ملخص
نِيسابا معبودة الحَبّ والكتابة في سومر، وراعية مدينة إِرِيش. تسمّيها أنشودتها «كبيرة كتبة آن، وحافظة سجلّات إنليل، وحكيمة المعبودات»، ويُكتب اسمها بالعلامة NAGA «نَاغا»، ثم أُضيفت قبلها علامة الحَبّ. وكان الكتبة السومريون يختمون كثيراً من ألواحهم الأدبية بقولهم: «لِتُمدح نيسابا».
تبدأ أنشودتها بوصفها: «سيّدة ملوّنة كنجوم السماء، تمسك لوحاً من اللازورد»، و«البقرة الوحشية العظيمة التي ولدتها أُوراش». وتخرج لتُنبت الشعير والكتّان في الأخاديد حتى يُحمد الحبّ في عيد الحصاد الكبير لـإنليل. ثم يأتيها إنكي فيفتح لها «بيت العلم»، ويضع لوح اللازورد على ركبتيها لتستشير «لوح نجوم السماء المقدّس»، ويباركها: «كوني الزبدة في الحظيرة، والقشدة في المراح، وحافظة الختم في الخزانة، ووكيلة أمينة في القصر، والتي تكوّم الحبّ في أكداس الحبّ ومخازنه».
وفي «إنكي ونظام العالم» يقسم إنكي أعمال الدنيا على المعبودات، فيقول: «أختي الجليلة، نيسابا المقدّسة، تأخذ قصبة القياس، ويُعلَّق شريط القياس من اللازورد على ذراعها، تعلن القوى العظيمة كلّها، وتحدّ الحدود وتعلّم التخوم، وتكون كاتبة البلاد، ويكون تدبير طعام المعبودات في يدها». وفي «إنمركار وسيّد أرتّا» تفتح نيسابا للملك إِنْمِرْكار «بيت حكمتها المقدّس»، وفي القصيدة نفسها يكتب إنمركار أوّل رسالة على الطين، لأنّ رسوله لم يقدر على حفظ كلامه.
وزوجها حايا، وابنتهما سُود التي تزوّجها إنليل، وهي نينليل. يقول لها إنليل في قصيدة زواجهما: «يا زوجتي الجميلة التي ولدتها نيسابا المقدّسة، كوني إِزِينا، الحبّ النامي، حياة سومر، إذا ظهرتِ في الأخاديد كفتاة جميلة». ويجعلها ملفّها في أوراك أختاً لـننسون أمّ جلجامش.
والفكرة التي تدور عليها أخبارها أنّ الحبّ واللوح في يد واحدة. فالتي تُنبت الشعير هي التي تقيس الحقل وتحدّ حدوده وتعدّ أكداس الحبّ وتحفظ الختم على المخزن، ومن عدّ الحبّ كتب. ويقول ملفّها في أوراك إنّ أخبارها تحمل الطريق الذي سارت فيه حضارة الرافدين من الزراعة إلى الحساب ثم إلى الأدب. وتصف الملحمة الأكدية شعر جلجامش وشعر إنكيدو بأنّه «ينبت كثيفاً كنيسابا»، أي كالشعير القائم في الحقل.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتب القوائم المعجمية نطقه ni-is-sa-ba «نِي-إِسْ-سَا-بَا» وni-da-ba «نِي-دَا-بَا». وتقرؤه المقالة السومرية من «نَسَب» أوّلاً، ومن «نَصَب» ثانياً. والنسب في معجم لين ذكر الأصل والانتساب والنسبة إلى الشيء، أمّا النَّصْب ففيه ما تصنعه نيسابا في القصائد: نصب الحجر علامةً، و«أنصاب الحرم» حدوده التي نُصبت علامات يُعرف بها، والنصيب الحظّ المقسوم، والنِّصاب الأصل الذي ينبت منه الشيء، ونصاب المال المقدار الذي تجب فيه الزكاة. والسومرية لا تكتب الحروف المفخّمة، فسينها تكتب السين والصاد معاً. فنيسابا على هذه القراءة صاحبة الأنصاب والأنصبة: التي تنصب علامات الحدود بقصبة القياس، وتقسم الحبّ أنصبة، وتكتب في اللوح ما يردّ كلّ شيء إلى أصله.
الجذر اللغوي
نيسابا و«النَّصْب»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| ᵈNAGA «نَاغا» | نيسابا | أقدم كتابة للاسم، في نصوص أور العتيقة |
| ᵈŠE.NAGA «شِه-نَاغا» | نيسابا | الكتابة اللاحقة، بعلامة الحبّ še «شِه» قبل العلامة |
| ni-is-sa-ba «نِي-إِسْ-سَا-بَا» | نِيسّابا | النطق في عمود القوائم المعجمية |
| ni-da-ba «نِي-دَا-بَا» | نِيدابا | نطق آخر في القوائم، ويقدّمه سيفيل وملفّ أوراك |
| nissabu «نِسَّبُو» | نِسَّبُو | الأكدية، كلمة شعرية للحبّ، مستعارة من السومرية |
| Nanibgal «نَانِبْغَال»، Nunbaršegunu «نُونْبَرْشِيغُونُو» | اسمان آخران لها، والثاني «السيّدة التي جسدها شعير مرقّط» |
تقدّم المقالة السومرية أربع قراءات: «نَسَب» بمعنى التنسيب والعدّ والإحصاء، وتجعلها الأرجح، ثم «نَصَب» بمعنى إقامة الكتابة، ثم «نِسّ وأبا» تأويلاً، أي نسيج الآباء، ثم «نَضَب» وتجعلها ضعيفة. وفي معجم لين «نَسَبَه» ذكر نسبه، وتتبّع نسبه إلى أبعد آبائه، و«نسبه إلى كذا» ردّ أصله إليه، و«ناسبه» شاكله وقاربه، ولا يذكر لين في المادّة معنى العدّ. وفي «نصب»: نَصَبَ الشيء أقامه، ونَصَب الحجر علامةً؛ والنِّصاب الأصل والمرجع وموضع نبات الشيء، ونصاب المال المقدار الذي تجب فيه الزكاة؛ والنصيب الحظّ، أو الحظّ المنصوب أي المقسوم المعيّن؛ و«أنصاب الحرم» حدوده، أي العلامات التي نُصبت فيه ليُعرف بها.
فالقراءتان تلتقيان في الأصل: النَّسَب ردّ الشيء إلى أصله، والنِّصاب الأصل نفسه، ثم يزيد «النصب» ما تصنعه نيسابا بقصبة القياس: الحدّ المنصوب، والنصيب المقسوم، والمقدار المعدود. والنون في أوّل الاسم نون الجذر، والسين سين أو صاد لأنّ السومرية لا تفرّق بينهما، والباء باء، والألف الأخيرة حركة. وحدّ هذه القراءة أنّ سيفيل يقرأ الاسم نيدابا بالدال، ولا تفسّر الدال «نسب» ولا «نصب».
السياق التاريخي
مدينة نيسابا إِرِيش لم يُعرف موضعها بعد، واقتُرح لها تلّ أبو صلابيخ وتلّ جارين، ولم يُكشف لها معبد خاصّ بها، وكانت عبادتها أنشط ما تكون في معبد ابنتها نينليل في نيبور. وأهمّيتها راعيةً للكتبة ثابتة من عصر فجر السلالات إلى أوائل العصر البابلي القديم، ثم أخذ نَبُو مكانها في الكتابة، وبقيت معبودة للحبّ، ووُجدت لها صلاة في معبد نبو في نمرود من العصر الآشوري الحديث، وذُكرت بركتها في العصر السلوقي. ولا تُعرف لها صورة مؤكّدة، مع أنّ القصائد تصف هيئتها وأدواتها بدقّة.
وزوجها حايا كان بوّاباً وراعياً للكتابة أيضاً، وتسمّيه قائمة إلهية «نيسابا الثروة»، وتسمّي زوجته «نيسابا الحكمة».
الأسرة والصلات
| الاسم | الصلة بنيسابا | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| حايا | زوجها، البوّاب وراعي الكتبة | أوراك، «حايا» |
| نينليل، سود | ابنتها التي تزوّجها إنليل | «إنليل وسود» 1–8 و156–170 |
| إنليل | أبوها في بعض الأنساب، وصهرها في قصّة سود | أوراك، «نيدابا» |
| أُوراش | أمّها في أنشودتها | أنشودة نيسابا 1–6 |
| ننسون | أختها | أوراك، «نيدابا» |
| إنكي | يفتح بيت علمها، ويعطيها قصبة القياس | أنشودة نيسابا 27–57؛ «إنكي ونظام العالم» 412–417 |
| نبو | أخذ مكانها راعياً للكتبة | أوراك، «نيدابا» |
السرديات الأسطورية الرئيسة
«لِتُمدح نيسابا»
يختم الكتبة بمدح نيسابا قصائد ليست عنها. تنتهي «إنانا وإيبيه»، بعد أن تهدم إنانا الجبل، بقولهم: «لِتُمدح نيسابا»، وتنتهي «إنمركار وإنسوخكيرانا»، بعد مباراة السحرة، بالقول نفسه، وتُختم «وصايا شروباك» التي تلقّاها زيوسودرا من أبيه بمدح «السيّدة التي أتمّت الألواح العظيمة، العذراء نيسابا». فالكاتب يردّ إليها كلّ لوح أتمّه.
بيت نيسابا الخرب
وفي مرثية قصيرة يُهدم بيت نيسابا، «صاحبة الألواح»، وينبت العشب عند جدرانه، فترقد وحدها في ضوء القمر وتبكي، وتقول إنّ الجدران تحجب ضوء القمر عن رجلها.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة التي تعيد قراءة أساطير سومر تاريخ الكتابة طريقاً واحداً: علامات على الطين للأرقام وحدها نحو 3400 قبل الميلاد، ثم صور مبسّطة للأسماء والأرقام، ثم جمل كاملة، ثم أدب. فالكتابة عندها اختُرعت للتجارة والحساب: كم رأساً من الغنم عندي، ثم من يملكها، ثم لماذا. وتقرأ المقالة السومرية نيسابا ربّة الكتابة والحساب، وتصل النسب بالكتابة لأنّ الكتابة ضبط للأنساب والإحصاء.
وفي القصائد ما يجمع الطرفين: تُنبت نيسابا الشعير في الأخاديد، وتحفظ الختم في الخزانة، وتكون وكيلة القصر، وتحدّ الحدود بقصبة القياس، ثم تكتب. فالمعبودة الواحدة تمسك المراحل التي تصفها المقالة، من الحقل إلى المخزن إلى اللوح.
التوازيات عبر الحضارات
تقابل المقالة السومرية نيسابا بـتحوت المصري كاتب المعبودات، وبـسرسوتي الهندية ربّة الكلام والعلم، وبكاليوبي الإغريقية. وتجعل المقالة البابلية نيسابا أوّل من سبق نبو في الكتابة والحكمة، وهو ما يقوله ملفّها في أوراك: أخذ نبو مكانها.
وفي الصين يُنسب اختراع الكتابة إلى تسانغ جيه، ويقول كتاب «هواي نان تسي» إنّه لمّا صنع الكتابة أمطرت السماء دُخْناً وبكت الأرواح في الليل. فالكتابة والحبّ يجتمعان في الخبر الصيني كما يجتمعان في نيسابا، والفرق أنّ الحبّ في الصين علامة من السماء على حدث الكتابة، وهو في سومر عمل المعبودة نفسها قبل أن تكتب.
وإعطاء إنكي لها قصبة القياس ولقب «كاتبة البلاد» في «إنكي ونظام العالم» من توزيع المِه، أي المناصب والحرف التي تقوم بها المدينة، ويضعها مع معلّمي الصنائع في الأبطال الحضاريين.