نيميسيس

قصص تشترك فيهاالبيضة الكونية

ملخص

نيميسيس عند الإغريق الغضب العادل الذي يردّ على من تجاوز حدّه، وهي في «أنساب الآلهة» بنت الليل: «وولدت الليل المهلكة نيميسيس بلاءً للناس الفانين». وكان لها معبد في رامْنُوس على ساحل أتيكا قرب ماراثون.

وأقدم قصّة لها في «الكيپريا»، القصيدة الضائعة التي تروي ما قبل حرب طروادة، وقد حفظ أثينايوس منها أبياتاً: كانت نيميسيس الحسنة الشعر لا تريد أن تضطجع مع زيوس أبيها، لأنّ الحياء والغضب كانا يؤلمان قلبها، فهربت منه في البرّ والماء الأسود، وزيوس يتبعها يريد أن يمسكها، فصارت سمكة تسبح في موج البحر، ثم جرت على نهر أوقيانوس وأطراف الأرض، ثم في الأرض المحروثة، وكانت كلّ مرّة تصير من الوحوش التي تربّيها اليابسة لتفلت منه، فأمسكها بالقهر فولدت منه هيلين. ويتمّ أپولودوروس الخبر: صارت إوزّة، فصار زيوس تمّاً، فباضت بيضة، فوجدها راعٍ في الغابة فحملها إلى ليدا امرأة تينداريوس، فوضعتها في صندوق، فلمّا فقست خرجت هيلين، فربّتها ليدا كأنّها ابنتها.

وأتمّ خبر لعبادتها في رامنوس عند پاوسانياس. معبدها هناك، وهي «أشدّ الآلهة قسوة على أهل العدوان». ويقال إنّ غضبها نزل على الفرس الذين نزلوا في ماراثون: ظنّوا أنّ أثينا في أيديهم، فحملوا معهم رخاماً من پاروس ليقيموا منه نصب النصر، كأنّ الحرب انتهت. فصنع النحّات فيدياس من ذلك الرخام تمثالاً لنيميسيس، على رأسها إكليل فيه أيائل وتماثيل صغيرة للنصر، وفي يسراها غصن تفّاح، وفي يمناها كأس. وعلى قاعدة التمثال ليدا تقود هيلين إلى نيميسيس أمّها.

والفكرة التي يدور عليها خبرها أنّ لكلّ أحد نصيباً، ومن أخذ فوق نصيبه أو ظنّ أنّه أخذه ردّه الغضب. ويقول هسيود إنّ الحياء ونيميسيس سيتركان الأرض في آخر الزمان، ملفوفتين بثياب بيض، ويلحقان بالآلهة، حين يُمدح فاعل الشرّ وتصير القوّة حقّاً، فلا يبقى للناس ما يدفع الشرّ. ويقول هيرودوت إنّ صولون لمّا ترك كرويسوس، ملك ليديا، نزلت به «نيميسيس عظيمة من الإله»، لأنّه ظنّ نفسه أسعد الناس جميعاً.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Νέμεσις / Nemesis «نِيمِيسِيس» من الفعل νέμω «نِيمُو»، قسم ووزّع، وأصله νεμ- «نِم»، والباقي -εσις «ـيسِيس» بناء لاسم الفعل. ويقرؤه المقال الإغريقي «النِّقْمة»: الانتقام والعقوبة، فنيميسيس عقاب الكبر والتجبّر. وفي معجم لين: نقم عليه عاقبه، وانتقمت منه عاقبته بما فعل، والنقمة الانتقام والعقوبة. وهذا معنى الكلمة اليونانية في الاستعمال كما يقول معجم ليدل وسكوت: الجزاء، والغضب العادل الذي يثيره الظلم. ويقول المعجم أيضاً إنّ معناها في الأصل «توزيع ما يستحقّه كلّ أحد»، وهذا يقابل في العربية «النِّعْمة» بسقوط العين، كما تسقط العين في قوانين مشروع جذور: النعمة عند لين ما يُنعَم به وما يعطيه الله الإنسان. فنيميسيس تعطي كلّ أحد نعمته بقدر، فإذا تجاوزها نزلت به النقمة، والكلمتان العربيتان لا تفترقان إلّا بحرف واحد. وهي قراءة مقترحة على المنهج تضمّ قراءة المقال، وحدودها في الجذر اللغوي.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق اللسان المعنى
Νέμεσις نِيمِيسِيس اليونانية الجزاء، الغضب العادل؛ وفي الأصل توزيع ما يُستحقّ
νέμω نِيمُو اليونانية قسم، وزّع، رعى
νεμεσάω نِيمِيسَاوُ اليونانية غضب غضباً عادلاً
نِقْمة، انتقم العربية الانتقام والعقوبة
نِعْمة، أنعم العربية ما يُنعم به، العطيّة

يقول معجم ليدل وسكوت إنّ νέμεσις «نِيمِيسِيس» من νέμω «نِيمُو»، وإنّ معناها في الأصل مثل νέμησις «نِيمِيسِيس»، توزيع ما يستحقّه كلّ أحد، لكنّها في الاستعمال دائماً الجزاء، وخاصّة الغضب العادل الذي يثيره الظلم، ولا تُقال للآلهة عند هوميروس، ويُقال «لا نيميسيس» أي لا لوم ولا غضب في هذا الأمر. وفي «الأعمال والأيّام» يجتمع الحياء ونيميسيس شخصين.

والنون نون، والميم ميم، في القراءتين. والمقال يقرأ «نقمة» ويقول إنّ القاف تحوّلت، أي سقطت بين النون والميم. والمعنى في هذه القراءة هو المعنى الذي غلب على الكلمة اليونانية: العقوبة على الظلم والكبر. أمّا «نعمة» فتأخذ المعنى الأوّل، القسمة والعطاء، والعين حرف يسقط في اللغات الأوروپية في أكثر ما رُصد في جداول مشروع جذور. فالاسم على القراءتين يجمع طرفي الخبر: القسمة، والعقوبة لمن تجاوزها.

ويذكر المقال قراءة ثالثة، «نَمَّ» أي أظهر وكشف، وفي معجم لين: نمّ الحديث نقله على وجه الإفساد، فالنمّام الذي يوقع بين الناس، وهذا بعيد عن الخبر.

وحدّ القراءة أنّ اليونانية لا قاف فيها، فـ«نقمة» تحتاج أن تسقط القاف، و«نعمة» تقرأ العطاء لا الغضب، والخبر يجعل نيميسيس غضباً قبل كلّ شيء.

السرديات الأسطورية الرئيسة

نيميسيس بلا جناحين

يقول پاوسانياس إنّ تمثال رامنوس، ولا غيره من تماثيل نيميسيس القديمة، لا جناحين له، حتى أقدس تماثيلها الخشبية عند أهل إزمير، وإنّ الفنّانين المتأخّرين أعطوها جناحين كما يعطون إيروس، لأنّهم رأوا أنّها تظهر أكثر ما تظهر في أمور الحبّ.

كرويسوس بعد صولون

يروي هيرودوت أنّ صولون الأثيني زار كرويسوس فأراه خزائنه، وسأله: من أسعد الناس؟ فلم يسمّه، وقال: لا تسمّ أحداً سعيداً حتى ترى خاتمته. فلمّا رحل صولون رأى كرويسوس في المنام أنّ ابنه أتيس، أفضل أبنائه، يُقتل برمح من حديد، فزوّجه ونزع السلاح من بيته، ثم قُتل أتيس في الصيد برمح رجل لجأ إلى كرويسوس فأكرمه.

التوازيات عبر الحضارات

تقيم ماعت في مصر المقياس الذي يوزن به عمر الإنسان: يوضع قلب الميت في كفّة وريشتها في الأخرى، فإن خفّ أكلته عمّيت. ونيميسيس عند الإغريق ليست الميزان، بل الغضب الذي ينزل بمن تجاوز الحدّ في حياته. فالقدر المعلوم في الخبرين واحد، تزن به ماعت بعد الموت، وتعاقب به نيميسيس قبله، كما عاقبت الفرس قبل المعركة وكرويسوس في ابنه.

وفي «أنساب الآلهة» تسبق المويرات نيميسيس في أبناء الليل، وهسيود يقول إنّهنّ يتبعن ذنوب الناس والآلهة ولا يكففن عن غضبهنّ حتى يعاقبن المذنب، فالمويرات يقسمن النصيب يوم الولادة ونيميسيس تعاقب على تجاوزه. وأمّا آتي فتُعمي صاحب القوّة حتى يفعل ما يهلكه، فالعمى أوّلاً عند آتي، والعقوبة بعده عند نيميسيس.

وبيضة نيميسيس التي فقست عن هيلين من شواهد البيضة الكونية، لكنّها هنا بيضة يولد منها إنسان لا عالم.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. هسيود، «أنساب الآلهة»، و«الأعمال والأيّام»

  2. «الكيپريا»، في «الحلقة الملحمية»

  3. أپولودوروس، «المكتبة» 3

  4. پاوسانياس، الكتاب الأوّل 30–44

  5. هيرودوت 1.34

  6. معجم ليدل وسكوت: نيميسيس، νέμω

  7. معجم لين: نقم، نعم، نمّ

  8. هيرودوت 1.30–45