ملخص
الموسات عند الإغريق تسع أخوات، بنات زيوس ومْنِيموسيني، أي الذاكرة، يُلهمن الشعراء والمغنّين ما يقولون. ويبدأ هِسْيُود «أنساب الآلهة» بهنّ: يسكنّ جبل هيليكون في بيوتيا، ويرقصن حول نبعه ومذبح زيوس، ويغتسلن في أنهاره، ثم يخرجن ليلاً ملفوفات بالضباب يغنّين بأصوات حسنة للآلهة كلّها.
ثم يروي هسيود كيف صار شاعراً. كان يرعى حملانه تحت هيليكون، فكلّمته الموسات أوّلاً: «يا رعاة البرّية، يا خزايا، يا بطوناً فقط، نحن نعرف كيف نقول أكاذيب كثيرة تشبه الحقّ، ونعرف إذا شئنا كيف ننطق بالحقّ». ثم قطعن له غصناً من الغار عصاً، ونفخن فيه صوتاً إلهياً ليغنّي ما سيكون وما كان، وأمرنه أن يغنّي الآلهة الخالدين، وأن يبدأ بهنّ وينتهي بهنّ. وتقول القصيدة إنّ زيوس اضطجع مع منيموسيني تسع ليال في پِيِيرْيا بعيداً عن الآلهة، فلمّا تمّ الحول ولدت تسع بنات «نسياناً للشرور وراحة من الحزن»، قلوبهنّ على الغناء. وأسماؤهنّ: كْلِيُو، ويوتيرپي، وثاليا، وميلپوميني، وتيرپسيخوري، وإيراتو، وپوليهيمنيا، وأورانيا، وكاليوپي، وهي أعلاهنّ، لأنّها تصحب الملوك.
ولهنّ عطيّتان. الأولى للملك: إذا أكرمن ملكاً عند مولده صببن على لسانه ندى حلواً، فيخرج من فمه كلام ليّن يفصل به بين الناس بالحقّ، ويهدّئ الخصومة الكبيرة، ويردّ الجمع إذا ضلّ. والثانية للمغنّي: يكون الرجل حزيناً حديث الهمّ، فإذا غنّى خادم الموسات أفعال الأوّلين والآلهة نسي ثقله ولم يذكر أحزانه.
والفكرة التي يدور عليها خبرهنّ أنّ الغناء علم يأتي من الذاكرة. فأمّهنّ الذاكرة، وهنّ يعرفن ما كان وما سيكون، والشاعر لا يعرف بنفسه. ولذلك يقول صاحب «الإلياذة» قبل أن يعدّ سفن اليونان: أخبرنني أيّتها الموسات، فأنتنّ إلهات حاضرات تعرفن كلّ شيء، ونحن لا نسمع إلّا الخبر ولا نعرف شيئاً. وبنات الذاكرة هنّ أيضاً اللواتي يُنسين الحزين حزنه.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Μοῦσα / Mousa «مُوسَا»، والجمع Μοῦσαι «مُوسَاي»، إذا رفعنا علامة التأنيث بقي «مُوس». ويقرؤه المقال الإغريقي «مَسّ»: لمس وأصاب، فالإلهام مسّ إلهي، والموسة التي تمسّ العقل بالإلهام. وفي معجم لين: مسّه لمسه، ومسّه المرض والكبر أصابه، و«مسّته الجنّ» أصابته بالجنون، ومنه «مُسَّ» فهو ممسوس، أي مجنون، كأنّ الجنّ لمسته. وهذا ما يقوله أفلاطون في محاورة «إِيُون»: الموسة تلهم الشاعر، فينتقل الإلهام منه إلى غيره كما تنتقل قوّة المغناطيس في حلقات الحديد، والشعراء الجيّدون لا ينظمون بالصنعة بل «ملهمين ممسوسين»، ولا يقدر الشاعر أن ينظم حتى يُلهم ويخرج من عقله. والميم ميم، والسين سين. وحدّ القراءة في الجذر اللغوي.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
| Μοῦσα، Μοῦσαι | مُوسَا، مُوسَاي | اليونانية | الموسة، والموسات |
| Μοῖσα | مُويْسَا | الأيولية | الاسم نفسه |
| Μῶσα | مُوسَا، بواو طويلة | الدورية | الاسم نفسه |
| μοῦσα | مُوسَا | اليونانية | الغناء والموسيقى، اسماً عامّاً |
| Μνημοσύνη | مْنِيمُوسِينِي | اليونانية | الذاكرة، أمّ الموسات |
| مَسَّ، مَسّ، مَمْسوس | العربية | لمس وأصاب؛ مسّته الجنّ: أصابته بالجنون |
يقول معجم ليدل وسكوت إنّ Μοῦσα «مُوسَا» في الأيولية Μοῖσα «مُويْسَا» وفي الدورية Μῶσα «مُوسَا»، وإنّها في «الإلياذة» بنات زيوس الأولمپيات، وإنّ عددهنّ تسع أوّل مرّة في «الأوديسة» 24.60، وإنّ هسيود يسمّيهنّ. وتُقال الكلمة اسماً عامّاً للغناء والموسيقى، كما في قول يوريپيديس: «ما هذا الغناء؟».
ونقرأ الاسم من «مسّ»: الميم ميم، والسين سين، والحركة الطويلة بينهما حركة يونانية. وفي معجم لين: مسّه لمسه بيده، ويُقال في الخير والشرّ، ومسّته الجنّ أصابته بالجنون، والممسوس المجنون كأنّ الجنّ لمسته. والشعر في الخبر اليوناني يأتي من خارج الشاعر: تنفخ الموسات في هسيود صوتاً، وتحرّك الموسة المغنّي دِيمُودُوكُوس فيغنّي أخبار الأبطال، ويقول أفلاطون إنّ الشاعر لا يقدر على الشعر ما دام عقله معه. فالمسّ في العربية والإلهام في الخبر اليوناني فعل واحد: شيء يمسّ الإنسان فيقول ما لم يكن يقوله.
ويذكر المقال قراءة ثانية، «موسى»، الحادّ القاطع الذي يشقّ الصمت، وهي أبعد عن الخبر، فالخبر لا يجعل الموسات قاطعات بل ملهمات. ويقرأ المقال اسم أمّهنّ Μνημοσύνη «مْنِيمُوسِينِي» من «منّ» بمعنى العدّ والحفظ، مع «مسّ»، وهذه القسمة تعبر اللاحقة اليونانية -οσύνη «ـوسِينِي» التي تصنع أسماء المعاني، والذي يبقى من الاسم μνημ- «مْنِيم»، التذكّر.
وحدّ القراءة أنّ الصيغتين الأيولية والدورية تطيلان الحركة قبل السين، وهذا في اليونانية أثر حرف سقط قبلها في الغالب، كما تُقال πᾶσα «پاسا»، أي كلّ، في الأيولية παῖσα «پايْسا»، وأصلها بنون. فقد يكون في الاسم القديم نون أو حرف آخر لا تحسبه قراءة «مسّ»، والقراءة تأخذ الحرفين الباقيين في الصيغة المكتوبة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
ثاميريس
يذكر «فهرس السفن» في «الإلياذة» موضعاً في پيلوس لقيت فيه الموسات ثَامِيرِيس التراقي وهو راجع من بيت يوريتوس، وكان قد تفاخر أنّه يغلبهنّ لو غنّين معه، فغضبن فأعطبنه، وأخذن منه غناءه العجيب، وأنسينه العزف.
ديمودوكوس
وفي «الأوديسة» يُقاد المغنّي الأعمى ديمودوكوس إلى مائدة ملك الفياكيين، ويقول الشاعر إنّ الموسة أحبّته أكثر من كلّ الناس، وأعطته الخير والشرّ معاً: أخذت بصره، وأعطته الغناء الحلو. ثم تحرّكه الموسة فيغنّي خصومة أوديسيوس وأخيل، وأوديسيوس جالس يسمع ويبكي.
الموسات يبكين أخيل
وحين مات أخيل وقفت حوله بنات شيخ البحر يبكين، وقادت الموسات التسع الرثاء، يجيب بعضهنّ بعضاً، فلم يبق يوناني لم يبك، وبكوه سبعة عشر يوماً ثم أحرقوه في اليوم الثامن عشر.
ومن أبناء الموسات المغنّي أورفيوس، ابن كاليوپي، وغنّت الموسات في عرس قدموس وهارمونيا في طيبة.
التوازيات عبر الحضارات
في الهند صارت سرسوتي، وهي في أقدم الأناشيد نهر ومعبودة معاً، ربّة الكلام والعلم والفنون، وقرنت البراهمانات اسمها بـ«ڤاك»، الكلام. فالذي يجري ويُحيي ينتقل عندها من الماء إلى الكلام، والموسات يسكنّ جبلاً ويغتسلن في أنهاره ويرقصن حول نبعه، ونبع الحصان على هيليكون من مواضعهنّ.
وفي سومر كانت نيسابا «كبيرة كتّاب آنو»، معها لوح من اللازورد تقرأ فيه نجوم السماء، وكان الكتّاب يختمون ألواحهم الأدبية بقولهم: «الحمد لنيسابا». وهسيود يُؤمر أن يبدأ بالموسات وينتهي بهنّ، فالقصيدة في الخبرين تُفتتح أو تُختم باسم من أعطى الكلمة.
وفي مصر سِشات ربّة الكتابة والعدّ والقياس، تمدّ الحبل مع الملك عند تأسيس المعبد، وتسجّل الأعداد على لوح. والموسات عند الإغريق للغناء والذاكرة، وسشات للكتابة والحساب، فالعلم في الأولى يُحفظ في الصوت وفي الثانية في الخطّ.
وفي الشمال براغي أفضل الشعراء، كما في «أقوال غريمنير» 44، يجلس بجانب الضيف إيغير فيحكي له أخبار الآلهة، ويُسمّى الشعر باسمه «براغر». ويأتي الشعر عند الشماليين من شراب صُنع من دم كفاسير، فهو عندهم شيء يُشرب، وعند الإغريق شيء يُنفخ ويُصبّ على اللسان ندى.