كلّ الدايفا». ويقول مونير وليامز إنّ deva «دِيڤَ» في الأثرڤا ڤيدا قد تطلق نادراً على شياطين أشرار.

الحروف والمعنى

تقرأ المقالة الفارسية الكلمة «ضياء»، والمقالة الهندية «ضياء» و«ضوّ» و«ذوّ». وفي معجم لين: ضاء وأضاء أعطى الضوء وأشرق، والضَّوْء والضِّياء النور. والمعنى الذي يحمله الجذر الهندي هو هذا: div «دِڤ» تألّق، وdyu «دْيُو» السماء والنهار، والآلهة السماويّون المضيئون. أمّا الحرف فالضاد العربية تقابلها في العبرية الصاد وفي الأكادية الصاد، كما يجعل ملفّ القوانين الصوتية في هذا المشروع «أرض» مقابلة إِرِص العبرية وإِرْصِتُ الأكادية، ولا يقابلها الدال. والدال في div «دِڤ» هي الدال في Διός «دِيُوس» اليونانية وDiovis «دِيُوِس» اللاتينية القديمة، وقد قرأتها صفحة جوبيتر «ذو» حين حسمت أنّ Diespiter «دِيِسْپِيتِر» القديم «ذو» و«أب»، وتبعتها صفحة دياوس. فتجتمع القراءتان على مستويين: الحروف «ذو»، أي صاحب الشيء ومالكه، والمعنى «الضياء» الذي يحمله الجذر، فالدايفا والآلهة الهندية على هذه القراءة «ذوو الضياء».

الأهورا والدايفا

وتجعل المقالة الفارسية Ahura «أَهُورا» وAsura «أَسُورا» وآشور كلمة واحدة، وتقول المقالة البنيوية الهندية إنّ الأسورا صاروا شياطين في الهند والديفا آلهة، وإنّ الأهورا صار في إيران الإله الأسمى والدايفا شياطين، فما هو إله في جهة شيطان في الأخرى. ويذكر مقال الموسوعة الإيرانية أنّ هذا التقابل هو أحد ثلاثة تفسيرات لقصّة الدايفا، ويقول إنّ بارو بيّن أنّ الأسورا لم يصيروا شياطين في الهند إلّا متأخّرين، فلا يصحّ جعل التقابل قسمة قديمة بين الشعبين. وتفصيل لفظ الأهورا في صفحة أهورا. الموسوعة الإيرانية، «دايفا».

السرديات الأسطورية الرئيسة

من هم الدايفا؟

لا تسمّي الغاثات أحداً من الدايفا، فلا يُعرف على التحديد من هم. وفي «الڤنديداد» يتقدّم القائمةَ ثلاثة أسماء هي أسماء آلهة في الهند: إندرا، وساورو الذي قوبل بشَرْوَ، من أسماء رودرا وشيفا، وناونهَيْثيا الذي قوبل بناساتْيا، لقب الأشونين. ويذكر مقال الموسوعة الإيرانية ثلاثة تفسيرات لهذه الأسماء: أن تكون آلهة بقي بعض الإيرانيين يعبدونها، أو ذكرى قديمة، أو أسماء هندية لبست صوت الإيرانية. ويقول دارمستيتر إنّ مقابلة ساورو بشَرْوَ لا تصحّ، لأنّ ساورو هو السهم الفيديّ، أي الموت. ويجعل «البندهشن» الثلاثة خصوماً لثلاثة من أمشا سبنتا: أندر لأفضل الحقّ، وساور للملك المرغوب، وناكاهيد للإخلاص.

معبد الدايفا عند خشايارشا

ويختلف العلماء في الدايفا الذين هدم خشايارشا معبدهم. يرى بعضهم أنّه هدم معبداً إيرانياً لآلهة رفضها زرادشت، ويرى داندامايف أنّهم ميثرا وأناهيتا وسائر من رفضهم زرادشت، ويرى آخرون أنّهم آلهة بلد ثائر، بابل أو غيرها، ويرى سانسيسي ويردنبرغ أنّ النقش إعلان عامّ: من ثار هُدمت معابد آلهته. ويذكر الخبر نفسه في «يشت» أناهيتا عبدةَ الدايفا الذين يصبّون لها القربان ليلاً، فيكون اسم الدايفا في هذا العهد لكلّ عبادة على غير الوجه المقبول.

الدِّيو في الملحمة

وصار الدايفا في الفارسية الحديثة الدِّيو، غيلان الملحمة. فحين وُلد زال أبيض الشعر قال أبوه سام: ماذا أقول للكبراء؟ أأقول إنّه ابن دِيو؟ ويذكر مقال الموسوعة الإيرانية الدِّيو الأبيض في مازندران، الذي تروي الشاهنامه قصّته، ويقول إنّ القول بأنّه معبود محلّي قديم ظنّ لا دليل عليه. وفي آخر الزمان يفرّ الدايفا عاجزين على جسر السماء الذي دخل منه أهريمن، كما يروي «البندهشن» الإيراني في فرشو كرتي. ترجمة وارنر للشاهنامه 1، ص 241، الموسوعة الإيرانية، «دايفا»، «فرشو كرتي».

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الفارسية أهورا مزدا رمزاً للمجتمع الزراعي المستقرّ، وأنجرا ماينيو رمزاً للغزاة البدو، وتجعل أتباعه الدايفا القبائل الغازية من السهوب، التي تأتي بالفوضى والخراب على الزرع. والنصوص تجعل الدايفا آلهة يعبدها قوم آخرون، وفي الغاثات رؤساء القوم الأكبر يعبدونها، فالقراءة تجد للعداوة بين العابدين أصلاً في عداوة بين جماعات من الناس، وهذا ما يفترضه أيضاً بعض علماء الإيرانيات حين يجعلون الدايفا آلهة قبائل جاورت الإيرانيين.

ويجعل النصّ الدايفا مرّتين قريبين من الإنسان: في الغاثات يختارون كما يختار الإنسان، وفي الڤنديداد يسمّيهم بأسماء ما يصيبه، الشيخوخة والفقر والكذب واللؤم والموت الخفيّ. فالشيطان في هذه الأسماء صورة لما يُفسد حياة الناس في البيت والقرية، ولذلك يُطرد من البيت والقرية والمدينة والبلد بالكلمات نفسها.

التوازيات عبر الحضارات

اسم أوّل الدايفا في قائمة الڤنديداد اسم ملك الآلهة الهندية، إندرا، قاتل التنّين ڤريترا في الريغفيدا. ويقول دارمستيتر إنّ إندرا بقي في إيران قويّاً منيراً باسم آخر، هو لقبه «قاتل ڤريترا»، الذي صار اسم إله النصر ڤرثرغنا. ويقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ أسلاف الهنود والإيرانيين كانوا يعبدون «الخالدين جميعاً»، وإنّ الدايفا كانوا منهم، فلمّا رفضهم زرادشت أمر أتباعه ألّا يعبدوا إلّا النافعين منهم، وهم أمشا سبنتا. ترجمة دارمستيتر، المقدّمة، ص lxxx–lxxxi، الموسوعة الإيرانية، «أمشا سپنتا».

وفي يسنا 30 يتشاور الدايفا في مجلسهم فيأتيهم الفكر السيّئ ليختاروه، وفي «الڤنديداد» يجتمعون عند باب الجحيم يتشاورون في قتل زرادشت، فهم مجلس آلهة يختار خطأً، في مقابل مجلس أهورا مزدا الذي يجتمع فيه السبعة «على فكر واحد وقول واحد وعمل واحد». وهذا من صور مجلس الآلهة. ويفرّ الدايفا في آخر الزمان كما في فرشو كرتي. يسنا 30.6، ترجمة ميلز، الڤنديداد 19.44–47.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. الأفستا، الجزء الثالث: اليسنا، ترجمة ل. ﻫ. ميلز، كتب الشرق المقدّسة 31، 1887: يسنا 30 و32.

  2. الأفستا، الجزء الأوّل: الڤنديداد، ترجمة جيمس دارمستيتر، كتب الشرق المقدّسة 4، 1880: المقدّمة، الفصل الرابع؛ الڤنديداد 10 و19.

  3. النصوص البهلوية، الجزء الأوّل: البندهشن، ترجمة إ. و. وِسْت، كتب الشرق المقدّسة 5، 1880: الفصلان 1 و30.

  4. نقش الدايفا لخشايارشا، لِيڤيوس.

  5. الموسوعة الإيرانية، «دايفا»، هيرنشميت وكيلنز، و«أمشا سپنتا»، و«فرشو كرتي».

  6. مونير وليامز: deva «دِيڤَ»، div «دِڤ».

  7. معجم لين: ضوأ، ذو.

  8. ترجمة وارنر للشاهنامه، المجلّد الأوّل.