قدموس

ملخص

قَدْمُوس مؤسّس طيبة في بلاد بُويُوتِيَا في أساطير الإغريق، ابن أَجِينُور الذي ملك فينيقيا، وأخو أُورُوبَا. يسمّيه هيرودوت «قدموس الصوريّ»، ويقول أوفيد إنّه خرج «من أبواب صيدا»، ويقول هيرودوت إنّ الفينيقيين الذين جاؤوا معه حملوا الحروف إلى اليونان. وأتمّ خبره في «المكتبة» المنسوبة إلى أبولودور وفي الكتابين الثالث والرابع من «التحوّلات» لأوفيد.

تبدأ قصّته بفقد. أحبّ زيوس أوروبا، فصار ثوراً أليفاً، وحملها على ظهره في البحر إلى كريت، فولدت له هناك مِينُوس ورَادَامَانْثِيس وسَارْبِيدُون. فأرسل أجينور أبناءه يبحثون عنها، وقال لهم لا ترجعوا حتى تجدوها، وخرجت معهم أمّهم تِيلِيفَاسَّا. فلمّا لم يجدوها لم يرجعوا، وأقام كلّ واحد حيث انتهى: فِينِيكْس في فينيقيا، وكِيلِيكْس في الأرض التي سُمّيت باسمه كيليكيا، وثَاسُوس في الجزيرة التي سُمّيت ثاسوس، وأقام قدموس مع أمّه في تراقيا.

فلمّا ماتت أمّه دفنها، وذهب إلى دلفي يسأل عن أوروبا. فقال له العرّاف: لا تشغل نفسك بأوروبا، واتبع بقرة، وابنِ مدينة حيث تقع من التعب. فوجد بقرة في قطيع بِيلَاغُون فتبعها، فعبرت بويوتيا حتى رقدت حيث مدينة طيبة اليوم. وأراد أن يذبح البقرة لـأثينا، فأرسل بعض أصحابه يستقون من نبع آريس، وكانت عند النبع حيّة عظيمة يقال إنّها ابنة آريس، تحرسه، فقتلت أكثرهم. فغضب قدموس فقتل الحيّة، وأشارت عليه أثينا أن يزرع أسنانها، فطلع من الأرض رجال مسلّحون سُمّوا «سْپَارْتُوي»، أي المزروعين. فقتل بعضهم بعضاً، ويقول فِيرِيكِيدِيس إنّ قدموس رمى الحجارة بينهم فظنّ كلّ واحد أنّ صاحبه رماه، فاقتتلوا. ولم يبق منهم إلّا خمسة، ومنهم إِيخِيُون.

وكفّر قدموس عن قتل الحيّة بأن خدم آريس «سنة أبدية»، وكانت السنة يومئذ ثماني سنوات. ثم أعطته أثينا المُلك، وزوّجه زيوس هَارْمُونِيَا ابنة أفروديت وآريس. ونزل الآلهة كلّهم من السماء إلى قلعة قدموس في طيبة فأكلوا في عرسه وغنّوا، ويقول بِنْدَار إنّ قدموس سمع ربّات الشعر يغنّين على الجبل وفي طيبة ذات الأبواب السبعة، ورأى أبناء كرونوس على كراسيّهم الذهبية، وأخذ هدايا العرس. وأعطى قدموس عروسه ثوباً وقلادة صنعها هيفايستوس. فولدت له أَوْتُونُوي وإِينُو وسِيمِيلِي وأَغَافِي وابنه بُولِيدُورُوس.

ويقول بندار إنّ بناته الثلاث أخذن منه نصيبه من الفرح بما أصابهنّ. ماتت سيميلي بصاعقة زيوس وهي حامل بـديونيسوس، ومزّقت أغافي ابنها بِنْثِيُوس وهي تظنّه وحشاً، ورمت إينو نفسها في البحر مع ابنها مِيلِيكِيرْتِيس. وفي آخر عمره ترك قدموس طيبة مع هارمونيا إلى الإِنْخِيلِيِّين في إِلِّيرِيَا، فقادهم إلى النصر على جيرانهم وملك عليهم، ثم صار هو وهارمونيا حيّتين، فأرسلهما زيوس إلى الحقول الإليزية. ويروي أوفيد أنّه تساءل في شيخوخته هل كانت الحيّة التي قتلها مقدّسة، وقال: إن كان الآلهة يعاقبونني بها فليجعلوني حيّة، فطال جسده وصار حيّة.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الذي خرج يطلب أخته وجد مدينة. أُمر ألّا يرجع بلا أوروبا، فقيل له في دلفي أن يتركها ويتبع بقرة. وقامت المدينة على قتل: قتل حيّة النبع ليشرب أصحابه، فزرع أسنانها فطلع منها مقاتلون قتل بعضهم بعضاً، ومن الباقين خرجت بيوت طيبة، وخدم ثماني سنين كفّارةً للدم. ثم نزلت الآلهة إلى عرسه، وجاء معه من الشرق ما لم يكن عند الإغريق: الحروف. وفي آخر القصّة يصير قدموس حيّة، على صورة الحيّة التي قتلها أوّل مرّة.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Κάδμος / Kadmos «كَادْمُوس» آخره -ος «ـوس» علامة الرفع، فيبقى Καδμ- «كَادْم»، وحروفه ق-د-م، لأنّ اليونانية لا قاف فيها فتكتبها كافاً. وفي معجم لين: قَدَمَ القومَ إذا تقدّمهم ومشى أمامهم وقادهم، وقَدِمَ البلدَ إذا جاءه ووصل إليه. وفي العبرية קֶדֶם «قِيدِم» الأمام والشرق والزمن الأوّل، و«بنو قِيدِم» أهل المشرق. فقدموس «القادم»، الذي جاء من المشرق، من صور وصيدا، فوصل إلى بويوتيا وتقدّم أصحابه وبنى مدينة وكان أوّل ملوكها. ويذكر ملفّ طروادة في المشروع هذه القراءة عن الباحثين أستور ووست، ويقرأ معها أوروبا من ع-ر-ب، أي الغروب، فالأخ والأخت مشرق ومغرب: الذي جاء من الشرق، والتي حُملت في البحر إلى الغرب.

الجذر اللغوي

قدموس و«قَدِم»

الصيغة النطق المعنى والموضع
Κάδμος كَادْمُوس الرفع، «الأوديسة» 5.333، و«الثيوغونيا» 937
Καδμεῖοι كَادْمِيئُوي القدميّون، أهل طيبة القدماء، «الإلياذة» 4.388
Καδμεία كَادْمِيئَا قلعة طيبة
Καδμήια γράμματα كَادْمِيئِيَا غْرَامَّاتَا الحروف القدمية، هيرودوت 5.59
Κάσσμος كَاسْمُوس الاسم مكتوباً على إناء من رِيغِيُون

في معجم لين: قَدَمَ القومَ يقدُمهم قَدْماً وقُدوماً تقدّمهم وسبقهم ومشى أمامهم يقتدون به، وقَدِمَ البلدَ قُدوماً جاءه، وقدّم الشيءَ جعله أمام غيره في الزمان أو المكان أو المنزلة، وأقدم على الأمر جسر عليه. وفي معجم براون ودرايفر وبريغز: קֶדֶם «قِيدِم» الأمام، ثم المشرق بالنسبة إلى من يستقبل الشمس، ثم الزمن الأوّل، ومنه «جبل المشرق» و«بنو قيدم» أي سكّان المشرق. فالمادّة تجمع ثلاثة معانٍ: الأمام والمشرق والقِدَم.

والمقابلة في الصوت: القاف تصير كافاً في اليونانية بانتظام، كما صار «قرن» Κρόνος «كْرُونُوس» في قراءة المشروع، والدال δ «دِلْتَا»، والميم μ «مُو»، وتسقط علامة الرفع. فحروف «قدم» الثلاثة قائمة في الاسم بترتيبها، بلا حرف زائد ولا ناقص.

ويجعل ملفّ طروادة هذه القراءة من الاقتراحات الأكاديمية، مختلفاً فيها لكنّها راسخة في الدراسات، ويرى فيها، مع أوروبا، دليلاً على أنّ الأسماء الإغريقية تحمل أزواجاً من الألفاظ السامية. والتقابل في القصّة نفسها: قدموس يطلب أخته فيتّجه غرباً، وأوروبا حملها الثور غرباً في البحر. وفي اسم أوروبا يبقى الحرف الأخير موضع نظر: «غرب» و«عَرَب» بالباء، والاسم اليوناني Εὐρώπη «إِيُورُوپِي» بالپاء، والباء العربية تقابلها β «بِيتَا» في القاعدة. وفي معجم لين: غربت الشمس غروباً، والمغرب موضع غروبها.

ميليكيرتيس وملقرت

وحفيد قدموس، مِيلِيكِيرْتِيس ابن إينو، الذي رمت به أمّه في البحر وصار يُكرَّم في البرزخ، يحمل اسمه Μελικέρτης «مِيلِيكِيرْتِيس» حروف m-l-k-r-t نفسها بترتيبها، وهي حروف ملقرت معبود صور، mlqrt «م-ل-ق-ر-ت»، أي «ملك القرية»، والقاف فيه كاف لأنّ اليونانية لا قاف فيها. وهي قراءة مقترحة على المنهج، تقوم على الحروف وعلى أنّ جدّ الفتى في القصّة «قدموس الصوري».

السرديات الأسطورية الرئيسة

الحروف القدمية

يقول هيرودوت إنّ الفينيقيين الذين جاؤوا مع قدموس، ومنهم الجِفِيرِيّون، حملوا إلى اليونان علوماً كثيرة، ومنها الحروف، ولم تكن معروفة عند الإغريق قبلهم. ثم تغيّر صوت الحروف وشكلها مع الزمن، وأخذها الأيونيّون عن الفينيقيين وغيّروا قليلاً من شكلها، وسمّوها «الفينيقية». ويقول إنّه رأى «حروفاً قدمية» منقوشة على قدور ثلاثية القوائم في معبد أبولو الإسمينيّ في طيبة، أكثرها يشبه الحروف الأيونية، وعلى أحدها: «أهداني أمفيتريون من غنائم التيليبوي».

معبد في ثاسوس

ويقول هيرودوت إنّه أبحر إلى صور ليعرف قِدَم هيراكليس، ثم ذهب إلى ثاسوس، فوجد فيها معبداً لهيراكليس بناه الفينيقيون الذين أقاموا في الجزيرة حين أبحروا يطلبون أوروبا، قبل مولد هيراكليس بن أمفيتريون بخمسة أجيال. وثاسوس في «المكتبة» أخو قدموس الذي خرج معه في الطلب.

القلادة

وتتبع «المكتبة» قلادة هارمونيا من يد إلى يد بعد قدموس، فتصير ثمناً يرشو به بُولِينِيكِيس إِرِيفِيلِي، فتدفع زوجها إلى الحرب التي يموت فيها. ويقول أبولودور إنّ بعضهم قال إنّ هيفايستوس أعطاها قدموس، وقال فيريكيديس إنّ أوروبا أعطته إيّاها، وكانت قد أخذتها من زيوس.

القراءة الرمزية

يبدأ المقال «قراءة سامية للميثولوجيا الإغريقية» بابه في الطبقة الفينيقية من اليونانية بخبر هيرودوت أنّ الحروف اليونانية جاءت من فينيقيا، ويسأل: إذا انتقل الحرف، فهل انتقل المعنى أيضاً؟ ثم يضع جدول الحروف: ألفا من «ألف»، أي الثور، وبيتا من «بيت»، وغاما من «جمل»، ودلتا من «دالت»، أي الباب. ولا يذكر المقال قدموس باسمه، لكنّ خبر هيرودوت الذي يبدأ به خبر الفينيقيين الذين جاؤوا معه، فقدموس في هذا الخبر رجل من الشرق يأتي بحروف كلّ واحد منها كلمة سامية.

وفي القصّة نفسها ما يلتقي بهذا الجدول: قدموس يقوده إلى موضع المدينة حيوان من البقر، وأوّل الحروف التي جاء بها صورة رأس الثور. والمدينة تقوم على الماء، فأوّل عمل في طيبة استقاء من نبع، وأوّل حرب فيها على النبع، والذين بقوا من المزروعين صاروا أهلها.

التوازيات عبر الحضارات

يجتمع في قصّته طلب أوروبا ومعبد صور. فالفينيقيون الذين أبحروا يطلبونها بنوا في ثاسوس معبداً لهيراكليس، وهيراكليس صور عند هيرودوت هو ملقرت، مؤسّس مدينته وحاميها. وحفيده ميليكيرتيس يحمل حروف اسم ملقرت.

وقتله الحيّة التي تحرس النبع وتمنع الماء من أصحابه من شواهد صراع المعبودات مع البحر والتنين. وأقرب ما يشبهه قتل إندرا فريترا، الحيّة التي حبست المياه في الجبل، فلمّا قُتلت جرت المياه. ويفترقان في أنّ إندرا يطلق الماء للعالم كلّه، وقدموس يفتح نبعاً لأصحابه، ثم يدفع ثمن الدم.

وحمله الحروف من فينيقيا يضعه في الأبطال الحضاريين، مع تحوت الذي تنسب إليه مصر الكتابة، ومع تسانغجيه في الصين. وعرسه الذي نزلت إليه الآلهة كلّها، وغنّت فيه ربّات الشعر، من شواهد الزواج المقدّس بين بشر وابنة معبودين.

وقلادة هارمونيا التي تنتقل بالشؤم من يد إلى يد تقابل خاتم القزم في أساطير الشمال، في صفحة أندفاري.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «المكتبة» المنسوبة إلى أبولودور، 3.1.1 و3.4.1–3 و3.5.4 و3.6.2.

  2. أوفيد، «التحوّلات» 3 و4، هسيود، «الثيوغونيا».

  3. هيرودوت 2.44 و2.49 و5.58 و5.59، بندار، «البيثية» 3.

  4. المعجم اليوناني، Κάδμος «كَادْمُوس»، معجم لين، قدم وغرب، المعجم العبري، قِيدِم وعِيرِب.